“فورين أفيرز”: ماذا تعني حرب إيران لمحور المقاومة؟
يرى الباحث الإيراني حميد رضا عزيز أنّ الحرب على إيران، وما رافقها من انعكاسات، ستحيي الخوف الجماعي لدى الأطراف المنضوية في "محور المقاومة".
وفي مقال له في مجلّة “فورين أفيرز”، يؤكد عزيز أنّ الأفعال المدفوعة بمخاوف التهميش تستفزّ ردودًا تثير قلق عدد متزايد من الناس، مما يوسّع القاعدة الاجتماعية للتعبئة الشيعية.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:
في الأسابيع الأخيرة قبل اغتياله، صاغ القائد الأعلى الإيراني علي خامنئي مواقفه بصيغة شيعية صريحة، فرفضَ الدعوات إلى الاستسلام، واستحضر مثال الإمام الحسين – الإمام الثالث أو القائد الروحي للشيعة —الذي رفض مبايعة يزيد بن معاوية، الحاكم الأموي المرتبط في الذاكرة الشيعية بالطغيان والظلم. وبهذا المعنى، لم يكن التحدّي مجرّد ضرورة استراتيجية، بل قيمة متجذّرة في التاريخ والهوية.
لم يختفِ هذا التأطير مع وفاة خامنئي، بل إنّ شخصيّات سياسية شيعية وعلماء دين ومجتمعات عبر المنطقة تبنّت هذه اللغة والرمزية، في مؤشّر على تزايد القلق والشعور بالهشاشة. ففي لبنان، كان تراجع نفوذ حزب الله الشيعي سياسيًا وعسكريًا في السنوات الأخيرة قد غيّر بالفعل التوازن الطائفي في البلاد. وزادت العمليّات الإسرائيلية المكثّفة في المناطق ذات الغالبية الشيعية خلال الشهر الماضي من ترسيخ الانطباع بأنّ إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة تسعيان إلى فرض عقاب جماعي على الشيعة.
وفي العراق، جعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية المتكرّرة على قوات الحشد الشعبي – وهو ائتلاف من جماعات مسلّحة تعمل داخل وخارج مؤسسات الدولة الرسمية — من الصعب على الفصائل التي كانت تتجنّب الانخراط في الاضطرابات الأخيرة أن تبقى على الحياد. أما خارج النطاق العربي، فتُظهر ردود الفعل على مقتل خامنئي بين المجتمعات الشيعية، في أماكن مثل باكستان، كيف يُفسَّر الصراع من منظور جماعي وديني أوسع.
تعزّز الحرب حضور الهوية الشيعية في ساحات عدّة في آن واحد، وبذلك تعيد تشكيل طريقة تقييم الفاعلين السياسيين والعسكريين لمصالحهم ومخاطرهم، فالجماعات التي ربما كانت ستبقى على الهامش أصبحت أكثر ميلًا للانخراط في النزاع، بينما تواجه الأطراف المنخرطة أصلًا ضغوطًا متزايدة للتصعيد.
والنتيجة هي حلقة تغذية راجعة، حيث أنّ الأفعال المدفوعة بمخاوف التهميش تستفزّ ردودًا تثير قلق عدد متزايد من الناس، مما يوسّع القاعدة الاجتماعية للتعبئة الشيعية. ورغم أنّ ما يُعرف بـ“محور المقاومة” – شبكة إيران من الحلفاء والوكلاء غير الدوليين في المنطقة — قد تعرّض لانتكاسات عديدة منذ عام 2023، فإنّ العمليّات العسكرية الأميركية والإسرائيلية المستمرّة قد تؤدّي إلى إعادة تشكيله، ليس عبر تنسيق مباشر من طهران، بل نتيجة دافع أكثر عفوية ينبع من شعور الهوية الشيعية بأنها محاصَرة.
تشكل القلق الشيعي
لم يكن اغتيال خامنئي مجرّد حدث سياسي داخل إيران، بل امتدّ صداه إلى المجتمعات الشيعية خارج حدودها، مما يعكس مدى تأثير مكانته في المنطقة الأوسع. ففي باكستان، أثار خبر وفاته احتجاجات بين جماعات شيعية، تحوّل بعضها إلى العنف، حيث أشار المشاركون إليه صراحة كمرشد ديني.
وفي البحرين، التي تضم غالبية شيعية رغم حكم عائلة سنية واحتضانها لقاعدة عسكرية أميركية مهمة، اشتبك متظاهرون شيعة مع قوات الأمن، وعبّروا عن تضامنهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لم تكن هذه التفاعلات موحّدة، لكنها كشفت كيف يفسّر الناس في أنحاء المنطقة التطوّرات في إيران من خلال شعور بهوية دينية مشتركة ومصير جماعي.
كما بلور اغتيال خامنئي تصوّرًا لدى الشيعة في المنطقة كان يتشكّل منذ فترة. ففي ساحات عدّة، بدأ الفاعلون الشيعة يرون التطوّرات الإقليمية كدليل على تحوّل غير مُواتٍ في ميزان القوى. وجاءت الحرب مع إيران كنقطة تتويج لهذا الشعور المتزايد بالتهديد.
في لبنان، كان موقع حزب الله تحت ضغط منذ حرب 2024 مع إسرائيل، مما أضعف أحد أعمدة التوازن الطائفي في البلاد، وقد ازداد ذلك وضوحًا في الأسابيع الأخيرة. فقد صعّدت إسرائيل هجومها في لبنان، بما في ذلك موجة مدمّرة من الضربات في 8 نيسان/ أبريل، أسفرت عن مئات القتلى في مناطق ذات غالبية شيعية. كما أفادت صحيفة”نيويورك تايمز”، وغيرها بأنّ مسؤولين إسرائيليين حثّوا المسيحيين والدروز في جنوب لبنان على طرد الشيعة من مجتمعاتهم. ويرى الشيعة في لبنان أنّ الضغط الإسرائيلي جزء من حملة لا تستهدف حزب الله فحسب، بل المجتمع الشيعي عمومًا.
في الوقت نفسه، أدى سقوط الرئيس السوري بشار الأسد عام 2024، وظهور نظام سياسي جديد في سوريا إلى إثارة مخاوف مختلفة في العراق المجاور، حيث يخشى الشيعة العراقيون من أن خلف الأسد – أحمد الشرع – وهو جهادي سنّي سابق له جذور في تنظيم القاعدة في العراق – قد يعزّز شبكات التشدّد السنّي ويعيد إدخال مصدر لعدم الاستقرار عبر الحدود، وهو قلق كبير بالنظر إلى التاريخ الطائفي للعراق والذاكرة الحيّة للحرب ضد ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث لعبت الميليشيات الشيعية دورًا قياديًا.
تعمل الحرب على زيادة إبراز أهمية الهوية الشيعية عبر ساحات عدّة في آنٍ واحد.
وقد فاقم مسؤولون في الولايات المتحدة حالة القلق من خلال الإشارة إلى أنّ إعادة ترتيب أوسع للمنطقة قد تكون جارية. فعلى سبيل المثال، لاحظ معلّقون شيعة في إيران والعراق تصريحات أدلى بها في أيلول/سبتمبر 2025 مبعوث واشنطن إلى سوريا توم برّاك، حين رفض فكرة الشرق الأوسط كفئة سياسية ذات معنى، قائلاً إنه “لا يوجد شرق أوسط”، بل “قبائل وقرى” فقط. وقد اعتُبرت هذه التصريحات دليلًا على مسعى مدعوم من الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة على أسس طائفية، مما يؤدّي إلى ترتيب تهيمن عليه قوى سنّية ويُهمِّش الفاعلين الشيعة.
كما أنّ التهميش التاريخي للشيعة في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط منح هذه التصوّرات قوة إضافية. فعلى امتداد المنطقة، شغلت المجتمعات الشيعية لفترة طويلة مواقع سياسية مقيّدة، حتى في البلدان التي تشكّل فيها نسبة كبيرة من السكان. ففي، العراق، لم يصعد الشيعة إلى موقع متقدّم إلا بعد سقوط صدّام حسين عام 2003، لكن تفوّقهم السياسي يعتمد على ترتيبات مؤسّساتية هشّة قائمة على تقاسم السلطة الطائفية، وعلى جماعات مسلّحة مثل قوات الحشد الشعبي. وفي لبنان، يرتبط نفوذ الشيعة بالحفاظ على توازن دقيق مع السنّة والمسيحيين الموارنة. أما في البحرين دول خليجية أخرى، فلا تزال المجتمعات الشيعية ممثّلة سياسيًا بشكل أقل من وزنها الديمغرافي.
وتُعدّ الحرب في إيران أحدث – وإن كانت الأكثر دراماتيكية — حلقة في ما يراه الشيعة حملة أوسع ضد مصالحهم وممثليهم. ويخشى الشيعة من أنّ المكاسب التي حقّقوها خلال العقود الأخيرة — في العراق ولبنان وأماكن أخرى — قد تتراجع. ومع اغتيال الخامنئي، وتصاعد الحملة العسكرية الإسرائيلية العنيفة في لبنان، أصبحت هذه المخاوف أكثر حدّة.
استجابة سريعة
في أماكن مثل باكستان والبحرين، اقتصر رد فعل المجتمعات الشيعية إلى حد كبير على الاحتجاجات والتعبئة الرمزية، لكنّ الأهم كان سلوك الفصائل المسلّحة والسياسية التي تشكّل جوهر القوة الشيعية في المنطقة، إذ أظهر تصرّفها تزايد أهمية عامل الهوية— ليس فقط في الخطاب، بل أيضًا في قرارات القتال، حتى في ظل قيود مادية كبيرة تواجه هذه الجماعات.
في لبنان، يبرز قرار حزب الله دخول الحرب في آذار/مارس دعمًا لإيران، فرغم ضعفه الشديد وتعرّضه لضغط إسرائيلي مستمر، أطلق الحزب وابلًا من الصواريخ باتجاه إسرائيل. وردًا على ذلك، وسّعت إسرائيل هجماتها عميقًا داخل مناطق ذات غالبية شيعية — حتى خارج جنوب لبنان — مما ساهم بنزوح أكثر من مليون شخص، غالبيّتهم الساحقة من الشيعة. وتؤدّي هذه الأفعال إلى طمس الفارق بين حزب الله والبيئة التي يستند إليها، كما ترفع كلفة ضبط النفس بالنسبة له، إذ يتعيّن عليه مواصلة القتال كي لا يُنظر إليه على أنه تخلّى عن دوره كمدافع عن المجتمع الشيعي.
في العراق، تبدو الدينامية أكثر تقييدًا، لكنها لا تقل دلالة. فمنذ البداية، شدّد كبار المرجعيّات الشيعية على الحذر. ففي أوائل آذار/ مارس، أصدر علي السيستاني، أبرز رجال الدين الشيعة في العراق، بيانًا حذّر فيه من التصعيد، وأكد ضرورة تجنّب جرّ البلاد إلى حرب أوسع. ورغم تشدّد لهجته لاحقًا، فإنه لم يصل إلى حد الدعوة إلى الجهاد أو التعبئة المباشرة، مما يعكس قلق القيادات الشيعية العراقية من انهيار التوازن السياسي الهش في البلاد.
ومع ذلك، فإنّ منطق التهدئة بات يتعرّض لضغوط متزايدة. فقد أدت الضربات المتكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع قوات الحشد الشعبي – بما في ذلك مقارّ وموارد لوجستية وأفراد — إلى تغيير البيئة السياسية. كما أنّ هجمات بعض الميليشيات العراقية، خصوصًا تلك التي تعمل تحت اسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، على أهداف أميركية، قوبلت بضربات أوسع استهدفت الحشد الشعبي ككل، مما وسّع نطاق المواجهة وزاد الضغط على الحكومة العراقية وقاعدتها الشيعية. وقد شغلت المجتمعات الشيعية تاريخيًا مواقع سياسية مقيّدة.
ومن جهتها، رفضت الحكومة العراقية كبح هذه الجماعات، في تحوّل عن محاولات سابقة لاحتواء التصعيد. فالحشد الشعبي ليس مجرّد ميليشيات، بل ركيزة أساسية لقوّة الشيعة في العراق بعد 2003، وهو أيضًا جزء من القوات المسلّحة الرسمية الخاضعة لسلطة رئيس الوزراء. وبالتالي فإنّ استهدافه يُعدُّ بمثابة استهداف للدولة العراقية نفسها، مما يزيد الضغط على القوّات الحكومية للرد المباشر على الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتبدو هذه التفاعلات لافتة أكثر عند مقارنتها بمراحل سابقة من المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية. ففي حرب الأيام الـ12 في حزيران/ يونيو 2025، بقيت الأطراف الشيعية في لبنان والعراق إلى حد كبير على الهامش، إذ بدا الصراع حينها قابلًا للاحتواء مع مخاطر وجودية محدودة على الحكومة الإيرانية أو حلفائها. أما الحرب الحالية، فهي أوسع بكثير، وتشمل وتهدّد فاعلين شيعة في أنحاء المنطقة، مما يفسّر انخراط مزيد من الجماعات رغم تصاعد مخاطر الرد الأميركي والإسرائيلي.
والنتيجة هي حلقة تصعيد خطيرة، حيث أنّ تعبئة أولية من قبل أطراف أكثر التزامًا أيديولوجيًا — مثل حزب الله وبعض الميليشيات العراقية — دفعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى خطوات تصعيدية، بما في ذلك عمليّات مكثّفة في مناطق ذات غالبية شيعية، وزيادة الضغط على مؤسّسات مرتبطة بالقوة الشيعية. وتوسّع هذه الردود بدورها شعور التهديد لدى الشيعة، مما يجعل من الصعب على الفاعلين السياسيين والعسكريين الشيعة ضبط النفس.
محور جديد
بغض النظر عن مسار وقف إطلاق النار الحالي في إيران والحرب الأوسع، فإنّ تصاعد أهمية الهوية الشيعية مرشّح لأن يؤثّر في مسار التوترات المستقبلية في المنطقة. ففي لبنان، قد يجعل ذلك من الصعب عزل حزب الله سياسيًا، حتى مع استمرار الضغط العسكري عليه. وقد أشار مسؤولون إسرائيليون إلى احتمال اعتماد نموذج “رفح” – في إشارة إلى رفح المدمّرة — في جنوب لبنان، مما يثير احتمال احتلال طويل الأمد.
ومن المرجح أن يفسّر الشيعة هذا السيناريو كتهديد مباشر لموقعهم وأمنهم، وهو ما بدأ بالفعل يعيد تشكيل السياسة الداخلية. فالتوتّرات السابقة بين حزب الله وحركة أمل تراجعت لصالح تقارب جديد تحت الضغط، حيث انضم نبيه برّي إلى حزب الله في معارضة قرار الحكومة اللبنانية في آذار/ مارس 2026 طرد السفير الإيراني من بيروت. وقد يضعف الضغط العسكري الإسرائيلي قدرات حزب الله، لكنه في الوقت نفسه قد يعزّز المنطق الجماعي الذي يقوم عليه.
وقد يتكرّر نمط مشابه في العراق، وإن بآليّات مختلفة، فالجماعات المسلحة الشيعية هناك نشأت أصلًا استجابةً لتهديدات سابقة — أوّلًا الغزو الأميركي، ثم صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
واليوم، تعيد المخاوف الجديدة من الضغوط الخارجية— بما في ذلك القلق من عودة التطرّف السنّي وانتهاك السيادة العراقية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل— إحياء سرديّات المقاومة. وقد تصبح مزيد من الجماعات مستعدة لممارسة ضغط عسكري وسياسي على الولايات المتحدة لتقليص وجودها أو إنهائه، فيما قد تتعمّق الانقسامات الطائفية والسياسية بين الشيعة من جهة، والسنّة والكرد من جهة أخرى.
أما الخلاصة الأوسع، فهي أنّ الحرب قد تعيد تشكيل أجزاء من “محور المقاومة” المدعوم من إيران، من القاعدة إلى القمّة، وقد لا يكون الدافع الأساسي تنسيقًا مركزيًا من طهران، بل مخاوف محلية من التهميش أو الاحتلال أو التخلّي. وهذه المخاوف لطالما غذّت حركات المقاومة حتى في غياب دعم دولي قوي.
والنتيجة مفارقة واضحة: فالحرب التي تهدف جزئيًا إلى إضعاف إيران وشبكتها الإقليمية قد تؤدّي بدلًا من ذلك إلى تعزيز الظروف الاجتماعية والسياسية التي تُبقيها قائمة، لكن ما قد ينشأ لن يشبه المحور المركزي السابق؛ بل قد يكون أكثر تشتّتًا، وأقل تنسيقًا، وأصعب ضبطًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر استمرارية واستقلالًا عن أي دولة واحدة، ومرتكزًا على شعور متزايد بالخوف الجماعي.

