الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة7 مارس 2026 23:47
للمشاركة:

من الاعتذار إلى التهديد خلال ساعات: كيف تبدّل الخطاب الإيراني في يومٍ واحد؟

بدأت القصة باعتذار للدور المحاورة عن الهجمات الإيرانية التي استهدفتها. ففي رسالة متلفزة شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فجر السبت 7 أذار/ مارس 2026 على رغبة بلاده في الإبقاء على علاقات طيبة مع هذه البلدان. 

كما أوضح بزشكيان أن بلاده لا تسعى إلى مواجهة مع دول الجوار، مؤكداً أن إيران لن تستهدف أي دولة في المنطقة ما لم تُستخدم أراضيها أو قواعدها أو أجواؤها في الهجوم عليها.

حاول الرئيس الإيراني تقديم رسالة مزدوجة: طمأنة لدول المنطقة، مع الاحتفاظ بحق الرد العسكري. وبعد ساعات، عاد بزشكيان إلى نشر سلسلة تغريدات شدد فيها على أن إيران ستدافع عن نفسها بقوة، وأن عملياتها العسكرية تستهدف الجهات المشاركة في الهجوم عليها فقط.

وأكد في تلك التغريدات أن طهران لم تهاجم الدول المجاورة، بل استهدفت – بحسب قوله – قواعد ومنشآت عسكرية أميركية في المنطقة، مضيفاً أن احترام سيادة الدول المجاورة لا يلغي “الحق المشروع لإيران في الدفاع عن نفسها”.

انتقادات داخلية

عودة بزشكيان للتصريح جاءت بعد عاصفة من الانتقادات من البرلمانيين المحسوبين على التيار الأصولي ومحللين مقربين من الخط الفكري للحرس الثوري، حيث نقلت وكالة رويترز عن مصادر قريبة من القيادة الإيرانية أن اعتذار الرئيس مسعود بزشكيان لدول الخليج أثار اعتراضات داخل أوساط المتشددين في الحرس الثوري.

وأضافت المصادر أن الجدل الذي أعقب تصريح بزشكيان كشف عن وجود انقسامات حقيقية داخل دوائر القرار في إيران.

كما انتقد النائب الإيراني أمير حسين ثابتي تصريحات الرئيس، معتبراً أن الاعتذار في مثل هذه الظروف غير مبرر.

ونشر الكاتب سيد مصطفى موسوي نجاد تعليقاً على مواقع التواصل الاجتماعي تساءل فيه: “السيد الرئيس، عمّ تعتذرون؟”.

وأضاف في تعليقه: “هل تعتذرون لأن بعض دول الجوار خصصت أراضيها لمن قتل القائد الشهيد في إيران حتى ينفذ عمليات ضد إيران ويغتال المسؤولين واحداً تلو الآخر؟”.

وتابع قائلاً: “هل الهجوم على قواعد العدو التي استُخدمت ضد إيران يحتاج إلى اعتذار؟”.

ودعا موسوي نجاد أيضاً مجلس خبراء القيادة إلى تسريع اتخاذ قراراته، معتبراً أن المجلس قادر على “اختيار القيادة بشكل مؤقت إلى حين استقرار الأوضاع”.

كما انتقد المؤرخ الإيراني محمد حسين رجبي دواني تصريحات الرئيس خلال مشاركته في برنامج “سوره”، قائلاً: “نحن لا نعتذر، بل نطالب الدول التي وضعت أراضيها في خدمة العدو بالتعويض”.

وأضاف موجهاً كلامه إلى الرئيس: “السيد الرئيس، اخرج إلى الناس هذه الليالي واسمع مطالب الشعب في الانتقام لدماء قائد الثورة”.

في المقابل، أعاد مستشار القائد الإيراني الراحل محمد مخبر نشر كلام القائد الراحل علي الخامنئي، الذي قال فيه إن الولايات المتحدة يجب أن تعلم أنه إذا بدأت حرباً فإنها ستكون حرباً إقليمية”، مؤكداً أن أي مواجهة لن تبقى محدودة.

ترامب يعيد خلط الأوراق

في السياق عينه، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تقديم قراءة مختلفة تماماً لكلام بزشكيان.

وفي منشور على منصة “تروث سوشال”، قال ترامب إن إيران تعاني من ضغوط شديدة وقدمت اعتذاراً لجيرانها في الشرق الأوسط وتعهدت بعدم استهدافهم مجدداً بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية.

وأضاف أن ما يحدث يمثل، بحسب وصفه، أول هزيمة تتعرض لها إيران أمام دول الشرق الأوسط منذ قرون، مؤكداً أن طهران لم تعد “القوة المهيمنة في المنطقة”، بل أصبحت “الخاسر الأكبر فيها”.

كما لوّح الرئيس الأميركي بإمكانية توسيع بنك الأهداف، قائلاً إن الولايات المتحدة تدرس اتخاذ خطوات إضافية ضد مواقع لم تُستهدف بعد، مضيفاً: “اليوم ستُضرب إيران ضرباً مبرحاً”.

في المقابل، حمّل وزير الخارجية الإيراني تصريحات ترامب مسؤولية تبدّل الموقف الإيراني، معتبرًا أن الاستعداد المشروط لخفض التوتر الذي طرحه بزشكيان انهار سريعًا نتيجة ما وصفه بسوء تقدير الرئيس الأميركي لقدرات إيران ونواياها.

وأوضح أن إيران كانت مستعدة لخفض التوتر بشرط عدم استخدام أجواء وأراضي ومياه الدول المجاورة لمهاجمة الشعب الإيراني، لكن هذا المسار دُمّر بعد التصريحات الأميركية.

وأضاف أن أي تصعيد إضافي تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليته، محذراً من أن ترامب “يسير نحو ما استعدت له القوات المسلحة الإيرانية منذ مدة”.

وقال عراقجي إن الحرب التي دفع إليها الرئيس الأميركي كلفت الجيش الأميركي حتى الآن نحو مئة مليار دولار إضافة إلى أرواح جنود، معتبراً أن هذه “حرب اختيارية تدفع بها دائرة صغيرة من أنصار إسرائيل أولاً”.

اختلاف عن موقف بزشكيان

بالتوازي مع الانتقادات التي طالت موقف بزشكيان، أصدر مقر خاتم الأنبياء المركزي – وهو أعلى هيئة للقيادة العملياتية في الجيش الإيراني – بيان مرتفع السقف لا يظهر فيه أي تراجع عن مسار العمل العسكري الإيراني الذي تشهده المنطقة خلال الأيام الماضية.

وأكد المقر أن القوات المسلحة الإيرانية تحترم سيادة الدول المجاورة ولم تعتد عليها حتى الآن، لكنه أضاف أن كل القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية في البر والبحر والجو في المنطقة ستبقى أهدافاً رئيسية إذا استُخدمت ضد إيران.

وقال المتحدث باسم المقر إن إيران “لم تتعرض حتى الآن للمصالح الوطنية وسيادة الدول المجاورة”، مضيفاً: “نقول بصراحة إننا ضربنا الولايات المتحدة والكيان الصهيوني”.

وأكد البيان أن “نقاط الانطلاق للهجوم على إيران ستكون أهدافاً مشروعة”، مشيراً إلى أن الدول التي لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها للهجوم على إيران “لم تكن هدفاً حتى الآن ولن تكون هدفاً”.

من جهته، قال غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة الانتقالي في إيران، إن طهران ستواصل مهاجمة “نقاط العدوان” في دول الجوار، متهّما بعضها بوضع مقدّراتها في تصرّف “العدو”، في ظل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية.

وأورد رئيس السلطة القضائية “تظهر الأدلة في حوزة القوات المسلحة الإيرانية أن جغرافيا بعض الدول في المنطقة هي في تصرّف العدو في السر والعلن، ويتم استخدام هذه النقاط في العدوان على بلادنا”.

وأضاف: “الهجمات القوية على هذه الأهداف ستتواصل، وهذه هي الاستراتيجية المعتمدة حاليا، والحكومة والأركان الأخرى لنظام الحكم مُجمعة (على ذلك)”.

كذلك توعد رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف أن “الدول لن ترى الاستقرار، طالما أن القواعد الأميركية موجودة في المنطقة”، أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني فحذر  دول المنطقة بالقول “إما أن تمنعوا استخدام أراضيكم من قبل الولايات المتحدة ضد إيران، أو سنمنع ذلك نحن”.

وأشار إلى أن “دولتين في المنطقة قالتا إنهما ستمنعان الهجمات الأميركية من أراضيهما، ونحن ننتظر لنرى، وإذا فعلتا ذلك فلن تكون لدينا مشكلة معهما”. وأكد لاريجاني أن “استهداف القواعد الأميركية في المنطقة سيبقى سياسة ثابتة”.

هجمات لم تتوقف


على المستوى الميداني، أظهرت الهجمات الإيرانية خلال الساعات الأولى التي أعقبت خطاب بزشكيان أن موقف طهران لم يشهد تغييراً عملياً.

فقد أعلنت الإمارات رصد 16 صاروخاً باليستياً و121 طائرة مسيّرة إيرانية، فيما أعلنت وزارة الدفاع السعودية سقوط صاروخ باليستي في منطقة غير مأهولة قرب قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج.

كما أكدت الوزارة اعتراض طائرة مسيّرة في منطقة الربع الخالي كانت متجهة نحو حقل شيبة.

وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الدفاع القطرية تعرض البلاد لهجمات بـ 10 صواريخ باليستية وصاروخين من نوع كروز خلال يوم السبت.

أما وزارة الدفاع البحرينية فأعلنت اعتراض وتدمير 86 صاروخاً و148 طائرة مسيّرة استهدفت أراضي المملكة.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني في بيانات منفصلة خلال اليوم استهداف القواعد الأميركية في الظفرة بالإمارات، والعديد في قطر، وقوات أميركية في ميناء سلمان في البحرين وغيرها من المواقع.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: