الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة9 مارس 2026 19:45
للمشاركة:

فورين بوليسي: انتخاب مجتبى خامنئي رسالة تحد إيرانية لواشنطن

لسنوات طويلة، تكهنت وسائل إعلام المعارضة ومحللون بأن مجتبى خامنئي، الابن نادر الظهور للقائد الأعلى الإيراني علي خامنئي، والذي اغتيل مؤخرًا، قد يرث أعلى منصب في الجمهورية الإسلامية. لكن داخل البلاد، ظل هذا الاحتمال أكثر حساسية بكثير.

فالجمهورية الإسلامية أُنشئت أساسًا لمعارضة الحكم الوراثي. فالثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 لم تكن مجرد تغيير سياسي؛ بل مثلت قطيعة مع النظام الملكي. وقد استند النظام الجديد في شرعيته إلى سلطة رجال الدين والمؤسسات الثورية وعقيدة ولاية الفقيه. ولهذا السبب، فإن انتقال السلطة من الأب إلى الابن يُعد مسألة مثيرة للجدل بشدة.

ومع ذلك، فقد حدث ذلك فجر الإثنين في إيران، وفق بيان رسمي صادر عن مجلس خبراء القيادة، الذي أعلن تسمية خامنئي البالغ من العمر 56 عامًا قائدًا أعلى جديدًا للبلاد.

القرار جاء بعد أسبوع دراماتيكي من الحرب داخل إيران، شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل، وأسفر عن مقتل علي خامنئي وعدد من قادة النظام الآخرين في ضربات جوية. ففي أوقات الحرب، كثيرًا ما تتراجع اعتبارات الشرعية السياسية أمام ضغوط المواجهة، بغض النظر عن الأيديولوجيا. والسؤال المطروح الآن هو كيف سيؤثر تعيين مجتبى خامنئي في مسار الحرب، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الجمهورية الإسلامية.

في الثقافة السياسية الإيرانية، تحمل فكرة الشهادة وزنًا رمزيًا عميقًا. ويستمد هذا المفهوم جذوره أولًا من السردية المركزية في الإسلام الشيعي: “استشهاد الإمام الحسين” في معركة كربلاء عام 680 ميلادية، والذي يمثل في الفكر الشيعي أسمى أشكال المقاومة ضد الطغيان والظلم. وعلى مدى قرون، جرى إحياء ذكرى تضحية الحسين عبر طقوس مثل مراسم عاشوراء والعروض المسرحية التي تعيد تمثيل مأساة كربلاء، مما رسّخ فكرة أن النصر الأخلاقي يكمن في التضحية لا في البقاء.

الجمهورية الإسلامية أعادت تفسير هذا الإرث الديني من خلال تجربة الحرب الحديثة. فخلال الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988، قدّمت القيادة الإيرانية الصراع باعتباره إعادة معاصرة لمأساة كربلاء، وصوّرت الجنود الإيرانيين باعتبارهم أتباعًا للحسين يواجهون طاغية جديدًا. ومجّدت الدولة الذين قُتلوا في الحرب باعتبارهم شهداء، وبنت ثقافة سياسية كاملة حول فكرة التضحية والمقاومة. وفي إطار هذه السردية، أصبحت الشهادة ليس مجرد مفهوم ديني، بل أيضًا أحد أعمدة الشرعية السياسية للنظام.

من هذا المنظور، يكتسب تعيين مجتبى خامنئي دلالة رمزية. فهو ليس فقط ابن القائد السابق، بل يمثل، في سردية النظام، شخصية مرتبطة بإرث التضحية الذي شدد عليه والده الراحل، الذي قُتل على يد عدوه مع أفراد من عائلته، تمامًا كما حدث مع الحسين. ويمكن لهذا البعد الرمزي أن يشكل أداة قوية لترسيخ السلطة وتأطير الاستمرارية السياسية باعتبارها جزءًا من صراع مستمر.

قد يخدم هذا التعيين غرضين متوازيين. فداخل إيران، يعزز فكرة الصمود والمقاومة. وعلى المستوى الدولي، يوفر غطاءً سياسيًا إما للمواجهة أو للتفاوض. والمفارقة أن القائد المعروف بمواقفه الصلبة قد يكون الأكثر قدرة على تقديم تنازلات ضرورية، لأنه أقل عرضة لاتهامات الضعف.

في مقابلة حديثة، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجتبى خامنئي بأنه شخصية غير مقبولة، واقترح أن تحاول الولايات المتحدة التأثير في عملية تغيير القيادة في إيران. لكن داخل إيران، غالبًا ما تأتي مثل هذه التصريحات بنتائج عكسية. فالثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية شديدة الحساسية تجاه التدخل الخارجي. وعندما ترفض واشنطن علنًا شخصية إيرانية، فإن ذلك قد يعزز مكانتها داخليًا من خلال تصوير معارضيها على أنهم متوافقون مع المصالح الأجنبية. ونتيجة لذلك، قد تسهم تصريحات ترامب في تعزيز موقع خامنئي الابن بدل إضعافه.

لكن على خلاف معظم المرشحين الآخرين لقيادة إيران، اكتسب مجتبى خامنئي نفوذه إلى حد كبير بعيدًا عن الأنظار. فهو رجل متحفظ، غالبًا ما يظهر في الصور واقفًا خلف شخصيات بارزة. ولم يتولَّ أي منصب حكومي، ولم يسعَ إليه، ونادرًا ما يظهر في العلن أو يتحدث إلى وسائل الإعلام.

مع ذلك، ظل يُنظر إليه داخل النظام السياسي الإيراني منذ فترة طويلة باعتباره شخصية مؤثرة. فمن خلال عمله داخل مكتب القائد الأعلى، أصبح معروفًا باعتباره بوابة عبور سياسية ووسيطًا قريبًا من والده. وغالبًا ما يقارن المحللون دوره بدور أحمد الخميني، ابن مؤسس الجمهورية الإسلامية، الذي لعب بدوره دور الوسيط المؤثر في السنوات الأولى للنظام.

مع مرور الوقت، بنى مجتبى خامنئي نفوذًا في ثلاثة مجالات رئيسية: المؤسسة الدينية، والقوات الأمنية، والشبكات السياسية المحيطة بمكتب القائد الأعلى. وضمن الأجهزة الأمنية، تشمل تحالفاته علاقات وثيقة مع شخصيات مثل محمد رضا نقدي، الذي شغل منصب قائد قوات لباسيج، وحسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني. كما يُعتقد أن القائد السابق في الحرس الثوري حسين همداني كان يحتفظ بعلاقات وثيقة مع خامنئي الابن منذ تعاونهما المبكر خلال الحرب الإيرانية العراقية.

تكتسب علاقاته مع الحرس الثوري أهمية خاصة. فهذه الروابط تعود إلى فترة الحرب الإيرانية العراقية، عندما خدم مجتبى خامنئي في كتيبة حبيب بن مظاهر، وهي مجموعة تطوعية مرتبطة بالشبكات الثورية التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الأجهزة الأمنية الإيرانية. وقد تولى العديد من رفاقه في تلك المرحلة لاحقًا مناصب رفيعة في الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات. وساهمت هذه العلاقات التي نشأت خلال الحرب في ترسيخ موقعه داخل أكثر مؤسسات النظام نفوذًا.

ورغم هذا النفوذ، نادرًا ما يظهر مجتبى خامنئي في العلن. ومن بين آخر الصور التي انتشرت له على نطاق واسع كانت بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في سبتمبر/أيلول 2024، حين زار مكتب حزب الله في طهران لتقديم التعازي. وقد لفت هذا الظهور الانتباه بسبب ندرته.

ظهر نفوذ مجتبى خامنئي أحيانًا خلال لحظات مفصلية في النظام السياسي الإيراني. وكثيرًا ما يشير المراقبون إلى صعود إبراهيم رئيسي كمثال على ذلك. فسنوات طويلة لم يكن رئيسي شخصية بارزة داخل السلطة القضائية الإيرانية، لكنه اقترب تدريجيًا من مركز القرار إلى أن أصبح رئيسًا للجمهورية بعد استبعاد مرشحين آخرين.

ورأى كثير من المحللين في هذا الصعود جزءًا من استراتيجية أوسع للتأثير في مسألة الخلافة داخل الجمهورية الإسلامية. غير أن وفاة رئيسي المفاجئة في حادث تحطم مروحية في مايو/أيار 2024 غيّرت هذه الحسابات وأعادت التركيز إلى مسألة القيادة. ومع غياب المرشح الرئيسي للخلافة، عاد الاهتمام مجددًا إلى مجتبى خامنئي، الذي ظل يعمل باستمرار خلف الكواليس.

كما أثّرت الاتهامات المتعلقة بالشبكات الاقتصادية المرتبطة بنخب الحكم في إيران في صورة خامنئي الابن السياسية. فقد ربطت تحقيقات إعلامية غربية بشكل غير مباشر اسمه بشبكات مالية يُقال إنها نقلت أصولًا إلى الخارج للالتفاف على العقوبات. ومن بين الأسماء التي وردت في هذه التقارير المصرفي الإيراني علي أنصاري، الذي ضمت إمبراطوريته التجارية بنك “آينده” واستثمارات عقارية كبيرة في الخارج.

وانهار بنك “آينده” لاحقًا بسبب خسائر كبيرة وممارسات إقراض مثيرة للجدل، ما دفع البنك المركزي الإيراني إلى التدخل. ولم يؤكد مجتبى خامنئي ولا أنصاري هذه الروابط المزعومة، ولا تزال هذه الادعاءات محل خلاف. ومع ذلك، فقد عززت هذه التقارير الانطباع بوجود شبكات مالية قوية تدعم النظام السياسي في إيران.

بالمقارنة مع التحدي الرمزي الذي تمثله مسألة التوريث السياسي، قد تكون المؤهلات الدينية لمجتبى خامنئي أقل أهمية. فالدستور الإيراني لا يشترط أن يكون القائد الأعلى من كبار رجال الدين. فمنذ عام 1989، يقتصر الشرط على أن يكون القائد قادرًا على إصدار اجتهادات فقهية مستقلة.

فقد أمضى خامنئي الابن عقودًا في الدراسة داخل الحوزات الدينية في قم، ودرّس دروس البحث الخارج، وهي أعلى مراحل التعليم الفقهي في التقليد الشيعي. ولا يزال هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الخلفية تمنحه اعترافًا واسعًا بين رجال الدين. لكن من الناحية القانونية، يسمح النظام بالفعل بمثل هذا الانتقال.

على مدى عقود، بنى مجتبى خامنئي نفوذه بعيدًا عن الأضواء العامة. فقد ركز على بناء الشبكات والتحالفات بدل السعي إلى الشعبية العلنية، وعمل بهدوء خلف الكواليس. واليوم، ومع وصول إيران إلى لحظة مفصلية، يجد نفسه في قلب السلطة.

المصدر/ مجلة فورين بوليسي

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: