الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة19 مارس 2026 17:10
للمشاركة:

طهران.. فوالق مجتمعية بين النوافذ والشوارع

في الحروب والأزمات، يظهر الحنين لأزقة المدن ومقاهيها الجميلة كركن أساسي على مواقع التواصل الاجتماعي، ينتحب فيه عشاق الشوارع ويبكون بلا هوادة نوستالجيا المكان. لكن هل تكفي الدموع لاستعادة هوية المدن والرفاق؟

في عمق الحرب الثانية على إيران، وبعيدًا تمامًا عن الخوف والهروب، يرسم الإيرانيون بدقة جدارًا يُقسم طهران، وكل البلاد من خلفها، إلى كانتونات يتموضع خلفها شعب جرّار نفخ بنفسه أبواق الحرب على بلاده؛ كانتونات غير تقليدية بهويات عابرة.

لم يظهر الدمار الحقيقي في طهران إلى الآن، حتى الأبنية التي استُهدفت ستُبنى قريبًا من جديد، لكن ما لا يمكن إعادة بنائه هو الهوية التي حطّمتها التجاذبات الداخلية في إيران، وجعلت منها حربًا إقليمية تصطف على ضفتيها شعوب المنطقة. ربما لم يدرك المسؤولون في إيران أن العصا الحديدية التي ضربوا بها كل صوت معارض لهم كانت تشق الشوارع والمدن من طهران إلى بيروت، محدثةً فوالق مجتمعية تنتظر الزلزال.

القاعدة تقول: لكل فعل ردّة فعل. فما الحال ونحن نتحدث عن عقدين من التناحر بين الحاكم والمحكوم في طهران؟ ولرواية الحكاية الإيرانية ليس هناك بداية واحدة، فالتشعبات التي تنطلق منها السرديات المختلفة لا تُختصر في تدوينة. إن رسم المشهد العام للمجتمع الإيراني، ما قبل الثورة الإسلامية وما بعدها، مرورًا بالحركة الخضراء واحتجاجات البنزين ومهسا أميني وصولًا إلى مقتلة يناير الأخيرة، كلها تزيد من حجم الانشقاق الداخلي. وهنا لا نتحدث عن اصطفاف مع أو ضد النظام الإسلامي، بل عن انشقاق انشطاري أعمق، ستعود ارتداداته لاحقًا على كل المنطقة.

شعب الشوارع وشعب النوافذ

عشية عيد النوروز الفارسي، وفيما لا تزال نيران الحرب تضرب أركان النظام الإيراني، يقف “شعب النوافذ” في إيران متعطشًا للحظة الحسم، كي يدخل المعركة مع “شعب الشارع”. معركة خسرها في جولات عديدة، وعاد بصبر ليستعد لخوضها مرة ثانية، لكن هذه الجولة ستكون سيدة الجولات، فمن يقودها هو التطرف من كل الجهات. لا مكان للوسطيين الذين تتراجع أعدادهم، بل أصبحوا تحت بند الخونة؛ فالتزام الصمت أو استخدام عبارة “نعم، ولكن…” يكفي لتصنيفك خائنًا في أغلب الكانتونات.

في المشهد السياسي في السنوات الأخيرة في إيران، برز صوت آخر قوي من الشعب الإيراني لا نسمعه في المسيرات المؤيدة لنظام الجمهورية الإسلامية في الشوارع، والتي تُنظم في مختلف المناسبات وتنقلها عدسات الكاميرات. هذا الصوت جاء هذه المرة من أعماق المنازل ومن خلف النوافذ. منذ “ثورة الحجاب” في إيران، اتفق الإيرانيون على الهتاف معًا من داخل المنازل ضد النظام، ليرفعوا صوتهم عاليًا ويقولوا ما لا يُقال في الشارع. لاحقًا، أصبحت الشريحة المعارضة للنظام في إيران تستخدم النوافذ لرفع شعاراتها ضد أولئك الذين يؤيدون النظام ويرفعون شعاراته في الشارع بحرية.

الانفجار الكبير الذي تنتظره إيران ليس نوويًا، بل هو انفجار التطرف؛ انفجار “شعب النوافذ” الذين يهتفون ليلًا ضد من يدعمون علنًا نظامهم الإسلامي في الشارع. وفي الصباح، في طابور الخبز، يصمت الجميع ويتبادلون نظرات الخوف. وعلى الحواجز الأمنية المقامة حاليًا في المدن الإيرانية، يتبادل العابرون مع المعممين والباسيج المتطوعين لضبط الأمن نظرات انتظار طويلة؛ هؤلاء يفتشون السيارات، وركابها يفتشون وجوههم ويحفظونها ليوم موعود.

بالتأكيد، فإن بنك الأهداف الذي وضعته إسرائيل والولايات المتحدة داخل إيران يساهم في قراءة ما بعد الحرب، حيث تم استهداف مراكز الشرطة والأمن ومقرات الباسيج بشكل واسع، إلى جانب استهداف هذه الحواجز الأمنية بشكل مباشر أيضًا.

هل المجتمع الإيراني على حافة الفراغ المطلق؟

يقول الباحث الإيراني وأستاذ العلوم السياسية الدكتور حاتم قادري إن إيران اليوم على حافة الفراغ المطلق وتفقد مُثُلها، ويُعلل ذلك بثلاثة أسباب: الشعور بالهزيمة، اليأس، وحقيقة أن الشعب متلوّن ويميل مع الريح.

تقييم الدكتور قادري لأوضاع الشعب الإيراني، ولو كان قاسيًا في بعض جوانبه، إلا أنه يساعد في فهم الوضع الحالي والمقبل لإيران. فما يُدار في كواليس الكانتونات المختلفة في إيران من تطرف أصبح عيانًا للجميع، وفتح باب الأسئلة عن معنى الوطنية والانتهازية والخيانة. لكن تحت مظلة الحرب، لا رفاهية لهذه الأسئلة، بل هناك أحكام قطعية، كما فعل المذيع على التلفزيون الرسمي الإيراني الذي دعا إلى إعدام لاعبات المنتخب الإيراني اللواتي لم ينشدن النشيد الوطني للبلاد في مباراة أُقيمت في أستراليا وتزامنت مع بداية الحرب.

التطرف في الإعدام وثقافة إلغاء الآخر ليست حكرًا على كانتون واحد، بل هي سلوك رائج في كل الكانتونات في إيران وكل المنطقة، وهو جزء من حلقة سلوكية بدأت يومًا بمحاربة الاستكبار بأدواته لتنتهي بتقمص الاستكبار وأدواته.

في قناتها الخاصة، كتبت باحثة اجتماعية إيرانية مقيمة في أوروبا أن الوسطيين من الإيرانيين المقيمين في الخارج، وعلى الرغم من عدم انحيازهم لنظام طهران الحالي، إلا أنهم يتعرضون لضغوط مجتمعية عديدة بسبب عدم تفاؤلهم بالأطروحات السياسية الأخرى لمستقبل البلاد. حيث يتلقى بعضهم ملاحظات من مديريهم في العمل تفيد بأن مواطنين لهم من المقيمين في تلك البلدان أبلغوا عنهم بمعلومات حول تعاونهم مع الحرس الثوري، وهو مصنف على قوائم الإرهاب. 

هذه الممارسات قائمة على نفس فكرة الإلغائية وإعدام الآخر، حيث يرفض الإيرانيون الشاهنشاهيون كل من يعارض فكرة عودة رضا بهلوي ملكًا إلى إيران، ويؤسسون لثقافة “نحن فقط”، وهي الثقافة نفسها التي يؤطرها الجناح الآخر من المعارضة الإيرانية المتمثل في منظمة مجاهدي خلق.

ماذا لو تحركت الفوالق المجتمعية في طهران؟

في القراءات المختلفة لمستقبل الحرب على إيران، نتحدث عن سقوط النظام أو انتصاره وبقائه، وأبعاد كل احتمال على المعادلة الإقليمية والدولية، لكن ما يغيب عن الحسابات هو واقع المجتمع الإيراني في كل الحالات. فهل يمكن أن يتحول المشهد الداخلي الإيراني إلى الحدث الأبرز، حتى من الحرب الحالية؟

للإجابة على هذا السؤال الخطير، يجب أن يبحث المعنيون في طهران بين التراكمات التي كدستها سلوكيات قمع الحريات ورفض النقد، وإقصاء الوسطيين، وتحميل الشعب أعباء اقتصادية، وتقليص دائرة القرار، والتخوين، والأحكام الجائرة من جهة، وبين تراجع الثقافة العامة، وتسخيف لغة الإعلام، وكسر الأقلام، وإضعاف النشاط المدني. كل هذه السلوكيات أدت، عبر عقود، إلى إنتاج شريحة مجتمعية جديدة تفتقر للاستقلالية الثقافية، وسهلة القولبة، وقابلة للتطرف.

بطبيعة الحال، فإن الخوف من النزعات الانتقامية التي يحرض عليها التطرف الحالي على كل الجبهات هو الهاجس الأهم الذي ينبغي أن يشغل المجتمع الإيراني اليوم، للبحث في كيفية تجاوز المرحلة المقبلة بأقل الخسائر، مهما كانت نتيجة الحرب.

في قراءة ميدانية لأول أسبوعين من الحرب، يمكن القول إن ظل الدمار والدم ترك أثرًا لا يُستهان به على عقلية العداء الداخلي الإيراني للنظام. فقد أعاد كثيرون حساباتهم من منظورين أساسيين: الأول هو الانتماء الوطني، والثاني هو الدعاية الإيجابية التي تلقاها النظام الإيراني عالميًا، من حيث لا يعلم، من كارهي ترامب وإسرائيل، ومن خلفهم أنصار القضية الفلسطينية. وهذا كله قد يرجّح كفة نظام الجمهورية الإسلامية في الصدام الداخلي المحتمل. لكن تبقى القدرة على احتواء الآخر والخطاب المعتدل هي الورقة الأهم التي قد تنقذ البلاد وترجّح كفة الميزان.

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجادة وإنما تعبّر عن رأي كاتبها

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: