الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة1 ديسمبر 2021 17:49
للمشاركة:

ماذا يحدث في فيينا؟

تفتقد فيينا لصخب صاحبها طويلا، الجائحة فتكت بمدينة المؤامرات والجواسيس، كما يطلق عليها. تحولت إلى مكان ينبض بالكآبة الممزوجة بصقيع يعزز حالة الإقفال التي تعيشها المدينة منذ أيام بسبب تفشي وباء كورونا. وحدهم المفاوضون وجدوا ضالتهم في هذه الظروف ليتحدثوا عن قرب حول برنامج إيران النووي وامكانية التوصل إلى تسوية تعيد إلى الحياة التسوية التي جرى التوصل إليها في المدينة عينها في صيف 2015.

يقول دبلوماسي غربي في دردشة سريعة على الهاتف “الظروف مختلفة ولا تبعث على التفاؤل” مضيفا أن الأسقف المرتفعة للطرفين الرئيسيين في هذه المعضلة تجعل توقع نهاية ما للمحادثات ضربا من ضروب التنجيم. “هناك محاولات حثيثة وعلى إيران المساعدة في تخطي العوائق اذا كانت تنوي الاستفادة من رفع العقوبات”.

في هذه الاثناء تنقل وكالة رويترز عن دبلوماسي أوروبي قوله إن المفاوضين انتهوا من صياغة نحو 80% من نص اتفاق في المحادثات النوویة، تعليق سرعان ما يأتي رد إيراني عليه لـ “جاده إيران” حيث يؤكد عضو في الوفد المفاوض الإيراني أن ما من شيء يدفع لتصديق ذلك أصلا.

الاتفاق على نقاش العقوبات بالدرجة الأولى وتأجيل الحديث حول خطوات ايران النووية أراح الوفد الإيراني، لكن المشكلة الآن ليست في ما يجري نقاشه، اذ أن المشكلة ليست واقعا في العموميات، انما في التفاصيل حيث كما يقول المثل العربي يكمن الشيطان. والتفاصيل بعد نهاية حقبة الرئيس السابق حسن روحاني والتعيينات الجديدة في الفريق التفاوضي الإيراني، التفاصيل اصبحت كثيرة، لا تبدأ بالثقة المهتزة إلى حد التنافر بين الطرفين. ولا تنتهي في استبعاد كل طرف المطالب الرئيسية للطرف المقابل فلا أميركا تريد تحقيق مطالب إيران برفع العقوبات بشكل كامل ونهائي ولا طهران تريد اتفاقات صغيرة وتسويات تصنعا مساراً لعودة الاتفاق النووي.

كثر في فيينا، من ضمنهم شخصيات عملت بشكل قريب جدا من المسار التفاوضي وقادت مفاوضات المسار الثاني غير الرسمية في مناسبات عديدة يتساءلون عن شكل الاتفاق المقبل وكيف يمكن صناعته وكيف يمكن تمتينه وتعبيد طريقه للاستمرار أطول فترة ممكنة، وهم لا يملكون اصلا اية اجابات. ولعل الإجابة الأكثر حساسية ستكون لسؤال لا يريد أحد حاليا طرحه هنا بصوت عالٍ، ماذا بعد اعلان فشل المفاوضات في حال عدم التوصل لأي تسوية حقيقية؟ ايران اليوم تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60% وخصبت سابقا 20% وبالتالي هي اصبحت تقنيا قادرة على اخذ القرار الصعب بالتخصيب بنسبة 90% وهذا ما يضعه الغربيون وحلفائهم في مساحة عسكرة البرنامج النووي. مع أن الظروف والمؤشرات التي تواترت باتت تشير بشكل واضح إلى أن العامل الأساسي في تأخر إيران عن صناعة القنبلة النووية هو عامل سياسي لا عامل تقني.

لا تريد أميركا تحقيق مطالب إيران برفع العقوبات بشكل كامل ونهائي ولا طهران تريد اتفاقات صغيرة وتسويات تصنعا مساراً لعودة الاتفاق النووي.

وبينما تزدحم الكواليس بمحاولات جسر الهوة والتي تبذل الدول الاوروبية جهداً كبيرا فيها، تزداد المخاوف من مغامرة اسرائيلية غير محسوبة بالهجوم على المنشآت الايرانية النووية ما قد يقلب الطاولة بشكل كبير، وبالتوازي هناك من يعتقد أن التصعيد الاسرائيلي اللفظي هدفه حث الأميركيين والاوروبيين على التشدد تجاه ايران وبرنامجها وفرض قيود قاسية تبعد ايران عن القنبلة واي نوع من التطور النووي الذي يمكن ان يؤثر في التوازن الاستراتيجي.

لكن مؤشرات أخرى تعكس محاولات إسرائيلية تقويض أي تسوية مفترضة يمكن أن تعيد إحياء الاتفاق النووي، ولعل ما جاء به موقع “أكسيوس” الأميركي حول تبادل إسرائيل معلومات مع أميركا وعدد من الحلفاء الأوروبيين خلال الأسبوعين الماضيين مرتبطة بما وصفه الموقع استعدادات  فنية إيرانية خطوات للتحضير لتخصيب اليورانيوم بنسبة 90 %.

ونقل الموقع تقارير حول تبادل معلومات استخباراتية أخرى بين إسرائيل والولايات المتحدة تظهر رغبة طهران بامتلاك أوراق ضغط في فيينا، قد تدفع الجمهورية الاسلامية الايرانية إلى تكثيف الهجمات ضد واشنطن ومصالحها وقواتها في المنطقة من خلال حلفائها في العراق وسوريا واليمن.

بالعودة إلى فيينا، حيث عبء عدم الثقة الذي تحمله هذه الجولة مما سبق تدفع جميع الاطراف للاصرار على محاولة التوصل إلى تسوية في هذه الجولة حتى لو كان ذلك يعني اطالتها بدل الأيام إلى أسابيع. فالهدف عدم التورط في دوامة جولات لا تنتهي ومعها تستمر الظروف في التغير بما لا يسمح بالتوصل لتسوية مستدامة وبالتالي يصبح للحوار والتفاوض أداة لضبط النزاع لا لإنهائه وبالتالي فتح الباب أمام اطراف خارج اطار التفاوض للتدخل بالطريقة التي يرونها مناسبة لكسر الحلقة المفرغة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: