الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة6 أبريل 2024 03:02
للمشاركة:

بين “البقاء” و “حفظ الكرامة”.. كيف ستتصرف طهران ردًا على اغتيال زاهدي ورفاقه؟

إنها واحدة من أشد اللحظات وطأة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ اغتيال قائد قوة القدس في للحرس الثوري قاسم سليماني في يناير كانون الثاني ٢٠٢٠. ثقل اغتيال محمد رضا زاهدي في دمشق داخل المبنى القنصلي للسفارة الإيرانية يضعها أمام خيار لا ثاني له، الرد.

لكن الردّ وسط حرب جارية في غزة واشتباك جبهات أخرى من المحور الذي تقوده إيران تحت اسم محور المقاومة على أكثر من جبهة مع إسرائيل قد يكون وصفة قاتلة لتمدد التوتر إليها وهو ما كانت تسعى بكل ما أوتيت لتفاديه منذ لحظة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣.

التمدد هذا هو الفخ الذي تظن إيران أن إسرائيل تسعى له بقوة منذ أن بدأت حملة تصفية قادة قوة القدس في سوريا بشكل عابر للمسؤوليات. بداية مع استهداف العقول التكنولوجية محمد علي عطائي شورتشه وبَناه تقي زاده في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٣، ثم مسؤول نقل الأسلحة سيد رضا موسوي بعدها بعشرين يوم بالقرب من دمشق، فقائد وحدة استخبارات القوة في سورية حجة الله اميدفار وعدد من معاونيه، ثم قائد قوات الحرس الثوري في لبنان وسورية محمد رضا زاهدي ونائبه ومجموعة كانت معه في اجتماع.

في كل ما سبق من اغتيالات، لم يكن حرج الرد الفوري ليقلق طهران كما في الاغتيال الأخير، فهذه المرة لم تتوان إسرائيل عن استهداف مبنى لبعثة دبلوماسية إيرانية، أو بمعنى أوضح أرض تحت السيادة الإيرانية، وهو ما يمكن وصفه بلكمة في وسط الوجه. مؤلمة بنتيجتها التي أفقدت طهران قائداً عسكريا رفيعا، وبدلالاتها المعنوية لنظام اعتمدت سرديته الاستراتيجية منذ انتصار الثورة على الشاه عام ١٩٧٩ على فكرة حفظ الكرامة الوطنية ومقارعة “الاستكبار”.

الواضح في هذه اللحظة الثقيلة أن رسالة إسرائيلية قاسية جرى إرسالها مضمونها لا حصانة لا لمكان ولا لشخص طالما أنه على لائحة الاهداف الإسرائيلية.

ما يقلق طهران حقا هنا أن إسرائيل تصعد السلم إلى الأعلى في سقف الأهداف ولا تتراجع ولعل لهذا علاقة عضوية في اهتزاز منظومة الردع لدى إيران وحلفائها في المنطقة وهو ما يشجع إسرائيل على المزيد من العمليات المشابهة. لهذا علاقة مباشرة بالمسار الذي تبنته طهران منذ اغتيال سليماني وما كُشف عنه من إبلاغها الأميركيين حينها بالقصف الانتقامي وهو ما جنّبها مواجهة عسكرية ممكنة مع أميركا المحكومة حينها من الرئيس ترامب.

حسابات طهران عنها مرتبطة بشكل أكبر باستراتيجيتها الكبرى والتي قامت على مدى سنوات على تجنب ما يمكن أن يؤدي إلى استهداف الأراضي الإيرانية وهو الذي توعدت أنها ستواجهه برد حاسم. والرد الحاسم قد يكون بدوره فتيلا لتوسع الصراع بشكل لا لبس فيه، أو ما يمكن وصفه باشتباك قد يتسبب باستهداف لا يمكن معه سوى الانخراط في صراع طويل غير مأمون العواقب. فآخر تبادل مشابه مع العراق بعد أشهر من الثورة أدى إلى حرب الثماني سنوات مع نظام صدام حسين ولم ينته سوى بمئات ألاف القتلى واضطرار القائد الإيراني الراحل آية الله الخميني للرضوخ لقرار مجلس الأمن، أو ما وصفه حينها بتجرع السم. كانت تلك لحظة مصيرية فاضل بها الزعيم الإيراني بين ماء الوجه وقبول الهزيمة وبين البقاء، فكان البقاء والتمكين. بعدها بسنوات سقط صدام حسين بغزو أميركي وسيطر حلفاء طهران على بغداد.

في حالة اغتيال زاهدي الوضع قد يكون أكثر محدودية من جهة تهديد البقاء للدولة في إيران، لكنه حساس جدا من جهة الصراع بين المحور الذي تقوده إيران وإسرائيل. فقرار الأخيرة استهداف بعثة دبلوماسية يتخطى كونه رسالة إلى التهديد بأن ما من أحد آمن تحت السماء لا سيما وأن إسرائيل لا تدفع ثمنا حقيقيا لما تقوم به. مع أن هناك وجهة نظر أخرى تناقش بأن ما يحدث في المنطقة ليس مباراة لكرة القدم تنتهي بفوز من يسجل العدد الأكبر للأهداف، انما مواجهة شطرنج بلاعبين عديدين وأن من يفوز هو من يبقى وليس من يخسر أكبر عدد من الجنود.

توعدت إيران بالرد على اغتيال زاهدي، هذا أمر بات معلنا، لكن حجم ومكان وجهة الرد هو محل السؤال. في هذا الإطار أعلن مساعد مكتب الرئيس الإيراني للشؤون السياسية محمد جمشيدي أن “بلاده في رسالتها لأميركا حذرتها من الوقوع في فخ نتنياهو”. موضحًا أن “طهران قالت لواشنطن في رسالتها أن تتنحى جانبًا كي لا تتعرضين لضربة”. وأضاف أن “الرد الأميركي جاء طالبًا عدم ضرب أهداف أميركية”. لكن على المقلب الأخر لا يمكن استبعاد دور الدبلوماسية في تحديد مستوى التصعيد. فبحسب مصدر دبلوماسي عربي تحدث لـ”جاده إيران”، فإن “تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن يهدف لاحتواء التصعيد”. حيث اشترط الطرح الإيراني وقف النار في غزة كثمن. يقول المصدر “إذا نجحت أميركا في احتواء الموقف سيكون بمثابة نجاح كبير لإدارة بايدن ويمكن البناء على ذلك.”

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: