الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة10 أبريل 2026 16:48
للمشاركة:

فورين بوليسي: وقف إطلاق النار مع إيران لم يوقف الحرب بل قسّمها إلى جبهات

رأى رئيس تحرير منصة الجادة الصحافي علي هاشم، في مقال لمجلة فورين بوليسي، أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة لا يبدو بداية حقيقية لنهاية الحرب، بقدر ما يشبه هدنة هشة ومؤقتة تقوم على قدر كبير من انعدام الثقة والتناقضات الاستراتيجية بين الطرفين.

فبينما يُقدَّم الاتفاق على أنه خطوة نحو خفض التصعيد، تكشف التطورات على الأرض، من طهران إلى بيروت، أن الصراع لم يتوقف فعلياً، بل انقسم بين طاولة المفاوضات وساحات المواجهة.

وفي قراءة تجمع بين المشاهدات الميدانية والتحليل السياسي، رصد هاشم كيف تلقّى الإيرانيون خبر وقف إطلاق النار بين الترقب والاحتفال الحذر، في وقتٍ ما تزال فيه ملفات معقدة مثل تخصيب اليورانيوم، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران عالقة من دون حلول واضحة.

كما سلّط الضوء على التناقض بين رؤية واشنطن للهدنة كاتفاق ثنائي محدود، ورؤية طهران التي تعتبر أن الحرب واحدة على امتداد المنطقة، من إيران إلى لبنان.

الترجمة الكاملة للمقال:

أخبار وقف إطلاق النار بدأت في طهران كهمسٍ يتناقلُه الناس، ثم تحولت إلى ترقّب، قبل أن تأخذ ملامح ما يشبه الاحتفال. سرعان ما بدأ الناس يتجمعون في ساحة الثورة في العاصمة. العائلات وقفت جنباً إلى جنب، تلوّح بالأعلام الإيرانية. شبان حملوا لافتة كبيرة امتدت عبر الساحة وتماوجت ألوانها فوق رؤوسهم، فيما كانت السيارات تدور حول المكان، أبواقها تصدح، وأغانٍ وطنية تنبعث من مكبرات الصوت.

على مدى أيام، كان الإيرانيون يتوقعون الأسوأ، لا الأفضل. في وقتٍ مبكر من مساء الثلاثاء، ومع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند منتصف الليل، كان القلق في طهران يتصاعد. هاتفي بدأ يهتز برسائل من زوجتي في الدوحة بقطر. كانت خائفة. الأصدقاء أيضاً بدأوا يتصلون، واحداً تلو الآخر. الجميع كان قلقاً.

مع حلول الليل فوق المدينة، لاحظ الناس أمراً غريباً: أضواء برج ميلاد كانت مطفأة. ربما للمرة الأولى منذ بنائه، بدا أحد أبرز معالم طهران غارقاً في الظلام. تغير خط الأفق، وكأن المدينة تستعد لشيءٍ ما.

لكن مع انتشار أخبار احتمال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بدأ المزاج يتبدل. في غرب طهران، ولا سيما في “شهرک غرب”، تجاوزت الرمزية حدود إيران نفسها. فإلى جانب الأعلام الإيرانية، رُفعت أعلام حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق. ومن مكبرات صوت كبيرة في الشوارع، ترددت أغانٍ مؤيدة لما تسميه طهران محور المقاومة.

بعض الناس تحدثوا وكأن الحرب انتهت بالفعل. لكن لم يشعر الجميع بالأمر نفسه. بعض الحاضرين في الحشود كانوا يراقبون بحذر، محاولين فهم تصريحات لمسؤولين إيرانيين أكدوا أنهم لن يقبلوا سوى بإنهاء كامل للحرب، لا مجرد وقف لإطلاق النار. ورغم أن قلةً عبّرت عن انتقاد صريح، فإن موجة من الشكوك كانت واضحة.

كثيرون فسّروا شكوكهم بمسألة الثقة. فالمحادثات السابقة بين إيران والولايات المتحدة انتهت بمزيد من التصعيد، لا بالحلول. القلق لم يكن من الدبلوماسية نفسها، بل من احتمال استخدامها كوسيلة أخرى من وسائل الصراع.

عند النظر عن قرب، تبدو هشاشة وقف إطلاق النار واضحة. هذه الهشاشة نابعة من انعدام ثقة عميق بين إيران والولايات المتحدة، ومن نزاعات متجذرة منذ عقود كانت سبباً في اندلاع الصراع، إضافة إلى ضغوط خارجية من أطراف إقليمية لكل منها مصالحه الخاصة. كلا الطرفين يشك في أن الآخر سيلتزم بوعوده، ولم يقدّم أي منهما تنازلات حقيقية في القضايا الجوهرية. كما أن الحلفاء والخصوم في المنطقة يضيفون طبقات جديدة من التعقيد، ما يجعل وقف إطلاق النار أقرب إلى هدنة هشة منه إلى خطوة حقيقية نحو سلام دائم.

الاتفاق الذي أعلنت عنه واشنطن وطهران لا يمثل تسوية حقيقية. من المتوقع أن تبدأ محادثات في باكستان خلال أيام، ويأمل الوسطاء في التوصل إلى اتفاق أوسع خلال نحو أسبوعين. لكن القضايا نفسها التي عطلت الدبلوماسية في السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال العام الماضي، ما تزال مطروحة على الطاولة.

من بين هذه القضايا مسألة تخصيب اليورانيوم. مسؤولون أميركيون، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، أعادوا طرح مطلب أن تقبل إيران بتخصيب صفري. هذا الشرط شكّل طويلاً عقبة رئيسية. ففي المفاوضات السابقة، بما في ذلك تلك التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015 والمحادثات التي تلته، كان الانهيار يتكرر كلما طُرحت مسألة التخصيب.

إيران رأت في أي ضغط لفرض تخصيب صفري محاولة لتجريدها من سيادتها ومن تقدمها التكنولوجي، بينما يؤكد المسؤولون الأميركيون أن هذا الشرط ضروري لمنع الانتشار النووي. بالنسبة لطهران، الأمر مستحيل سياسياً. فقد كرر المسؤولون الإيرانيون مراراً أنهم لن يقبلوا تحت ضغط الحرب بما رفضوه في أوقاتٍ كانت أقل توتراً.

إلى جانب التخصيب، تبرز أسئلة أخرى: مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وبرنامجها للصواريخ الباليستية، ومستقبل شبكتها الإقليمية من الحلفاء. كل هذه الملفات معقدة، لكنها مجتمعة تشكل جوهر الصراع بين إيران والولايات المتحدة.

ولا يبدو واقعياً أن تُحل هذه القضايا كلها خلال أسبوعين فقط. ومع ذلك، يفترض وقف إطلاق النار أنها قد تُحل في هذه المدة، رغم أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ترك الباب مفتوحاً أمام تمديد محتمل. هذا التباين بين الإلحاح الدبلوماسي والواقع الاستراتيجي هو أحد أسباب تنامي الشكوك في طهران.

سبب آخر هو انعدام الثقة. بالنسبة لكثير من المحللين والمسؤولين الإيرانيين، ما تزال ذكريات المفاوضات السابقة حاضرة. كانت المحادثات تتقدم، وترتفع الآمال، ثم يعود الصراع من جديد. البعض بات يرى المفاوضات ليس كطريق للخروج من الأزمة، بل كجزءٍ منها. القلق ليس حول ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على النجاح، بل حول ما إذا كانت تُستخدم كـ”خدعة” للتحضير لجولة قتال جديدة.

سرعان ما ظهر هذا التناقض. من منظور طهران، يجب أن يشمل أي وقف لإطلاق النار جميع الجبهات. المسؤولون الإيرانيون شددوا مراراً على أن لبنان ليس ساحة منفصلة، بل جزء من الحرب نفسها. ويبدو أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أكد هذا الفهم عندما أعلن أن وقف إطلاق النار يشمل “كل مكان بما في ذلك لبنان”.

لكن الوقائع على الأرض سرعان ما شككت في ذلك. الغارات الجوية الإسرائيلية تصاعدت في أنحاء بيروت. مناطق كاملة من العاصمة تعرضت للقصف، ليس فقط الضاحية الجنوبية بل أجزاء أخرى من المدينة أيضاً. أصدقاء لبنانيون على الأرض قالوا إن حجم القصف يذكّر بلحظات لم تُشهد منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

في الوقت نفسه تقريباً، قال الرئيس دونالد ترامب للصحفيين إن لبنان لم يكن جزءاً من الاتفاق أصلاً، واصفاً ما يجري هناك بأنه “اشتباك منفصل”. هذا الموقف كشف التناقض المركزي في وقف إطلاق النار. فواشنطن تبدو وكأنها تنظر إلى الاتفاق على أنه هدنة ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، بينما بنت طهران استراتيجيتها الإقليمية بالكامل على افتراض أن صراعاتها لا يمكن فصلها بهذه البساطة.

وكان لبنان أول مكان تتصادم فيه هاتان الرؤيتان. وهذا يخلق مشكلة لإيران تتجاوز مجرد القتال على الأرض. فـحزب الله دخل الحرب ضمن مواجهة أوسع كانت إيران منخرطة فيها بالفعل، وفتح جبهة لتخفيف الضغط عن طهران.

لكن هذه الجبهة تتعرض الآن لهجوم مكثف بينما إيران عملياً في حالة هدنة. وإذا لم ترد طهران، فقد يبعث ذلك إشارة إلى أن نموذج ردعها مشروط. وإذا ردت، فإنها تخاطر بانهيار وقف إطلاق النار قبل تحقيق أي مكاسب دبلوماسية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صاغ هذه الإشكالية بعد ساعات من التصعيد في لبنان في منشور على منصة إكس، وكتب: “شروط وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة واضحة وصريحة: على الولايات المتحدة أن تختار إما وقف إطلاق النار أو استمرار الحرب عبر إسرائيل. لا يمكنها أن تجمع بين الاثنين”. وأضاف أن العالم يراقب ليرى ما إذا كانت واشنطن ستلتزم بوعودها في ظل تصاعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان.

الرسالة كانت موجهة إلى الخارج. لكنها عكست أيضاً نقاشاً يتشكل داخل إيران نفسها. طوال فترة الصراع، كان المسؤولون الإيرانيون يؤكدون أن طهران لن تقبل بوقف لإطلاق النار، بل بإنهاء شامل للحرب. الآن هم يدعمون هدنة مؤقتة، لكن لا أحد يعرف إلى أين قد تقود.

وقد خلق ذلك نقاشاً هادئاً داخل البلاد. بعض المحللين يرون في الهدنة خطوة تكتيكية نحو اتفاق أكبر. آخرون يخشون أنه إذا استمرت إسرائيل في إضعاف حزب الله بينما تبقى إيران في حالة هدنة، فقد يتغير ميزان القوى في المنطقة. وقد تخرج طهران من المفاوضات بنفوذ أقل.

بهذا المعنى، لا يمثل وقف إطلاق النار نهاية الطريق، بل ما يبدو لحظة انتقالية مريرة لإيران وحلفائها. لقد وُصف وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بأنه بداية لخفض التصعيد. لكن الواقع قد يكون مختلفاً. فهو هدنة تقسم الحرب بدلاً من أن تنهيها، فتوزعها بين طاولة المفاوضات وجبهات قتال أخرى. وإذا انهارت المحادثات مرة أخرى، فقد يعود الصراع أكثر دموية وتعقيداً مما كان عليه.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: