الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة27 مارس 2026 10:24
للمشاركة:

الطريق إلى طهران ليس الطريق إلى بغداد: حدود الحرب في إسقاط النظام الإيراني

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، بدا أن الحسم العسكري قادر على إسقاط الأنظمة بسرعة. فقد انهارت بغداد خلال أسابيع وسقطت معها مؤسسات الدولة بشكل متسارع. غير أن هذا النموذج الذي كثيرًا ما يُستحضر عند الحديث عن إيران يخفي فروقات عميقة تجعل المقارنة مضللة أكثر مما هي مفيدة.

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، بدا أن الحسم العسكري قادر على إسقاط الأنظمة بسرعة. فقد انهارت بغداد خلال أسابيع وسقطت معها مؤسسات الدولة بشكل متسارع. غير أن هذا النموذج الذي كثيرًا ما يُستحضر عند الحديث عن إيران يخفي فروقات عميقة تجعل المقارنة مضللة أكثر مما هي مفيدة.

فالسؤال اليوم لم يعد ما إذا كان يمكن شن حرب على إيران، بل ما إذا كانت الحرب قادرة فعلًا على إسقاط نظامها أم أن حدود القوة العسكرية تجعل هذا الهدف أكثر تعقيدًا مما توحي به تجربة العراق.

أول هذه الفوارق يتعلق بطبيعة البيئة الدولية. فالحرب على العراق جرت في زمن اتسمت بتفوق أمريكي شبه مطلق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا ما سمح لواشنطن بقيادة تحالفات واسعة وفرض إرادتها بدرجة كبيرة. أما اليوم فنرى ان المشهد الدولي أكثر تعقيدًا. لم يعد العالم أحادي القطب، بل باتت قوى كبرى مثل الصين وروسيا تمتلك مصالح وأدوات تأثير تجعل من الصعب تشكيل إجماع دولي واسع حول حرب كبرى. ولا يعني هذا توازنًا كاملًا في القوة ولكنه يحد من قدرة أي طرف على تحويل الحرب إلى مشروع دولي متكامل، كما حدث في العراق.

اما بالنسبة للعامل الجغرافي فانه يلعب دورًا حاسمًا. فالعراق رغم مساحته فهو كان أكثر قابلية للتطويق، حدوده كانت محاطة بدول إما معادية أو غير قادرة على كسر نظام العقوبات، ما سمح بفرض حصار طويل أنهك الدولة قبل إسقاطها. أما إيران، فتقع في موقع جغرافي أكثر انفتاحًا وتعقيدًا. تمتد حدودها البرية مع عدد كبير من الدول وتطل على مساحات بحرية واسعة تربطها بممرات تجارية حيوية. هذا الاتساع لا يمنحها فقط عمقًا استراتيجيًا بل يخلق أيضًا هوامش للمناورة والالتفاف على العقوبات ما يجعل عزلها الكامل أكثر صعوبة.

أما على مستوى بنية النظام، فالفارق أكثر وضوحًا. في العراق، كان النظام شديد الارتباط بشخص صدام حسين، ما جعل سقوط العاصمة نقطة انهيار شاملة. في المقابل، يقوم النظام الإيراني على شبكة مؤسسات سياسية وأمنية ودينية متداخلة، تتوزع فيها مراكز القرار. هذا التعدد لا يلغي التوترات الداخلية، لكنه يجعل النظام أقل هشاشة أمام ضربة مركزة تستهدف رأس السلطة. كما أن تجربة الحرب مع العراق في الثمانينيات أسهمت في ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على الصمود الطويل، ما يعزز قدرة النظام على امتصاص الضغوط.

وعلى الصعيد العسكري، يظهر اختلاف لا يقل أهمية. فقد اعتمد العراق بشكل كبير على استيراد السلاح، ما جعله عرضة للشلل مع تشديد العقوبات. في المقابل، دفعت العزلة إيران إلى تطوير قدرات عسكرية محلية، خصوصًا في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذا لا يعني الاكتفاء الكامل، لكنه يمنحها قدرة أكبر على التكيف والاستمرار تحت الضغط، وخاصة ان هناك دول كبرى لديها مصالح مشتركة معها ما اسهم في دعمها على الصعيد التكنولوجي وغيره. وأن الغموض المحيط بقدراتها العسكرية يضيف عنصر عدم يقين يعقّد حسابات أي مواجهة محتملة وخاصة إذا تحولت المواجهة الى حرب برية.

لكن الفارق الأهم ربما يكمن في أن إيران لا تُختزل داخل حدودها الجغرافية. فعلى مدى عقود بنت شبكة نفوذ إقليمية متعددة المستويات، لا تقوم فقط على التبعية المباشرة بل على تداخل المصالح مع فاعلين محليين في عدة دول. هذه الشبكة التي يمكن فهمها كامتداد استراتيجي أكثر منها مجرد “أذرع” ترفع كلفة أي مواجهة، وتحوّل الصراع من حرب تقليدية إلى مسار مفتوح على جبهات متعددة. كما أنها تمنح إيران أدوات ضغط غير مباشرة، تجعل من الصعب حصر المواجهة داخل حدودها.

ومع ذلك، فإن التحدي لا يتوقف عند حدود الحرب نفسها بل يمتد إلى ما بعدها. فقد أظهرت التجربة العراقية أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة استقرار الدولة، بل قد يفتح الباب أمام فترات طويلة من الفوضى وإعادة التشكل. وفي الحالة الإيرانية تبدو هذه المخاطر أكثر تعقيدًا نظرًا لحجم الدولة وتنوعها، إضافة إلى تشابك حضورها الإقليمي. فأي مواجهة طويلة أو غير محسومة قد تؤدي إلى تصاعد التوترات الداخلية، وفتح المجال أمام احتكاكات مستمرة على الأطراف، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية. كما أن غياب حسم واضح قد يدفع نحو أشكال من الصراع غير مباشر تتجاوز المواجهة التقليدية بين الدول، وتخلق بيئة إقليمية غير مستقرة لفترة طويلة.

في هذا السياق، لا يبدو أن الطريق إلى طهران يمكن أن يمر عبر نموذج عسكري جاهز على غرار ما حدث في بغداد. فإسقاط النظام الإيراني قد يظل احتمالًا نظريًا، لكنه ليس نتيجة حتمية ولا مسارًا سريعًا. تعقيد الجغرافيا، تماسك بنية النظام وتشابك البيئة الدولية والإقليمية كلها عوامل تجعل هذا الهدف مفتوحًا على احتمالات متعددة.

الأهم من ذلك أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل يمكن إسقاط النظام؟ بل ماذا سيأتي بعد ذلك؟ فالتجارب في العراق وليبيا وأفغانستان تظهر أن الحروب لا تنتهي عند لحظة الحسم العسكري، بل تبدأ بعدها مراحل أكثر غموضًا. وفي الحالة الإيرانية، قد تتراوح السيناريوهات بين إضعاف تدريجي للنظام أو تفكك داخلي أو حتى إعادة إنتاجه بشكل مختلف.

كما لا يمكن استبعاد سيناريو معاكس يتمثل في خروج إيران من أي مواجهة أكثر تماسكًا وخاصة إذا تعثرت العمليات العسكرية. ففي مثل هذه الحالات، قد تتغير المواقف دولية وتفتح مسارات تسوية تقوم على مزيج من الضغوط والتنازلات، دون أن تصل إلى حد إسقاط النظام.

في النهاية، لا تبدو الحرب على إيران طريقًا واضحًا نحو نتيجة محددة، بل مدخلًا لمرحلة أكثر تعقيدًا. فبين رهان الحسم العسكري ومخاطر التفكك واحتمالات إعادة التشكل، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة. وربما أن القوة التي تبدو قادرة على إسقاط الأنظمة قد تجد نفسها عاجزة عن التحكم بما يأتي بعدها، “وأن المارد، مهما بلغ حجمه، قد يتعثر بتعقيدات أصغر مما يتوقع”.

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجادة وإنما تعبّر عن رأي كاتبها

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: