الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة24 مايو 2026 06:59
للمشاركة:

اتفاق إيراني-أميركي يتبلور: أعقد الخلافات لم تُحسم بعد

تتداول الأطراف المنخرطة في المفاوضات مسودة إطار لاتفاق شامل محتمل بين إيران والولايات المتحدة، بحسب ما كشفته مصادر إقليمية متعددة مطّلعة على سير المحادثات. وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق نهائي، فسيشكّل ذلك أهم خطوة دبلوماسية منذ وقف إطلاق النار الذي رعته باكستان، وأوقف حرباً استمرت قرابة ستة أسابيع، بدأت في 28 فبراير/شباط مع اغتيال القائد الأعلى الإيراني آنذاك، آية الله علي خامنئي، في هجوم مشترك استهدف مسؤولين كباراً ومنشآت حيوية داخل إيران.

الحرب أعادت تشكيل المنطقة بطريقة لم يكن أحد قد رسم حدودها بالكامل. فقد دفعت حزب الله اللبناني إلى الانخراط المباشر في القتال خلال أيام، وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الذي يعبر عبره خُمس النفط المنقول بحراً في العالم. كما أفضت إلى جولة مفاوضات مباشرة واحدة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد انتهت من دون نتائج، وفتحت في الوقت نفسه مساراً تفاوضياً منفصلاً بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً، وإن كان هشاً. واليوم، وفي ظل وقف إطلاق نار صامد من دون إطار رسمي واضح، يبدو أن الأطراف تحاول الانتقال إلى صيغة أكثر استدامة.

وبحسب ما نقلته مصادر عربية وإيرانية إلى “الجادة”، فإن مسودة الاتفاق تتضمن وقفاً للأعمال القتالية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار البحري الأميركي، وسحب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران. وفي مرحلة لاحقة، تمنح الأطراف نفسها مهلة ثلاثين يوماً للتوصل إلى تفاهم حول الملف النووي، مع إمكانية تمديد المفاوضات باتفاق متبادل.

ملحقان واتفاق واحد

بنية الاتفاق المقترح أكثر تعقيداً من مجرد مذكرة تفاهم واحدة. فبحسب مصدر مطلع على هيكلية التفاهم، فإن ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً يتعلق في الواقع بملحقين منفصلين سيتم إرفاقهما بالمذكرة الأساسية، فيما لا تزال المفاوضات جارية حول تفاصيلهما.

الأهم هنا هو مسألة الترتيب الزمني. فالبنود المالية والأمنية تبدو مصممة لخلق مصالح متبادلة ملموسة تدفع الطرفين إلى الدخول في المفاوضات النووية وهما يملكان ما قد يخسرانه: تخفيف العقوبات، خفض التصعيد العسكري، وإعادة فتح مضيق هرمز.

أحد الملحقين يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج بفعل العقوبات الأميركية. ووفق مصدر إقليمي رفيع المستوى، فإن نحو 50% من هذه الأموال، أي ما يقارب 12 مليار دولار، موجودة حالياً في قطر والعراق وتركيا. وأوضح المصدر أن قطر لعبت “دوراً محورياً” في دفع هذا المسار التفاوضي إلى الأمام.

وفي هذا السياق، قررت طهران تثبيت هذا الدور رسمياً عبر توقيع مذكرة تفاهم منفصلة مع الدوحة تتعلق تحديداً بهذه الأموال. أما على مستوى الاتفاق الأوسع، فإن دور قطر لم يعد مجرد وساطة عابرة، بل أصبح جزءاً بنيوياً من العملية التفاوضية نفسها.

هرمز، قلب الحرب

منذ اللحظة الأولى للحرب، تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة الضغط المركزية في المواجهة الإيرانية، الإسرائيلية، الأميركية. فقد أغلقت إيران المضيق عملياً بعد ساعات من هجمات 28 فبراير/شباط، معلنة أن أي سفينة أجنبية لن تعبر من دون إذن إيراني. وبثّ الحرس الثوري تحذيرات مباشرة عبر أجهزة الاتصال البحرية، فيما علقت مئات الناقلات في البحر وقفزت أسعار النفط عالمياً.

وردّت واشنطن بحملة جوية استهدفت السفن والمنشآت البحرية الإيرانية بدءاً من 19 مارس/آذار. وبعد فشل محادثات إسلام آباد، التي قادها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في أبريل/نيسان، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً كاملاً على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها.

وبموجب وقف إطلاق النار الذي رعته باكستان وأُعلن في 8 أبريل/نيسان، سمحت إيران مؤقتاً لبعض السفن بالعبور، لكن الحصار الأميركي لم يُرفع بالكامل، كما أن إيران لم تعد تفتح المضيق بشكل كامل. كل طرف اتهم الآخر بخرق وقف إطلاق النار، فيما بقيت حركة الملاحة أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

وترى طهران في مسودة الاتفاق الجديدة أن إدارة المضيق على المدى الطويل شأن إيراني، عماني حصراً، باعتبار الدولتين المطلتين على هرمز، وقد بدأت بالفعل نقاشات بهذا الشأن في مسقط. لكن من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستقبل بهذه المقاربة. وخلال مهلة الثلاثين يوماً الخاصة بالمفاوضات النووية، سيتم تسهيل المرور البحري، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل ستقبل الولايات المتحدة بهذه الصيغة المرحلية، أم ستصر على إعادة فتح المضيق بشكل كامل وغير مشروط قبل توقيع أي اتفاق؟

ما الذي يؤجله الاتفاق؟

اللافت في المسودة الحالية ليس فقط ما تتضمنه، بل أيضاً ما تؤجله. فالملف النووي نفسه ليس جزءاً من الاتفاق الجاري بلورته حالياً، بل موضوع المرحلة التفاوضية التالية الممتدة ثلاثين يوماً. ولا تزال الخلافات كبيرة بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك مئات الكيلوغرامات المخصبة بنسبة 60%، وكذلك حول مدة أي تعليق محتمل للتخصيب الإيراني.

أما برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني فلا يرد في النص إطلاقاً. وكذلك الدور الإقليمي لطهران، وعلاقاتها بحزب الله وحركة أنصار الله في اليمن والفصائل الحليفة الأخرى في المنطقة، بقيت بالكامل خارج إطار الاتفاق.

بالنسبة إلى حلفاء واشنطن الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، فإن هذا الغياب ليس تفصيلاً ثانوياً. فالحرب قامت أساساً على هدف معلن يتمثل في تفكيك “محور المقاومة” الذي تقوده إيران. وبالتالي، فإن أي اتفاق يخفف الضغط العسكري والاقتصادي عن طهران من دون المساس بهذه البنية الإقليمية، يمثل تحولاً كبيراً عن المنطق المعلن للحرب، سواء جرى الاعتراف بذلك أم لا.

السؤال الإسرائيلي

إسرائيل، التي دفعت لعقود باتجاه مواجهة أميركية مع إيران، لم تُخف قلقها من مسار المفاوضات الحالي. فعندما أُعلن وقف إطلاق النار الإيراني الأميركي في 8 أبريل/نيسان، قالت كل من إيران وباكستان إنه يشمل لبنان. لكن إسرائيل والولايات المتحدة رفضتا هذا التفسير، وواصلت تل أبيب غاراتها، بما فيها موجة قصف قيل إنها أوقعت أكثر من 350 قتيلاً لبنانياً في يوم واحد. وردّت إيران عملياً بالإبقاء على إغلاق هرمز.

لكن المفارقة أن هذه الحملة الإسرائيلية نفسها فتحت الباب لأول مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1993. فبعد أكثر من مئة غارة على بيروت ومحيطها، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو في 9 أبريل/نيسان أنه سمح ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان.

واستضافت وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن هذه المحادثات، بقيادة الوزير ماركو روبيو، حيث طالبت إسرائيل بنزع سلاح حزب الله، بينما طالب لبنان بوقف كامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي تدريجي.

عُقدت حتى الآن ثلاث جولات تفاوضية، آخرها في 14 و15 مايو/أيار، من دون اتفاق. إسرائيل تقول إنها ستواصل استهداف حزب الله بغض النظر عن نتائج التفاوض، بينما يصر لبنان على أن وقف النار الكامل يجب أن يسبق أي نقاش سياسي. أما حزب الله فوصف المفاوضات بأنها “تنازل مجاني”، داعياً الدولة اللبنانية إلى الانسحاب منها.

السؤال الأعمق، الذي لا تجيب عنه مسودة الاتفاق، يتعلق بالدور الذي قد تلعبه إسرائيل في أي تفاهم إيراني أميركي. فمذكرة تفاهم ثنائية بين طهران وواشنطن، إذا وُقعت، ستعيد رسم خريطة الضغوط في المنطقة بأسرها. وما إذا كان نتنياهو سيقبل بذلك، أو سيحاول تقويضه، قد يكون عاملاً حاسماً بقدر أهمية أي بند مكتوب في الاتفاق نفسه.

المعضلة اللبنانية

لا تظهر تعقيدات الاتفاق في أي مكان بوضوح كما تظهر في الساحة اللبنانية. فبعد إعلان التهدئة مع إيران في أوائل أبريل/نيسان، قالت واشنطن إن وقف النار لا يشمل لبنان رسمياً. باكستان قالت العكس. إيران قالت العكس. وإسرائيل رفضت ذلك بالكامل. وفي نهاية المطاف، انحازت إدارة ترامب إلى الموقف الإسرائيلي.

وكان لهذا الخلاف أثر بالغ، إذ منح إسرائيل غطاءً لمواصلة عملياتها العسكرية بينما كان وقف إطلاق النار الإقليمي قائماً نظرياً.

الحرب اللبنانية لعام 2026، التي دخلها حزب الله في 2 مارس/آذار بعد يومين من اغتيال خامنئي، تحت عنوان “الرد الدفاعي”، أوقعت أكثر من ألفي قتيل ودفعت أكثر من مليون شخص إلى النزوح. كما دخل وقف إطلاق نار منفصل بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ في 16 أبريل/نيسان بوساطة أميركية، وتم تمديده لاحقاً لثلاثة أسابيع، لكن إسرائيل واصلت ضرب مواقع حزب الله، فيما استمر الحزب في الرد.

حتى الآن، لا يوجد تعريف واضح لما يعنيه “إنهاء الحرب” في لبنان. فالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة ليس مطروحاً في المفاوضات الحالية، ونزع سلاح حزب الله، وهو الهدف المعلن لإسرائيل، تصر الحكومة اللبنانية على أنه ملف داخلي لا يمكن بحثه قبل وقف كامل لإطلاق النار. أما حزب الله، فيرفض أساساً الإطار التفاوضي الحالي، معتبراً أن التفاوض تحت النار استسلام سياسي.

ويزيد من تعقيد الصورة أن تجربة وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل عام 2024 لا تزال حاضرة بقوة. فبحسب الرواية اللبنانية، خرقت إسرائيل الاتفاق أكثر من عشرة آلاف مرة، ونفذت اغتيالات داخل بيروت، ولم تنسحب بالكامل من الأراضي التي احتلتها. والدرس الذي استخلصته طهران، ويكرره حزب الله بصورة أكثر حدة، هو أن أي وقف إطلاق نار بلا آليات تنفيذ وضمانات ليس وقفاً للحرب، بل مجرد هدنة محسّنة شكلياً.

وهنا يبرز السؤال الأصعب في كل هذه المفاوضات: إلى أي حد يمكن أن تذهب إيران في تقديم تنازلات تتعلق بحليفها اللبناني مقابل اتفاق مع واشنطن؟ وإذا وقّعت طهران اتفاق إطار، فماذا يمكن أن تقدمه لحزب الله في المقابل، في ظل غياب أي انسحاب إسرائيلي أو ضمانات أمنية، وترك الحزب يفاوض على سلاحه تحت النار مع دولة لا يثق بها بالكامل؟

ماذا بعد؟

الإطار الجاري التفاوض عليه يحاول الجمع بين أهداف متناقضة إلى حد كبير. إيران تريد رفع العقوبات، واستعادة أموالها المجمدة، وإنهاء الحرب الإسرائيلية الأميركية بشكل دائم. الولايات المتحدة تريد إعادة فتح مضيق هرمز، ووضع الملف النووي الإيراني على الطاولة، وتحقيق حد أدنى من خفض التصعيد الإقليمي. إسرائيل تريد نزع سلاح حزب الله وتثبيت موقعها الإقليمي، لكنها ليست جزءاً مباشراً من المفاوضات الأساسية. أما لبنان، فيريد انسحاباً إسرائيلياً، وأن يُبحث مستقبل حزب الله داخلياً لا ضمن صفقات إقليمية.

هذه الأهداف لا تنسجم بالكامل مع بعضها البعض. ولذلك تبدو الملحقات التفاوضية الحالية محاولة لتأجيل التناقضات الكبرى، بما يكفي لكي يتمكن كل طرف من إعلان انتصار ما.

لكن ما إذا كانت مهلة الثلاثين يوماً المقترحة ستقود فعلاً إلى اختراق حقيقي في الملف النووي المستمر منذ عقدين، أم أنها ستتحول إلى مجرد هدنة جديدة “بصورة أفضل”، فهذا سؤال لا تملك المسودة الحالية جواباً عليه.

المفاوضات، وفق ما أكدته مصادر متعددة مطلعة في المنطقة لـ”الجادة”، لا تزال مستمرة. وكما قال أحد المصادر: “التفاصيل لم تُكتب بعد.”

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: