الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة3 مارس 2026 15:47
للمشاركة:

علي رضا أعرافي.. من هو ثالث أعضاء مجلس القيادة في لحظة إيران المفصلية؟

لم يكن اسم علي رضا أعرافي متداولًا على نطاق واسع خارج الدوائر الحوزوية والسياسية الضيقة في إيران، إلى أن جاء اختياره عضوًا في مجلس القيادة المؤقت للجمهورية الإسلامية.

هذه الخطوة جاءت تطبيقًا للمادة 111 من الدستور الإيراني التي تنص على تشكيل مجلس يتولى مهام القيادة مؤقتًا عند شغور منصب القائد الأعلى، إلى حين انتخاب قائد جديد من قبل مجلس خبراء القيادة.

فجأة، وجد رجل الدين الإداري نفسه في موقع دستوري بالغ الحساسية، داخل البنية الأعلى للسلطة، وفي لحظة انتقالية دقيقة قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في إيران، بعد اغتيال القائد الأعلى علي خامنئي.

هذا التطور لم يصنع أعرافي من العدم، بل كشف مسارًا طويلًا لرجل تدرّج بهدوء داخل مؤسسات النظام، بعيدًا عن الضجيج السياسي، لكنه ظل حاضرًا في مفاصل القرار الديني والثقافي. فمن هو علي رضا أعرافي؟

انخراط مبكر في الثورة ضد الشاه

وُلد أعرافي عام 1959 في مدينة ميبد بمحافظة يزد، في قلب بيئة دينية محافظة. والده، آية الله محمد إبراهيم أعرافي، كان من رجال الدين المقربين من مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، وشارك في النشاط الديني المعارض لنظام الشاه.

يُنسب إليه دور في تحويل مدينة ميبُد إلى مركز نشاط ثوري قبل عام 1979، من خلال إقامة صلاة الجمعة وتكثيف الحضور الديني المعارض. أما والدته فهي ابنة آية الله الشيخ كاظم ملك أفضلي، أحد علماء أردكان، ما يعني أنه نشأ داخل عائلة تتقاطع فيها المرجعية الدينية مع الالتزام السياسي المبكر بالثورة.

في سن الحادية عشرة، انتقل إلى قم ليلتحق بالحوزة العلمية، تاركًا التعليم المدرسي التقليدي. لم يكن هذا التحول مجرد خيار دراسي، بل انخراطًا مبكرًا في بنية المؤسسة الدينية التي تشكل العمود الفقري للنظام الإيراني.

أنهى مراحل “المقدمات” و”السطوح” قبل عام 1977، ثم دخل مرحلة البحث الخارج، وبدأ التدريس في الثانية والعشرين من عمره. وتشير سيرته إلى أنه سُجن في السادسة عشرة بسبب نشاطه المعارض قبل الثورة، ما يعكس انخراطه المبكر في الحراك السياسي الديني.

تحول بارز في مسيرته

تكوينه العلمي جرى على أيدي عدد من كبار مراجع الحوزة في قم، من بينهم مرتضى حائري يزدي، فاضل لنكراني، وحيد الخراساني، جواد التبريزي، ناصر مكارم شيرازي، عبد الله جوادي الآملي، محمد تقي مصباح يزدي، حسن زاده آملي، ومرتضى مطهري. هذا المسار وضعه في قلب المدرسة الفقهية والفلسفية الشيعية المعاصرة.

وإلى جانب الفقه، درس الفلسفة الإسلامية والحكمة، وأبدى اهتمامًا بالرياضيات وبعض الفلسفات الغربية، ويجيد العربية والإنجليزية، ما ساعده لاحقًا في الانفتاح على الدوائر الدولية.

لكن التحول الأبرز في مسيرته لم يكن فقهيًا بقدر ما كان مؤسساتيًا. ففي عام 2001 تولى إدارة “مركز العلوم الإسلامية العالمي” المعني بشؤون الطلبة الأجانب، ثم اقترح دمج المؤسسات المتفرقة التي تشرف على الطلاب غير الإيرانيين، ما أدى إلى تأسيس جامعة المصطفى العالمية عام 2008 بترخيص رسمي من المجلس الأعلى للثورة الثقافية ووزارة العلوم.

في عهده، تحولت الجامعة إلى شبكة تعليمية عابرة للحدود، استقطبت طلابًا من أكثر من 130 دولة، وأقامت فروعًا ومراكز في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، من مانشستر إلى نيويورك، ومن مدغشقر إلى كوستاريكا.

وفق تقارير إعلامية فارسية، تُعد الجامعة إحدى أدوات “الدبلوماسية الدينية” الإيرانية في الخارج. قد صرّح أعرافي عام 2017 بأن المؤسسة أسهمت في نشر التشيّع عالميًا، متحدثًا عن أرقام كبيرة للمتخرجين والمتأثرين، وهي أرقام اعتبرها بعض المراقبين مبالغًا فيها، لكنها تكشف طموح المشروع الذي قاده.

اهتمام بالقارة الأفريقية

أولى أعرافي اهتمامًا خاصًا بالقارة الأفريقية، واعتبرها “عمقًا استراتيجيًا للفكر الإسلامي”، مشيرًا إلى حضور المؤسسة في نحو 30 دولة أفريقية. هذا الخطاب لا يعكس بعدًا دعويًا فحسب، بل رؤية جيوسياسية تتقاطع مع سياسة إيران في توسيع نفوذها عبر أدوات ثقافية وتعليمية، لا عسكرية فقط.

نجاحه الإداري مهّد لصعوده داخل هرم السلطة. عُيّن إمامًا لجمعة قم عام 2014، ثم مديرًا للحوزات العلمية في إيران عام 2016، وهو منصب يضعه على رأس البنية الإدارية للحوزة في البلاد.

في 24 تموز/يوليو 2019، عُيّن عضوًا فقيهًا في مجلس صيانة الدستور خلفًا لآية الله محمد مؤمن، ما عزز موقعه في قلب المؤسسة الدستورية. كما يشغل عضوية مجلس خبراء القيادة والمجلس الأعلى للثورة الثقافية. وكان قد ترشح لانتخابات مجلس خبراء القيادة عن طهران عام 2016 من دون أن ينجح، رغم حصوله على نسبة معتبرة من الأصوات.

مواقف متشددة

سياسيًا، يتبنى أعرافي مواقف متشددة تنسجم مع الخط المحافظ في القيادة الإيرانية. يعتبر الولايات المتحدة العدو الرئيسي، ويرى في “محور المقاومة” ضرورة استراتيجية، وعارض اتفاقية مجموعة العمل المالي FATF، معتبرًا أنها تستهدف “شرايين المقاومة”.

وصف احتجاجات 2009 بأنها “فتنة”، واتهم قادتها بخدمة أجندات خارجية، كما صرّح بأن إسرائيل إلى زوال خلال العقود المقبلة. وفي خطاباته، يؤكد دائمًا أن الحل يكمن في “الوحدة تحت قيادة القائد الأعلى”.

لكن فهم موقع أعرافي يتطلب قراءة أعمق من مجرد رصد مواقفه السياسية. فهو ليس رجل خطابة جماهيرية ولا قائد تيار سياسي صدامي، بل ينتمي إلى ما يمكن وصفه بـ”التيار المحافظ المؤسسي” داخل النظام.

هو ابن الحوزة إداريًا بقدر ما هو فقيه علميًا. نشأته في عائلة دينية مرتبطة بالثورة، وتكوينه داخل قم، ثم صعوده عبر مؤسسات التعليم الديني والإدارة الحوزوية، جعلته جزءًا من النواة الصلبة للنظام، لا من هوامشه.

من هنا تكتسب دلالة اختياره من بين فقهاء مجلس صيانة الدستور أهمية خاصة. فالمجلس يتكوّن من 12 عضوًا، ستة فقهاء يعينهم المرشد الأعلى، وستة آخرين ينتخبهم البرلمان من بين مرشحين يقدّمهم رئيس السلطة القضائية.

اختيار أعرافي ضمن مجلس القيادة المؤقت يعكس تفضيل شخصية تجمع بين ثلاثة عناصر: الولاء الأيديولوجي الواضح، الخبرة الإدارية الطويلة، والقدرة على تمثيل الحوزة بوصفها مرجعية تمنح النظام شرعية دينية.

اليوم، مع دخوله مجلس القيادة المؤقت، لا يُقرأ اسم علي رضا أعرافي كاسم عابر في لحظة إجرائية، بل كجزء من معادلة أكبر تتعلق بمستقبل القيادة في الجمهورية الإسلامية.

مسيرته التي بدأت من صفوف الحوزة في قم، مرورًا بإدارة أكبر مؤسسة تعليم ديني دولية لإيران، وصولًا إلى عضوية مجلس صيانة الدستور، انتهت به في قلب المرحلة الانتقالية.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: