فورين بوليسي: إيران تتحول إلى “أوكرانيا الولايات المتحدة”
اعتبر رئيس تحرير منصة "الجادة" الصحافي علي هاشم، في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي"، أن المواجهة مع إيران قد تتجه إلى مسار يشبه، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ما آلت إليه الحرب في أوكرانيا، أي صراع بدأ على أساس رهانات سريعة، لكنه مرشح للتحول إلى حرب استنزاف طويلة.
ورأى هاشم أن إيران لا تتعامل مع الضربات بوصفها مدخلًا إلى التراجع، بل كجزء من معادلة صمود تستند إلى بنية سياسية وأمنية قادرة على امتصاص الخسائر، ما يجعل الرهان على الإنهاك السريع موضع شك. وبحسب هذه القراءة، فإن الخطر لا يكمن فقط في التصعيد، بل في ترسخ حرب مفتوحة قد تمتد آثارها من ساحات القتال إلى الطاقة والاقتصاد العالمي. إليكم ترجمة المقال:
داخل أحد المباني في العاصمة الإيرانية طهران، لم يكن وزير الخارجية عباس عراقتشي يبدو وكأنه يبحث عن مخرج من الصراع. على العكس، بدا وكأنه يهيئ البلاد لاحتمال استمراره.
في الخارج، وتحت شمس النهار، كانت المدينة قد تكيفت مع إيقاع نيران الاعتراض ومشاهد التعبئة العامة. رجال ونساء تجمعوا في الشوارع، بعضهم يرتدي أكفانًا، ويرفع الأعلام وصور القائد الأعلى علي خامنئي الذي جرى اغتياله. وعندما كانت أنظمة الدفاع الجوي تطلق نيرانها في السماء، كانت هتافات “الله أكبر” ترتفع بين الحين والآخر من الشوارع. كان المشهد يوحي بنظام اعتاد الصدمة واستعد للتعامل معها.
لكن هذه ليست الصورة الكاملة. فما زال هناك من يشعر بثقل انعدام الأمل بالمستقبل، سواء في زمن الحرب أو حتى في غيابها. قبل ساعات قليلة فقط، بدأت أخبار اغتيال رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني تنتشر على نطاق واسع. إسرائيل أكدت الخبر حينها، بينما لم تعلنه إيران رسميًا مباشرة. ومع ذلك، لم تظهر على مؤسسات الدولة أي علامات واضحة على الارتباك. فسرعان ما انتقلت الأحاديث من الخبر نفسه إلى سؤال عملي: هل سيُجرى لقائي مع عراقتشي أم لا؟
اللقاء حصل بالفعل. رافقتني مجموعة إلى الاجتماع من دون هاتف أو معدات تصوير. كان فريق الوزير يسيطر بشكل كامل على مجريات الأمر. سُمح بالدخول، لكن وفق شروط صارمة. قال عراقتشي: “الجمهورية الإسلامية تمتلك بنية قوية. وجود الأفراد أو غيابهم لا يؤثر فيها”.
لم يكن هذا التصريح مجرد خطاب سياسي، بل تعبيرًا عن عقيدة. وهذه هي الفرضية التي تقف خلف التباين الاستراتيجي المتشكل اليوم. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعملان وفق منطق مألوف: الضربات المتواصلة، واستهداف القيادات، والضغط على البنية التحتية، يمكن أن يقود إلى انهيار سياسي سريع. أما إيران، فتبعث بإشارة مختلفة تمامًا: إنها تستعد لحرب طويلة.
مرة أخرى، لا يكمن الخطر في التصعيد وحده، بل في سوء الحساب مع مرور الوقت. وهنا تبرز المقارنة مع أوكرانيا. فالأمر لا يتعلق بالأراضي أو الاحتلال، بل بالمسار الذي قد يتخذه الصراع. في شباط/ فبراير 2022، دخلت روسيا الحرب في أوكرانيا وهي تتوقع مواجهة قصيرة. لكنها وجدت نفسها أمام دولة قادرة على امتصاص الصدمة الأولى، والتكيف مع الضغط المستمر، وإطالة أمد الحرب إلى ما هو أبعد بكثير من التوقعات الأولية. وكانت النتيجة ليس فقط مواجهة عسكرية مرهقة، بل أيضًا اضطرابًا اقتصاديًا عالميًا، خصوصًا في أسواق الطاقة. وقد يكون مشهد مشابه آخذًا في التشكل الآن في الشرق الأوسط.
يبدو أن قادة إيران يعتقدون أن نظامهم قادر بنيويًا على امتصاص الصدمات. تصريحات عراقتشي كانت واضحة في هذا السياق. حتى فقدان القائد الأعلى، كما أشار، لن يعطل عمل الدولة.
إن حملة الاغتيالات الجارية توضح في الوقت نفسه مدى هذا النهج وحدوده. فقد أدت الضربات الإسرائيلية والأميركية إلى مقتل عدد من كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإيرانية، وهم أشخاص كان من بين مهامهم منع مثل هذه الاختراقات تحديدًا. ومقتلهم يمثل ضربة رمزية كبيرة.
لكن الرمزية ليست التأثير البنيوي ذاته. فالنظام الإيراني بُني على سلاسل قيادة متداخلة، ومؤسسات موازية، وآليات تعويض داخلية. فالسلطة موزعة ومكررة، ويمكن إعادة إسنادها بسرعة عند الحاجة. وبالتالي فإن إزالة أفراد، حتى من المستويات العليا، لا تؤدي بالضرورة إلى الشلل. وفي بعض الحالات قد تعزز التماسك الداخلي وتسرّع عملية إعادة التنظيم.
أقر عراقتشي بهذا المنطق صراحة، حتى إنه شمل نفسه فيه. قال: “يمكن لأي شخص أن يصبح هدفًا. لكن مثل الآخرين، نحن صامدون”. هذه ليست مجرد لغة تحدٍ، بل عقيدة صمود. والنظام الذي يتوقع الخسائر مسبقًا يصبح بطبيعته أكثر صعوبة في إخضاعه.
هذا الأمر يحمل دلالات واضحة للاستراتيجية التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حاليًا. فإذا كان الرهان أن تؤدي عمليات استهداف القيادات والضغط المستمر إلى تنازلات سياسية، فإن احتمال أن تؤدي هذه الأساليب نفسها إلى ترسيخ نهج الحرب الطويلة يجب أن يُؤخذ بجدية.
في الوقت نفسه، فإن بنية الصراع نفسها تعقّد أي محاولة لاحتوائه. يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب باتت ذات طابع إقليمي بالفعل ولا يمكن حصرها جغرافيًا. فالولايات المتحدة لا تنخرط من أراضيها مباشرة، بل من شبكة قواعد عسكرية منتشرة في أنحاء الشرق الأوسط. وإيران لا تستطيع استهداف الولايات المتحدة مباشرة، لكنها قادرة على ضرب أصولها وبناها المرتبطة بها داخل المنطقة.
قال عراقتشي: “نحن لم نوسّع الحرب. هذه هي طبيعة هذه الحرب”. سواء اتفق المرء مع هذا الطرح أم لا، فإن الواقع الجغرافي واضح. فالبنية العسكرية الأميركية منتشرة في أنحاء المنطقة، وغالبًا ما تكون قريبة من أصول مدنية واقتصادية، مثل الموانئ ومنشآت الطاقة والمراكز الحضرية. ومع تصاعد الضربات والضربات المضادة، يصبح الفصل بين الأهداف العسكرية والاقتصادية أكثر صعوبة.
الحرب طالت بالفعل قطاع الطاقة. فالضربات التي استهدفت حقل جنوب بارس للغاز في إيران، أحد أكبر الحقول في العالم، تشير إلى اتساع ساحة المواجهة. كما أن الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج رفعت من مستوى المخاطر. ويبقى مضيق هرمز نقطة ضعف مركزية.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس نفط العالم، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وحتى أي اضطراب محدود يترك أثرًا عالميًا فوريًا: ترتفع الأسعار، وتزداد تكاليف التأمين، وتُعاد دراسة مسارات الشحن، وتتفاعل الأسواق فورًا.
لا تقف الآثار عند حدود المنطقة. فإمدادات الطاقة الأوروبية تتأثر، والمستوردون الآسيويون يتنافسون بشدة على الغاز الطبيعي المسال المتاح. وحتى روسيا، رغم العقوبات، تستعيد أهمية استراتيجية كمورد بديل. وهكذا تتحول الطاقة من مجرد سلعة إلى أداة في الصراع، وقد استُخدمت بالفعل بهذه الطريقة.
هنا يصبح المثال الأوكراني أكثر وضوحًا. فالحرب الروسية في أوكرانيا لم تبقَ محصورة في ساحة القتال، بل أعادت تشكيل أسواق الطاقة العالمية، وأعادت ترتيب التحالفات السياسية، وفرضت تكاليف امتدت بعيدًا عن منطقة النزاع. وما بدأ كحرب إقليمية تحول إلى حدث اقتصادي عالمي. وقد تسلك حرب طويلة مع إيران مسارًا مشابهًا.
لكن هناك بُعدًا آخر قد يكون أكثر تأثيرًا: الطريقة التي تعرّف بها إيران نهاية الحرب نفسها. كان عراقتشي صريحًا في هذا الشأن: إيران غير مهتمة بوقف إطلاق النار. قال: “نحن لا نؤمن بوقف إطلاق النار. نحن نؤمن بإنهاء الحرب على كل الجبهات”.
هذا إطار مختلف جذريًا. فوقف إطلاق النار يعني هدنة مؤقتة يمكن التراجع عنها. أما ما تصفه إيران فهو تسوية شاملة عبر عدة جبهات.
وبهذا التعريف، فإن الحرب لا تقتصر على إيران وحدها، بل تشمل العراق ولبنان واليمن وساحات أخرى. وبالتالي فإن إنهاء الحرب يتطلب استقرارًا متزامنًا في كل هذه الجبهات. ويمكن قراءة ذلك بطريقتين: من جهة قد يبدو إشارة إيجابية إلى تسوية إقليمية أوسع، ومن جهة أخرى يضع شرطًا يجعل الخروج الدبلوماسي من الحرب أكثر تعقيدًا.
فلم يعد وقف إطلاق نار ثنائي كافيًا. إذ يتطلب خفض التصعيد توافقًا بين عدة أطراف، لكل منها مصالحها الخاصة وحساباتها المختلفة. وفي الوقت نفسه يعزز هذا الإطار منطق الحرب الطويلة. فكلما طال أمد الصراع، ازداد الدافع نحو تسوية شاملة لإنهائه. وهكذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من الاستراتيجية.
تشبه هذه الديناميكية ما حدث في أوكرانيا، حيث توسعت مع مرور الوقت تعريفات النصر والأمن، وضاق هامش التسوية. والنتيجة كانت فجوة متزايدة بين ما يمكن تحقيقه عسكريًا في المدى القصير وما يُعرّف سياسيًا كنهاية مقبولة للحرب.
لا يوجد يقين بأن هذا الصراع سيستمر طويلًا. فالحروب قد تنتهي فجأة. لكن العوامل التي تُبقي الحروب طويلة باتت واضحة: اعتقاد أحد الطرفين بإمكانية فرض نتيجة سريعة، في مقابل عقيدة الصمود لدى الطرف الآخر؛ ساحة مواجهة تتجاوز الحدود المباشرة؛ ونظام عالمي ينقل آثار الصراع إلى خارجه.
في طهران كانت الرسالة واضحة: هذا ليس نظامًا على وشك الانهيار، بل نظام يستعد لامتصاص الصدمات. لذلك فإن الخطر الأكبر ليس التصعيد بحد ذاته، بل ترسخ الصراع. إنها مواجهة قد لا يحقق فيها أي طرف نصرًا سريعًا، بينما تظل النهاية السياسية بعيدة، وتتجاوز آثارها الاقتصادية ساحة المعركة بكثير.
لن تكون هذه الحرب نسخة من أوكرانيا. فالجغرافيا والتحالفات والديناميات العسكرية مختلفة. لكنها قد تشترك معها في سمة أساسية: الانتقال من توقعات السرعة إلى واقع المدة الطويلة.
وفي هذا الواقع، كما يرى الخبير في الشأن الإيراني محمد علي شعباني، لم يعد السؤال الأساسي أي طرف يستطيع توجيه الضربة الأقوى، بل أي طرف يستطيع الصمود لفترة أطول، وإلى أي حد يمكن للنظام العالمي أن يتحمل الضغوط قبل أن يصبح هو نفسه جزءًا من الصراع.
هذا هو الخطر الذي يتشكل الآن: ليس مجرد حرب أكبر، بل حرب أطول.

