الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة18 أبريل 2026 11:51
للمشاركة:

بين سيناريوهات الحرب والاتفاق مع أميركا: آفاق التضخم في إيران عام 2026

قدمت صحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية توقعات لمسار التضخم في البلاد على ضوء احتمالات التوصل لاتفاق إيراني- أميركي. وبحسب التقرير الصادر في 14 نيسان/ أبريل 2026، فإن السياسة الخارجية الهادئة تنعكس بصورة واضحة على مستوى التضخم في البلاد. إليكم التقرير مترجمًا.   

ارتبط مسار التضخّم في العام الجاري أكثر من أي وقت مضى بالتطوّرات والسيناريوهات السياسية. وفي هذا الإطار، يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الوصول إلى اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة، استمرار حالة “لا حرب ولا سلم”، وأخيرًا استئناف الاشتباكات وتصعيد التوتّرات. ولكل من هذه السيناريوهات تأثير مختلف تمامًا على التضخّم.

تشير تقديرات صحيفة “دنياي اقتصاد” المستندة إلى البيانات التاريخية إلى وجود فجوة ملحوظة بين معدّلات التضخّك في هذه السيناريوهات، حيث أنه حتى في أكثر الحالات تفاؤلًا، أي الوصول إلى اتفاق مستدام، يُتوقّع أن يصل معدل التضخم في منتصف عام 1405ه.ش (آذار/ مارس 2026  إلى آذار/ مارس 2027) إلى نحو 49٪، بينما في سيناريو استمرار الحرب، سيواجه الاقتصاد تضخّمًا مرتفعًا للغاية، ويصل الى ثلاثة أرقام، وهي حالة يمكن أن تؤدّي إلى عدم استقرار اقتصادي واسع النطاق. لذلك، فإنّ التوصل إلى اتفاق سياسي له أهمية استراتيجية من حيث كبح التضخّم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

 ويمكن للتضخّم في إيران أن يسلك ثلاث مسارات مختلفة في حالة سيناريوهات الاتفاق، استمرار وقف إطلاق النار، واستمرار الحرب. تكشف التجربة التاريخية عن أنه في جميع الحروب الكبرى في القرنين الـ20 و21 تقريبًا، من ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى إلى اليابان وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن يوغوسلافيا في تسعينيّات القرن الماضي إلى سوريا وأوكرانيا خلال السنوات الأخيرة، ظهر التضخّم كأحد أكثر العواقب الاقتصادية استدامة للحرب، وإن تفاوتت شدّته من تضخّم مؤقّت برقمين إلى تضخم مفرط مدمّر.

ترك الهجوم الأميركي والإسرائيلي الذي استمر 40 يومًا على إيران، على الرغم من انتهائه المؤقّت على شكل هدنة، أضرارًا اقتصادية كبيرة، وأثار مخاوف بشأن زيادة معدّل التضخّم في الفترة القادمة.

على الرغم من أنّ جذور التضخّم في إيران تعود أساسًا إلى السياسات الداخلية، إلا أنه يبدو في الظروف الحالية أنّ طريقة استمرار الهدنة والتطوّرات بعدها ستلعب دورًا أكثر حسمًا في مسار التضخم المستقبلي.

في هذا الإطار، فإنّ السيناريوهات الثلاث المطروحة، وهي الاتفاق المستدام، الهدنة الهشّة (لا حرب ولا سلم) واستئناف الاشتباكات، سيكون لكل منها عواقب مختلفة جدًا على مسار التضخّم، حيث تشير التقديرات إلى أنه في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، بناءً على السيناريو الأول، سيكون التضخم النقطي 49٪، وبناءً على السيناريو الثالث 132٪.

إنّ التنبّؤ بمعدّل التضخّم له أهمية خاصة للشركات الاقتصادية في عملية التخطيط واتخاذ القرار؛ لأنّ هذا المتغيّر يؤثّر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج، تسعير المنتجات، إدارة السيولة وتقييم الربحية.

يُظهر تحليل الإحصاءات أنّ التضخّم المزمن في إيران زاد بشكل ملحوظ منذ عام 2018، ودخل مرحلة جديدة، فقد ارتفع متوسّط التضخّم السنوي من 18.5% في فترة الـ44 عامًا حتى عام 2017 إلى 43.5٪ في السنوات الثمانية الماضية. كما ارتفع معدّل التضخّم النقطي في إسفند ١٤٠٤ (شباط/ فبراير 2026) إلى رقم غير مسبوق بلغ ٧١.٨٪، وكلها تشير إلى الوضع غير المواتي للاقتصاد الإيراني في فترة ما قبل الحرب.

وفي ظل عدم حدوث اشتباك عسكري ضد إيران بعد، كانت التوقّعات تدلّ على استمرار، بل وتصاعد مسار التضخّم. يمكننا، مع قليل من التسامح، اعتبار معدل التضخّم السنوي البالغ ٥٠.٦٪ لعام (٢٠٢٥-٢٠٢٦) كتقدير للتضخم المحتمل في عام ١٤٠٥ في حالة عدم وقوع حرب، على الرغم من أنّ بعض التحليلات أشارت إلى احتمال زيادة أكبر في معدل التضخم. ومع ذلك، بعد تجربة ٤٠ يومًا من الاشتباك العسكري وتكبّد الخسائر الاقتصادية، أصبحت آفاق التضخّم في إيران أكثر اعتمادًا من أي وقت مضى على السيناريوهات المطروحة.

من خلال الاستلهام من الظروف التاريخية المماثلة، يمكن تقدير معدّل التضخّم الشهري للسيناريوهات المطروحة إلى حد ما. بلغ المتوسّط الحسابي للتضخّم الشهري في الشهرين الأخيرين من عام كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير ٢٠٢٦ نحو ٧.٥٪. بالنظر إلى الظروف الحربية السائدة في هذه الفترة، يمكن اعتبار هذه القيمة أساسًا لسيناريو “استمرار الحرب”، وبالتالي تضخّم شهري بنسبة ٨٪. كما بلغ متوسّط التضخم الشهري في الأشهر الأربعة حتى كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٦ نحو ٤.٤٪، والذي يمكن استخدامه كأساس لسيناريو “لا حرب ولا سلم”، وتضخم شهري بنسبة ٥٪. أخيرًا، يمكن اعتبار معدل التضخم الشهري ٠.٦٥٪ في عام (٢٠١٦)، بالتزامن مع فترة الاتفاق النووي، كأساس تاريخي لتقدير سيناريو “الاتفاق” وتضخّم شهري بنسبة ١٪.

آثار الحرب على التضخّم

تؤدّي الحرب من خلال مسارات مثل زيادة عجز ميزانية الحكومة، إضعاف القدرة الإنتاجية وتصعيد التوقعات التضخمية، إلى زيادة المستوى العام للأسعار والتضخّم. فالهجوم على البنى التحتية العسكرية يجبر الحكومة على زيادة الإنفاق العسكري لتعويض القدرة المفقودة، كما أنّ الأضرار التي تلحق بالبنى التحتية الاقتصادية، بما في ذلك الطرق والموانئ ومنشآت النفط والغاز ومحطات توليد الكهرباء، تتطلّب زيادة الإنفاق الإنشائي لإعادة الإعمار.

بالإضافة إلى ذلك، تزيد الحرب من النفقات غير المدرجة في ميزانية الحكومة، فالتعويض على الخسائر الواسعة النطاق للأسر والشركات المتضررة، والذي يتم غالبًا من خلال إلزام الشبكة المصرفية بمنح التسهيلات، يؤدّي في النهاية إلى زيادة السيولة. إنّ منح التسهيلات للأسر التي فقدت أصولها وللشركات التي واجهت اضطرابات في خطوط الإنتاج، إلى جانب زيادة النفقات العسكرية والإنشائية، كقناة ثالثة، يغذّي نمو السيولة والضغوط التضخمية.

من ناحية أخرى، تواجه العديد من الشركات، وخاصة تلك التي تعتمد على الإنترنت الدولي، اضطرابات في النشاط، ويمكن أن يؤدّي انعدام الأمن في المدن الكبرى إلى إغلاق بعض الشركات وهجرة القوى العاملة. نتيجة لذلك، بالإضافة إلى زيادة نفقات الحكومة، تنخفض أيضًا الإيرادات الضريبية التي تشكل حوالي ٤٠٪ من موارد الحكومة. يؤدّي الاضطراب في الإنتاج، والأضرار التي تلحق بالشركات الكبرى، وتوسيع الإعفاءات الضريبية في ظروف الحرب إلى تفاقم هذا الانخفاض في الإيرادات. تشكّل التوقّعات التضخمية قناةً مهمة أخرى تؤثّر من خلالها الحرب على التضخّم.

إنّ تشكّل توقّعات تصاعدية في أعقاب الأضرار التي لحقت بالصناعات الموجهة للتصدير مثل الصلب والبتروكيماويات، التي تشكّل غالبية الصادرات غير النفطية لإيران، يمكن أن يؤدّي إلى زيادة سرعة دوران النقود وتصعيد الضغوط التضخمية.

أخيرًا، يؤدّي الاضطراب في عملية الإنتاج من خلال زيادة البطالة والأضرار التي تلحق بالآلات وخطوط الإنتاج إلى انخفاض العرض الكلّي، والذي بدوره، إلى جانب نمو السيولة وزيادة سرعة دورة المال، سيؤدّي إلى مزيد من التصعيد للتضخّم.

آفاق التضخّم في سيناريو الاتفاق

في الأسابيع الأخيرة، طُرحت العديد من التصريحات والتكهّنات عن احتمال التوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، تظهر الأخبار والأدلة المتاحة أنّ اختلاف وجهات النظر لا يزال قائمًا، ولا توجد رؤية مؤكّدة للتوصّل إلى اتفاق على المدى القصير. على هذا الأساس، من الضروري في التحليلات والتخطيطات النظر في كل من سيناريوهي “الاتفاق” و”عدم الاتفاق” في وقت واحد، بحيث تكون القرارات أكثر مرونة في مواجهة حالات عدم اليقين المقبلة. بغض النظر عن احتمال حدوث هذا السيناريو، فإنّ أفضل حالة لخفض التضخّم هي توقيع اتفاق مستقر بين إيران والولايات المتحدة.

أظهرت تجربة السنوات ٢٠١٣-٢٠١٧ مدى تأثير أجواء السياسة الخارجية الهادئة على التضخّم. إنّ التضخّم المكوّن من رقم واحد في عامَيْ ٢٠١٦-٢٠١٧ – على الرغم من أنّ نمو السيولة كان أعلى من ٢٠٪ – يدلّ على أهمية السياسة الخارجية في التضخّم. في الأجواء الهادئة بعد الاتفاق، حيث هدأت التوقعات التضخمية، تتاح الفرصة للحكومة لإجراء إصلاحات جوهرية في الميزانية، النظام المصرفي ونظام الدعم.

على الرغم من أنّ الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة سيخفّض التضخّم، إلا أنه من دون إصلاحات داخلية مكمّلة، لن يكون التغلّب على التضخم المزمن ممكنًا. بدأ التضخّم فوق الـ10% في إيران منذ العام ١٩٧٣، مما يدلّ على عدم كفاية السلام في الخارج لعلاج التضخّك المزمن. لذلك، فإنّ الاتفاق الخارجي من دون إصلاحات داخلية مكملة سيؤدّي إلى ظاهرة معروفة باسم “المرض الهولندي” وتضخّمات مزمنة ومتقلبة.

التضخّم في سيناريو “لا حرب ولا سلم”

السيناريو المحتمل الآخر هو استمرار هدنة هشّة. في هذه الحالة، على الرغم من توقف الاشتباك العسكري، تظل القضية الرئيسية مم دون حل. أظهرت التجربة بعد انتهاء الحرب التي استمرت ١٢ يومًا في تموز/ يوليو ٢٠٢٥ أنه حتى في غياب الاشتباك المباشر، فإنّ استمرار عدم اليقين يمكن أن يؤدّي إلى زيادة التضخّم والبطالة وتعميق الركود الاقتصادي. ووفقًا لوزير الاقتصاد، كانت التكاليف الاقتصادية لحالة “لا حرب ولا سلم” في بعض الحالات أكبر من الأضرار المباشرة للحرب.

في حالة استمرار هذا الوضع بعد مفاوضات إسلام آباد، سيكون المجال اللازم لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية محدودًا أكثر من أي وقت مضى. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يؤدّي تفاقم الفقر وعدم المساواة إلى زيادة السخط الاجتماعي وزيادة خطر عودة التوتّرات الخارجية بشكل غير مباشر. سيكون تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وخاصة الإصلاحات المكلفة، مثل توحيد سعر الصرف، في مثل هذه البيئة، مصحوبًا بصعوبات وتكاليف كبيرة. نتيجة لذلك، إذا تم تأجيل الإصلاحات الهيكلية، فقد يكون الاقتصاد عرضة لدورة معيبة من التفاقم المتزامن للركود والتضخم.

التضخّم في سيناريو استمرار الحرب

رفع الهجوم على البنى التحتية الاقتصادية في الأيام التي سبقت الهدنة مستوى الاشتباك إلى مرحلة أكثر خطورة. في حالة فشل المفاوضات، سيكون احتمال تجدّد الاشتباكات وتوسّع الأضرار التي تلحق بالبنى التحتية الاقتصادية كبيرًا.

على الرغم من أنّ القدرة العسكرية الإيرانية تُعتبر كبيرة، إلا أنّ العواقب الاقتصادية لاستمرار الاشتباك قد تكون وخيمة. في مثل هذه الظروف، فإنّ زيادة نفقات الحكومة ومحدودية الموارد المالية تزيد من احتمال الاعتماد على التمويل التضخمي؛ وهو الأمر الذي قد يؤدّي، إلى جانب تدمير البنى التحتية الاقتصادية، إلى انخفاض كبير في قيمة العملة الوطنية، وفي أسوأ الأحوال إلى تضخم مفرط.

اقتراحات لمختلف السيناريوهات

في حالة تحقّق الاتفاق، على غرار تجربة ما بعد الاتفاق، ستتاح فرصة مناسبة لتنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة والتوجه نحو نمو مستدام. يعتقد الاقتصاديون بأنّ توحيد سعر الصرف، ومن ثم إصلاح هيكل الموازنة والنظام المصرفي ونظام الدعم، هي من أهم أولويّات الإصلاح للاقتصاد الإيراني. في مثل هذه الأجواء، يمكن للحكومة، بالاستفادة من انخفاض عدم اليقين ومن خلال الحوار مع المجتمع، أن تمهّد الطريق لتنفيذ هذه الإصلاحات. في المقابل، كما أظهرت تجربة ما بعد حرب الـ12 يومًا، فإنّ تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية في ظل “لا حرب ولا سلم” يواجه صعوبات جسيمة، ويمكن أن يصاحبه زيادة في السخط الاجتماعي. تستدعي حساسية المرحلة الحالية اتخاذ القرارات الاقتصادية بأقصى قدر من التنسيق والسرعة والدقة. ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء بأنّ الهيكل الحالي لاتخاذ القرارات الاقتصادية يحتاج إلى مراجعة جوهرية.

في هذا الإطار، يمكن أن يساعد إنشاء هيئة متخصّصة ومركزية تتمتّع بصلاحيات كافية في مجال صنع السياسات الاقتصادية في تحسين جودة اتخاذ القرارات. بعد إصلاح هيكل الحوكمة الاقتصادية، سيمهّد الطريق للتنفيذ الفعال للإصلاحات؛ الإصلاحات التي يمكن أن تؤدّي –  إذا نجحت – إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وفي النهاية تحسين مستوى الصمود والأمن الوطني.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: