الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة9 مارس 2026 00:49
للمشاركة:

من الظل إلى سدة القيادة.. من هو مجتبى خامنئي الذي سيدير دفة الجمهورية الإسلامية؟

في أيام الحرب ذات الأوضاع الأمنية والسياسية الحساسة، أعلن مجلس خبراء القيادة الإيراني انتخاب مجتبى الحسيني خامنئي قائدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، خلفًا لوالده آية الله علي خامنئي الذي قُتل في الضربة الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت طهران في اليوم الأول من الحرب المشتركة على إيران.

القرار جاء في جلسة استثنائية عقدها المجلس المؤلف من 88 عضوًا، حيث أعلن في بيان رسمي ليل الأحد أنّه “تمّ، بناءً على التصويت الحاسم لأعضاء مجلس خبراء القيادة، تعيين سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979”.

ومع إعلان القرار، توالت بيانات الولاء من مؤسسات الدولة الإيرانية، السياسية والعسكرية والدينية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يعدّ القوة العسكرية الأساسية للنظام. هذا الاصطفاف السريع عكس محاولة واضحة لإظهار تماسك الدولة بعد اغتيال الرجل الذي قاد الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود.

جاء الإعلان أيضًا وسط تهديدات خارجية مباشرة. فقبل ساعات من إعلان اسم القائد الجديد، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن أي قائد تختاره إيران “لن يبقى طويلاً” ما لم يكن مقبولًا من واشنطن، فيما كانت إسرائيل قد حذّرت مسبقًا من أن أي خليفة لعلي خامنئي سيكون “هدفًا مؤكّدًا للاغتيال”.

فمن هو مجتبى خامنئي؟

كان حضوره نادرًا، لكنه حين يظهر يلفت الأنظار. في صيف عام 2024، ومع تصاعد موجة الحداد الشعبي على مقتل الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، التقطت الكاميرات مشهدًا غير مألوف في طهران: مجتبى خامنئي يتقدم، إلى جانب إخوته، نحو مكتب حزب الله لتقديم واجب العزاء. لم يُدلِ بأي تصريح، ولم يتوقف للحديث، لكن مجرد ظهوره كان كفيلًا بإثارة سيل من التكهنات داخل إيران وخارجها.

بعد فترة قصيرة، تكرر المشهد. هذه المرة في مكتب حركة حماس في طهران، حيث حضر مجتبى خامنئي مع إخوته لتقديم التعازي باستشهاد يحيى السنوار. مرة أخرى، التزم الصمت، تاركًا للصورة وحدها أن تتكلم. ظهوران مقتضبان، لكنهما كانا كافيين لإعادة طرح الأسئلة ذاتها: هل بدأ نجل القائد الأعلى الخروج من ظلّ الكواليس؟ 

لم يكن اسم مجتبى خامنئي مفاجئًا في معادلة الخلافة داخل النظام الإيراني. فخلال السنوات الأخيرة، ظلّ اسمه متداولًا في الأوساط السياسية والدينية كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة والده، الرجل الذي تولّى قيادة الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989 بعد وفاة مؤسسها روح الله الخميني.

وكانت طهران تسعى، بحسب أعضاء في مجلس خبراء القيادة، إلى اختيار قائد جديد “في أقرب فرصة”، خصوصًا في ظل التصعيد العسكري الكبير الذي تعيشه البلاد. وقد طُرحت أسماء أخرى إلى جانب مجتبى، من بينها علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور وأحد أعضاء مجلس القيادة الانتقالي، وآية الله محسن الأراكي، إضافة إلى حسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية.

لكن في النهاية، وقع الاختيار على الابن الثاني لعلي خامنئي، الرجل الذي ظلّ لسنوات طويلة أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل النظام، رغم غيابه شبه الكامل عن المناصب الرسمية.

من مشهد إلى قم

ولد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، إحدى أهم المدن الدينية في إيران. وهو الابن الثاني لعلي خامنئي بين ستة أبناء، لكنه الوحيد الذي انخرط فعليًا في الحياة الدينية والسياسية.

تلقى دروسه الحوزوية الأولية في مدرسة آية الله مجتهدي الطهراني في طهران، قبل أن يلتحق بجبهات الحرب خلال السنوات الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية، حيث شارك إلى جانب المقاتلين المرتبطين بالحرس الثوري.

بعد انتهاء الحرب، انتقل عام 1989 إلى مدينة قم لمتابعة دراسته الدينية العليا، حيث بقي هناك حتى أوائل التسعينيات. ثم عاد إلى طهران لفترة خمس سنوات وواصل تحصيله العلمي، قبل أن يعود مرة أخرى إلى قم لاستكمال دراساته الحوزوية.

تتلمذ خلال هذه الفترة على عدد من كبار علماء الحوزة، من بينهم الشيخ جواد التبريزي، وحسين وحيد الخراساني، وسيد موسى شبيري الزنجاني، إضافة إلى والده علي خامنئي. وقد حضر دروس البحث الخارج في الفقه والأصول لأكثر من سبعة عشر عامًا بشكل متواصل، وهي المرحلة العلمية الأعلى في الدراسات الحوزوية الشيعية.

أستاذ في الحوزة العلمية

في مدينة قم، بدأ مجتبى خامنئي التدريس في الحوزة العلمية، حيث عرف بأسلوب تدريسي يعتمد على النقد العلمي والبحث المقارن بين آراء الفقهاء.

يقول مقربون من الحوزة إن دروسه في مرحلة البحث الخارج تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكثر الدروس ازدحامًا في قم، حيث كان يحضرها قبل جائحة كورونا نحو 400 طالب.

خلال فترة الجائحة، انتقلت دروسه إلى الفضاء الافتراضي. وبعد عودة الدروس الحضورية، سجّل نحو 1300 طالب أسماءهم في حلقاته الدراسية، فيما حضر أكثر من 700 طالب إحدى محاضراته في بداية العام الدراسي.

لكن المفاجأة كانت عندما أعلن فجأة إيقاف دروسه وطلب من طلابه “الحِلّية”، دون تقديم تفسير واضح. لاحقًا كشف في لقاء خاص مع بعض تلامذته أن القرار يعود إلى “أسباب معنوية لا يمكن الحديث عنها”، مضيفًا أنه لا يرى من المناسب أن تكون دروسه الأكثر ازدحامًا في وقت تراجعت فيه دروس كثير من أساتذة الحوزة بعد كورونا.

وقد أثار القرار جدلًا واسعًا في قم، لدرجة أن أكثر من ألف طالب وأستاذ في الحوزة وقّعوا رسالة يطالبون فيها باستئناف دروسه.

رجل الظل في “بيت القائد”

رغم نشاطه الديني، فإن شهرة مجتبى خامنئي السياسية لم تأتِ من الحوزة، بل من موقعه داخل ما يعرف في إيران بـ”بيت القائد”، أي مكتب القائد الأعلى.

فخلال السنوات الماضية، اعتبره كثير من المراقبين أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في دوائر القرار الإيرانية. ويذهب بعضهم إلى حد القول إنه كان يدير جزءًا كبيرًا من شؤون الدولة من خلف الكواليس.

ومع أنه لم يشغل أي منصب رسمي في الدولة، فإن وزارة الخزانة الأميركية أدرجته عام 2019 ضمن قائمة العقوبات، معتبرة أنه “يمثل القائد الأعلى بصفة رسمية”، رغم أنه لم يُنتخب قط لأي منصب حكومي.

وأضافت الوزارة أن علي خامنئي فوّض جزءًا من مسؤولياته القيادية لنجله، الذي عمل عن قرب مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري ومع قوات التعبئة الشعبية “الباسيج”.

علاقة وثيقة بالحرس الثوري

يُصنّف مجتبى خامنئي عادة ضمن التيار المحافظ في إيران، ويعود ذلك إلى علاقته الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني.

هذه العلاقة بدأت منذ مشاركته في جبهات الحرب العراقية الإيرانية، لكنها تعززت لاحقًا من خلال شبكة علاقات واسعة مع قادة المؤسسة العسكرية والأمنية في البلاد.

كما ارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع شخصيات بارزة في ما يعرف بمحور المقاومة، من بينها الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، وقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.

لم يخلُ صعود مجتبى خامنئي من الجدل. فقد اتهمه معارضون بلعب دور أساسي في قمع الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عام 2009 عقب إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد.

كما أشارت تقارير صحافية، بينها تحقيق لوكالة بلومبرغ، إلى أنه أسس شبكة واسعة من الشركات خارج إيران، ما مكّنه من جمع ثروة كبيرة.

حياة شخصية مرتبطة بالنظام

في عام 1997 تزوج مجتبى خامنئي من زهرة حداد عادل، ابنة رئيس البرلمان الإيراني السابق غلام علي حداد عادل، أحد أبرز الشخصيات المحافظة في إيران.

يروي غلام علي حداد عادل، رئيس البرلمان الإيراني الأسبق، تفاصيل لافتة عن زواج مجتبى خامنئي. فبحسب رواية نقلتها وكالة “مهر”، عندما تقدمت عائلة مجتبى لخطبة ابنته زهرة، لجأت العائلة أولًا إلى الاستخارة، وهي عادة متجذرة في الثقافة الدينية الشيعية عند اتخاذ قرارات مصيرية.

تقول الرواية إن السيدة خجسته، زوجة علي خامنئي، أجرت الاستخارة الأولى، لكنها لم تكن مشجعة. غير أن علي خامنئي أعاد الاستخارة بنفسه لاحقًا، فجاءت نتيجتها هذه المرة إيجابية. عندها بادر إلى الاتصال بحداد عادل قائلًا عبارته التي بقيت عالقة في الذاكرة: “نحن بصدد أن نصبح أهلًا”.

خلال الحديث عن الزواج، حرص علي خامنئي، بحسب الرواية نفسها، على أن يوضح طبيعة حياة العائلة. فقال لوالد العروس: “نحن لا نملك شيئًا سوى بعض الكتب، ولدينا بيت مستأجر مكوّن من طابقين؛ يسكن مصطفى في أحدهما، ويسكن مجتبى في الآخر”.

أما مجتبى نفسه، فيُروى أنه أصرّ على أن يبقى زواجه بسيطًا إلى أقصى حد. فبحسب حداد عادل، رفض شراء أي شيء تقريبًا لهذه المناسبة، حتى خاتم الزواج. وقال بوضوح: “لا أريد خاتمًا ولا ساعة ولا أي شيء آخر”.

وفي نهاية المطاف، اقترح والده أن يمنحه خاتم عقيق كان قد أُهدي إليه سابقًا، على أن يتم تصغيره ليناسب مقاسه. وقد أُنجز ذلك في محل صياغة بسيط، بكلفة لم تتجاوز 600 تومان.

لكن زوجته قتلت أيضًا في الضربة الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت طهران وأدت إلى مقتل والده.

على مدى سنوات، ظلّ مجتبى خامنئي شخصية غامضة نسبيًا داخل النظام الإيراني. فظهوره الإعلامي كان نادرًا، وصوره قليلة، وتصريحاته شبه معدومة.

لكن خلف هذا الغياب العلني، كان اسمه يتردد باستمرار داخل دوائر القرار في طهران بوصفه أحد أكثر رجال النظام نفوذًا.

واليوم، بعد سنوات من العمل في الظل، خرج الرجل الذي عُرف طويلًا بأنه “أقرب الناس إلى بيت القائد” ليجلس في المقعد الأعلى للسلطة في الجمهورية الإسلامية.

ماذا يقول المقربون منه؟

نقل موقع “تجارت نيوز” عن محمد حسين خوش‌ وقت، شقيق زوجة  مصطفى خامنئي: “إن السيد مجتبى هو أكثر الأبناء شبهًا بالقائد الأعلى في الشكل والصفات. لكنه لا يتدخل في السياسة، وإن كان يُستشار أحيانًا بسبب مكانته”.

أما فريد حداد عادل، فقال في مقال نقله نفس الموقع إن  مجتبى ينسجم تمامًا في رؤيته مع خط القيادة، ويتصرّف وفق التكليف الشرعي، ويركز على تدريس الفقه المتقدّم، ويطرح مواضيع معقّدة تفوق المستوى المعتاد في دروس الخارج.

بحسب وكالة “مهر” يتنقل أبناء القائد الأعلى، وبينهم  مجتبى، بين مدارس الحوزة العلمية في قم مثل “الفيضية” بدون مظاهر رسمية أو بروتوكول خاص، وأحيانًا بمرافق بسيط فقط. وينقل طلاب الحوزة من مختلف أنحاء إيران مشاهداتهم الشخصية حول تواضعه وبساطة أسلوب حياته.

كما انتشرت في الإعلام شائعات عدة عن مجتبى خامنئي، من بينها: امتلاكه 5.1 مليون جنيه مجمّدة في بنك بريطاني، وشاحنة مليئة بسبائك ذهب أُرسلت إلى تركيا، أو ولادة أحد أبنائه في فندق فاخر بلندن. وقد نفى الدكتور حداد عادل هذه المزاعم وفق وسائل الإعلام الإيرانية وقال: “حفيدي وُلد في مستشفى عادي بطهران، وكلفة الولادة كانت أقل من 500 ألف تومان، وكل ما يُشاع هو أكاذيب لضرب مكانة القيادة”.

تحديات القائد الجديد في زمن الحرب

لا يصل مجتبى خامنئي إلى موقع القائد الأعلى في لحظة انتقال طبيعي للسلطة، بل في واحدة من أخطر اللحظات التي مرت بها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979. فاغتيال والده في ضربة أميركية إسرائيلية مباشرة على طهران وضع إيران في قلب مواجهة عسكرية مفتوحة، بينما لا تزال البلاد تعيش تداعيات سنوات من التوتر الداخلي والضغوط الاقتصادية.

الحرب الجارية اليوم تضع القائد الجديد أمام اختبار فوري. فإيران التي بنت على مدى عقود شبكة نفوذ إقليمي واسعة عبر ما يُعرف بمحور المقاومة، تجد نفسها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي مواجهة قد تمتد آثارها إلى ساحات متعددة في المنطقة.

لكن التحديات التي تنتظر القائد الجديد لا تقتصر على الجبهة العسكرية. فقبل اندلاع الحرب، كانت إيران قد شهدت موجات احتجاج متكررة خلال السنوات الأخيرة، كان أبرزها الاحتجاجات مطلع العام 2026 نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والتجارية، والتي قُوبلت حسب وسائل إعلام معارضة بالعنف الشديد، حيث بدأت الاستعدادات الأميركية للضربة العسكرية بذريعة مساعدة المحتجين ومحاسبة النظام الحاكم على القمع الذي قام به ضد المحتجين.

كما تعاني البلاد من ضغوط اقتصادية قاسية نتيجة العقوبات الدولية الطويلة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهي عوامل ساهمت في تأجيج حالة السخط الاجتماعي داخل شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني.

إلى جانب ذلك، يواجه نظام الجمهورية الإسلامية تحديات سياسية أعمق تتعلق بمستقبل نموذج الحكم نفسه. فمنذ سنوات يدور نقاش داخل إيران وخارجها حول طبيعة النظام بعد الجيل الأول من الثورة، وحول قدرة المؤسسات الدينية والسياسية على التكيّف مع مجتمع شاب ومتغير.

في هذا السياق، يجد مجتبى خامنئي نفسه أمام معادلة معقدة: الحفاظ على تماسك النظام في لحظة حرب خارجية، وإدارة الضغوط الداخلية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

وإذا كان الرجل قد عُرف لسنوات طويلة بأنه أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في كواليس السلطة الإيرانية، فإن المرحلة المقبلة ستضعه للمرة الأولى في موقع القيادة العلنية، حيث ستتحول كل القرارات الكبرى، من الحرب إلى الاقتصاد والسياسة الداخلية، إلى اختبارات مباشرة لقيادته.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: