الجادّة: طريقٌ في اتجاهين

“قصص التكاسي” للمخرج سروش صحت..تفتح شهية الكتابة والنقد

للمشاركة:

لا يُعجَبُ نقاد الأدب بالخلط بين مفاهيم الأنواع الأدبية، كالقصة القصيرة وتقنياتها، وبين الخواطر العابرة التي لا تكترث للأصول العامة للأنواع الأدبية، لكنها تصرّ في الوقت عينه على حمل عناوين عريضة تجذب القرّاء.
يهاجم بعض طلاب الأدب الفارسي قصص المخرج الإيراني سروش صحت، التي يتبادلها قسم آخر منهم بإعجاب، فيقول أحدهم: “لا ضير في قراءتها، لكن لا داعي لوصفها بالقصة القصيرة الناجحة، فهي تفتقد لعناصر هامة كالصراع والعقدة”.
ترد شابة على هذا الكلام فتقول: “لا بأس، دعونا نقول إنها قصة قصيرة جداً”.
يصرّ الأول: “لا تتوفر فيها أيضا خاتمة جيدة”، فتذكر طالبة أخرى قصة قصيرة لصحت تبدو أفضل من سابقاتها، ومع ذلك يستمر البعض بالهجوم.
خارج كلية الآداب وخارج مرمى النقاد، تلقى سروش صحت الكثير من المديح لكتاباته المسماة بالقصة القصيرة، ولو خرجنا من أطر التسميات الأدبية لوجدنا في قصصه وعموده السابق في صحيفة “اعتماد” لوحات قصصية غير مكتملة، لكنها ممتعة في الوقت ذاته.
فصحّت نجح في تسجيل اللحظات العابرة ورسمها من جديد.
وبالطبع، فإن احترافه للإخراج يظهر بوضوح في رسم هذه اللوحات، فيفتح للقارئ باب المشاركة ويدعوه ليتخيّل أحداث ما بعد هذه اللوحة.

سروش صحت (مواليد 1965م) ممثل وكاتب ومخرج إيراني وناشط أدبي لا يغيب عن الفعاليات الثقافية في طهران، اشتهر بإخراجه لعدد من المسلسلات الساخرة التي بثها التلفزيون الإيراني ولاقت إعجاب الجماهير، كان أشهرها “مبنى الأطباء” عام 2010.
إلى جانب أعماله السينمائية والتلفزيونية، استمر “صحت” في القراءة والكتابة، فاشتهر في الوسط الفني بثقافته وحبه للكتاب.
تجربته في كتابة القصص القصيرة لم تلقَ نجاحاً باهراً، إلا أنه سجل تجربة جيدة تحوّلت إلى عمود أسبوعي في صحيفة “اعتماد” نُشرت تحت اسم “قصص التكاسي”.
في لقاء صحفي قال صحت إنّ الكتابة بالنسبة له من أكثر المهن المحفوفة بالمخاطر، فهو لم يدرس
الأدب أكاديميا، بل كان مختصاً بالكيمياء، لكنه كان واثقاً بموهبته واستمر بمحاولات الكتابة حتى نجح في كتابة مسلسل أخرجه المخرج المشهور مهران مديري.
نعود إلى التجربة القصصية التي خاضها صحت وما زال يخوضها، فهو يرى في وسائل التواصل الاجتماعي منبراً جيداً لهذه القصص، فينشرها عبر حساباته، فتعجب الجمهور أحياناً، فيما يرى فيها البعض خواطر تفتقد لمقومات القصة القصيرة، الأمر الذي أثير مؤخراً في الأوساط الأدبية عندما قام صحت باعتلاء منبر تعليم الكتابة عبر ورشة قصصية ضمن مؤسسة تعليمية مشهورة.
ما قدمه صحت من لوحات “قصص التكاسي” يتقاطع مع عناصر القصة القصيرة جداً، فقصصه الناجحة من هذه السلسلة قادرة على الإدهاش، كما تنتهي أحياناً بخاتمة محيّرة، فيما تفتقد قصصه غالباً للتلميح والإيهام.
بإيجابياتها وسلبياتها، لاقت هذه القصص إعجاب جمهور السوشال ميديا، الذي لا يرغب بالقراءات الطويلة، ولا يحبذ التعقيدات والحبكات الصعبة في القصص القصيرة الجيدة، لا يحبذ طرح قضايا ماورائية، لا يحبذ الحوارات غير المفهومة، لا يحبّذ بذل الجهد في إعادة ترتيب الأحداث.
مهما كانت الانتقادات التي الممكن توجيهها للوحات صحت إلا أنها لا تخفي نجاحه في جذب القراء وتحويله اللقطات العابرة إلى لوحات مكتوبة ترسم أحياناً ابتسامات الحيرة والدهشة.

نقدم هنا نماذج من لوحات “قصص التكاسي” المنشورة في صحيفة “اعتماد”

القطة النابغة
تحمل السيدة المسنّة في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة سلّة فيها قطة نحيلة تنظر بإمعان إليها.
في الخلف طفل صغير برفقة أمّه، يسأل السيدة المسنّة: “لماذا قطتك قبيحة لهذه الدرجة”؟ فتجيبه: “هي جميلة جداً ونابغة أيضاً”. باستغراب تسأل الأم في الخلف: “نابعة”؟ بفخر تقول المسنّة: “نعم لقد حفظت جدول الضرب”. الطفل: “هل تمزحين”؟ نظرت السيدة المسنّة إلى القطة وقالت لها: “اثنين ضرب اثنين”؟ أجابت القطة بأربعة مواءات، داعبت السيدة القطة وقالت: “ثلاثة في اثنين”؟ أصدرت القطة ستة مواءت. سأل الصبي القطة: “أربعة في اثنين”؟ لم تجب القطة وحدقت فقط في صاحبتها.
سأل الصبي: “إذا لماذا لم تُجِب؟” فأجابته: “لم تتعلم بعد جدول الأربعة، لكني سأعملها لاحقاً إذا بقيت حية”. سأل الصبي: “هل تتعلم بسرعة”؟ نظرت القطة إلى السيدة المسنّة، ثم قالت: “أوون كم هي جميلة”.
بعد قليل توقفت السيارة وترجلت السيدة المسنّة مع قطتها القبيحة النابغة. قالت الأم في الخلف: “كم أتألم لحال هذه السيدة العجوز”، سألها ابنها: “لماذا”؟ الأم: “لا أعلم … لكن المسكينة وحيدة جداً تقضي حياتها في تعليم القطة جدول الضرب”. أدار سائق السيارة الراديو، سأل الصبي أمه: “أمي سبعة ضرب ثمانية كم تصبح”؟ أجابت الأم: “ستة وخمسون”.المذيع كان يعلن وصول عاصفة هوائية قريباً.

همهمة
قال الرجل في المقعد الأمامي: “المطر الذي هطل هذه الأيام جيد جداً”. لم يعلّق أحد. أكمل الرجل بعد لحظات: “المطر ينظف الهواء، فتقلّ الأمراض ويذهب التلوث، للأسف أنه لا يهطل كل يوم”. سكت الرجل وساد الصمت. تابع الرجل: “الانتخابات الأميركية انتهت، سنرى الآن ماذا سيحدث من تغييرات، ماذا سيفعلون، طبعاً وصول رجل أسود للسلطة هو بحد ذاته تغيير مهم”. لم يُجب أي أحد، ضحك وأضاف: “رئيس أسود في البيت الأبيض”. لم يضحك أحد.
تابع الرجل: هل سمعتم أنّ في غينيا أعلنوا اليوم الذي يعقب الانتخابات يوم عطلة رسمية؟ ماذا تنفع هذه الحركات؟ الناس تنتظر الأفعال لا الأقوال … إن شاء الله يستمر هطول المطر، من دون ثلوج، مع أول قطرتين من المطر تزدحم الشوارع، فماذا سيحدث مع هطول الثلج يا إلهي”! أيضاً لم يعلق أحد.
نظر الرجل وقال: “لماذا لا تتكلمون”؟ لم يرد أحد. قال الرجل: “أدر هذا المذياع على الأقل”. مازال الصمت مطبقاً. تابع الرجل: “لماذا لا يجيب أي أحد منكم؟” ثم أعقب: “هكذا يشعر الإنسان بالخوف.. قولوا شيئاً، لماذا تحدقون جميعاً إلى الخارج؟ افتح لي النافذة لو سمحت”. قال الرجل: “لو سمحت أريد أن أترجل هنا”. ثم أعاد بصوت عال: “أقول لك أريد أن أترجل هنا… “.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: