عندما تبدأ الحرب: حسابات أميركا الخاطئة في إيران
عندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا عام 2022، قلة فقط كانوا قد سمعوا عن المسيرة الإيرانية شاهد ١٣٦. لم يسمع عنها العالم إلا بعدما علا صوت المئات منها وهي تستخدم كأداة إغراق غير مكلفة في حرب طويلة. قوة شاهد ليست في دقتها، إنما في استمراريتها واحيانا في عشوائيتها، إلى درجة أنها كانت ولا تزال توصف بالموت الطائر وصوته المزعج.
بالنسبة للدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة، تخطت إيران حدودها عندما زودت روسيا بآلاف من هذه المسيرات، هذا ما اخبرني إياه أكثر من دبلوماسي غربي في دردشات خلال بحث المفاوضات النووية عام 2022. أما بالنسبة لإيران، فقد ساعدها الأمر في تحويل الحرب الروسية الأوكرانية إلى مختبر لتطوير هذا السلاح، لا سيما مع التحديثات التي قامت بها روسيا بناء على التجربة اليومية، وهذا ما جعل هذه المسيرات تتخطى حدها السابق بالتحليق حتى حدود كييف ما جعلها في العام الحالي تُسمع بانزعاج وسط العاصمة الأوكرانية.
كانت الرسالة واضحة: إيران بدأت تخوض نوعًا جديدًا من الحروب، يركّز على الصمود بدل السيطرة. وخلال المواجهات المتعددة بين إيران وإسرائيل في العامين الماضيين، أثبت هذا النهج فعاليته؛ إذ تمكّنت إيران من إغراق عدة طبقات من أنظمة اعتراض الصواريخ باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ أقل تطورًا، ما أتاح للصواريخ الأكبر إصابة أهدافها.
على الضفة الأخرى من العالم، تضاعف الولايات المتحدة الأميركية من حشدها العسكري حول إيران بالتزامن مع جهد دبلوماسي لا يبدو حتى اللحظة متجها نحو خاتمة مرضية. مشهد يعيدنا بالذاكرة إلى حزيران من العام 2025، عندما شنت إسرائيل حربها الأخيرة على إيران.
بدأت الحرب، بينما كانت واشنطن وطهران تستعدان لجولة جديدة من المفاوضات، بالنسبة لإيران كانت المعادلة:
صفر أسلحة نووية يساوي لدينا اتفاق
تخصيب صفري يساوي لا يوجد إتفاق
أما الولايات المتحدة فهي جاءت بهدف تصفير التخصيب لضمان تصفير امكانية حصول إيران على سلاح نووي.
اللغة كانت مختلفة، والفجوة كبيرة.
حتى اللحظة لا يبدو أن أصل التفاوض تغيّر، ولذلك فطاولة المفاوضات مهتزة، بينما إيران تحت ما يشبه حصار عسكري وحشد غير مسبوق، لا تزال تسعى لإيجاد مخرج مشرّف يعيد عقارب الساعة قليلا إلى الخلف.
في طهران لا زالوا يقولون إن اتفاقا نوويا قد ينقذهم من الحرب، هو ذاته الكلام الإيراني في عشية ١٣ حزيران يونيو ٢٠٢٥ عندما اشتعلت الحرب. أما الولايات المتحدة، فهي وكما قال الرئيس دونالد ترامب، تعطي إيران مهلة أيام للتوصل لإتفاق، الخيار الآخر هو الحرب.
خيارات الحرب متعددة، لكن النقاش في واشنطن حاليا لا يزال في إمكانية الضربة المحدودة التي يمكن أن تجبر إيران على قبول الاتفاق، والتي يمكن أن تبقى محدودة.
لكن هذه الفكرة قد تستند إلى افتراض خاطئ.
فالحروب في العادة تبدأ بخطة، لكن كما يقول الملاكم الأميركي مايك تايسون: “الجميع لديه خطة، إلى أن يتلقى اللكمة الأولى في فمه”. بعدها لا أحد يعلم كيف تسير الأمور، بالتالي لا شيء يبقى محدوداً إلا عندما يرغب الطرفان في ذلك. ويبدو اليوم أن هذا الإجماع على الإحتواء غير متوفر.
في الأيام الأخيرة، وخارج سياق الضخ الإعلامي حول اتخاذ القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي اجراءات أمنية صارمة، ظهر في اكثر من مناسبة مستخدما لغة المواجهة من منظور كربلائي.
بالنسبة للغرب، قد تبدو هذه الإشارات رمزية. أما في الوعي السياسي الإسلامي الشيعي، فكربلاء تمثل أسمى صور المواجهة بين الحق والباطل، الذي يتحدى المنطق الأميركي القائم على الرد المتناسب والدبلوماسية الجبرية.
ومن خلال استحضار طغاة تاريخيين مثل يزيد وفرعون ونمرود، يوضح القائد الإيراني أن شرعية الجمهورية الإسلامية تقوم بشكل متزايد على المواجهة لا الاستسلام. وفي هذا السياق، لن تُفهم الضربة المحدودة كإشارة قوة محسوبة، بل كهجوم يتطلب ردًا للحفاظ على الشرعية الأخلاقية. وعلى عكس هجمات سابقة، فإن ردًا لحفظ ماء الوجه هذه المرة قد يزيد الأمور سوءًا، خاصة إذا تلاه تفاوض غير متكافئ.
بالنسبة لواشنطن، الضغط العسكري هو وسيلةً لتحقيق اتفاق ينهي من بعده كل الحروب، هكذا يعبّر ترامب في أكثر من مناسبة. ولعله بذلك لا يقرأ المشهد جيدا من زاوية الرؤية الإيرانية. فطهران باتت تواجه سؤال المشروعية الثورية والبقاء، أي أنها اليوم أكثر من أي يوم مضى أمام لحظة فارقة، إما الخضوع والسقوط، أو الدخول في معركة مكلفة لكن تحمل في مخاطرها فرصة فرض أمر واقع جديد في المنطقة. الواضح أن الطرفين يتحدثان بلغتين استراتيجيتين مختلفتين تمامًا.
اعتمدت الاستراتيجية العسكرية الأميركية مؤخرًا على القوة المحسوبة والضربات العقابية بهدف استعادة الردع دون تصعيد الصراع. وقد عززت العمليات السابقة في فنزويلا وسوريا الثقة بإمكانية إدارة التصعيد عبر الدقة والرسائل الواضحة.
لكن إيران تمثل بيئة استراتيجية مختلفة.
قبل قرنين ونيف، وصف كارل فون كلاوزفيتز الحرب بأنها نشاط يتسم بالاحتكاك، أي ذلك التراكم التدريجي للغموض والاضطراب الذي يحوّل أبسط الخطط إلى مسارات معقدة ونتائج غير متوقعة. وعندما يبدأ التصعيد تحت مظلة تهديد وجودي، تتلاشى الحدود التي يفترض أنها تضبطه، ويصبح مساره أكثر سيولة وانفلاتاً
وإيران، بطبيعة الحال، ليست تنظيما مسلحا يمكن القضاء عليها بضربة واحدة، مهما كانت الحملة الجوية قاسية، إنما دولة كبيرة ذات قدرات منتشرة على نطاق واسع، ما يجعل التحكم بالتصعيد أمرًا صعبًا. وهي جهزت قدرتها المتوسعة بناء على هذه الفكرة.
وهنا تحديدًا تظهر خصوصية الحالة الإيرانية. فاستراتيجية طهران العسكرية لا تقوم على التفوق التكنولوجي أو الضربات الدقيقة بقدر ما تعتمد على الاستنزاف والمثابرة. برنامج طائرات “شاهد” المسيّرة، إلى جانب ترسانة الصواريخ يعكس هذا المنطق بوضوح، حيث تكمن القوة في القدرة على الاستمرار والتكرار وإغراق الخصم، لا في دقة الإصابة وحدها. ويكتمل هذا النهج عبر أدوات ضغط موازية، من الجغرافيا البحرية الحساسة في الخليج إلى شبكة الحلفاء المنتشرة في الإقليم، بما يعزز مفهوم “التصعيد الأفقي”، أي توسيع مسرح الصراع بدل تركيزه في جبهة واحدة قابلة للاحتواء.
الإقليم نفسه يشكّل أحد أهم هذه المسارح. صحيح أن شبكة حلفاء إيران تعرضت لانتكاسات ملموسة خلال الحرب الأخيرة، إذ تلقى حزب الله في لبنان ضربات قاسية في مواجهة 2024 مع إسرائيل، فيما تواجه الفصائل العراقية ضغوطًا داخلية متزايدة حدّت من هامش حركتها، الأمر الذي قيّد بدوره قدرة إيران على المناورة الإقليمية. من زاوية واشنطن، قد يبدو هذا التراجع مؤشراً مطمئناً على تراجع الخطر. غير أن منطق الردع لا يعمل بهذه البساطة، فالفاعلون الأضعف ليسوا بالضرورة أكثر حذرًا؛ بل قد يصبحون أقل التزامًا بضبط النفس عندما يشعرون بأن وجودهم ذاته بات موضع تهديد.
في حرب 2024، اتسم سلوك حزب الله وغيره من حلفاء إيران بدرجة محسوبة من الانضباط. كان ذلك نتيجة مزيج من الحذر والرهان على إمكانية أن تنجح الدبلوماسية في احتواء التصعيد. لكن المشهد يختلف جذريًا إذا تحوّل الصراع إلى ما يُفسَّر في طهران كتهديد وجودي أو محاولة لتغيير النظام. عندها تتغير الحسابات لا تدريجيًا بل دفعة واحدة.
بالنسبة لحزب الله، الذي يرتبط وجوده السياسي والعقائدي بسياق الثورة الإسلامية، فإن سقوط الجمهورية الإسلامية لن يُقرأ كتحول جيوسياسي بعيد، بل كتهديد مباشر لهويته ودوره. في مثل هذا السيناريو، قد يتحول ضبط النفس الذي حكم سلوكه سابقًا إلى اندفاع نحو مواجهة شاملة، ليس فقط اثباتا للوجود، بل بوصفها معركة دفاع عن البقاء. وينطبق منطق مشابه على جماعات عراقية مثل كتائب حزب الله، التي قد ترى في التصعيد وسيلة لإعادة تعريف موقعها داخل معادلة إقليمية متغيرة.
أما الحوثيون في اليمن، فرغم امتلاكهم حساباتهم المحلية الخاصة، فقد أظهرت عملياتهم البحرية خلال حرب غزة استعدادًا لتوسيع نطاق الصراع خارج حدودهم المباشرة تحت مظلة تضامن أيديولوجي عابر للجغرافيا. وهذا النمط من السلوك يفتح الباب أمام دينامية مختلفة للحرب، حيث لا يتطور النزاع كحرب إقليمية واحدة متماسكة، بل كسلسلة مواجهات مترابطة جزئيًا، تتوزع عبر جبهات متعددة وتتحرك وفق إيقاعات مختلفة.
والنتيجة المحتملة ليست انفجارًا واحدًا كبيرًا، بل تصعيدًا أفقيًا متدرجًا، تنتشر فيه نقاط الاشتباك عبر الإقليم، بحيث يصبح احتواء الصراع أكثر صعوبة، لأن الحرب لا تبقى محصورة في مركز واحد يمكن التحكم به، بل تتحول إلى شبكة أزمات متزامنة تتغذى من بعضها البعض.
لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بكيفية اندلاع الحرب، بل بما قد تفترضه واشنطن عن نهايتها. ماذا لو أدّت ضربة أميركية إلى تغيير داخل طهران؟ وماذا لو بُنيت الحسابات على فرضية أن إيران، تحت ضغط عسكري مباشر، قد تختار الاستسلام أو القبول بشروط جديدة؟
هذا الافتراض يتكرر في كثير من القراءات الغربية التي تميل إلى اختزال صلابة النظام الإيراني في شخص القائد الأعلى أو في نفوذ الحرس الثوري. غير أن بنية الجمهورية الإسلامية أكثر تعقيدًا وتماسكًا مما توحي به هذه المقاربة. فالقوة الحقيقية للنظام لا تستند إلى مركز واحد يمكن كسره، بل إلى شبكة مؤسسات متداخلة صُممت أصلًا لضمان الاستمرارية في ظروف الأزمات.
داخل مجلس الخبراء، الهيئة الدستورية المخوّلة اختيار القائد الأعلى، جرى خلال السنوات الماضية تشكيل كتلة متجانسة أيديولوجيًا تستعد لمرحلة ما بعد علي خامنئي. هذه العملية لم تكن رد فعل طارئًا، بل مسارًا طويلًا من إعادة هندسة التوازنات الداخلية، امتد من المؤسسات الدينية إلى البنى السياسية والأمنية التي تتقاطع جميعها عند درجة عالية من الشك تجاه الغرب. وبعد حرب يونيو 2025، وهي اللحظة التي كشفت للنظام حدود الردع التقليدي كما أظهرت هشاشة البيئة الإقليمية المحيطة به، تسارعت هذه التحضيرات بدل أن تتراجع.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية. فإذا افترضت واشنطن أن الضربة العسكرية قد تُضعف التيار المتشدد أو تُحدث انقسامًا داخليًا، فقد تكون النتيجة العكس تمامًا. فالضغط الخارجي، خصوصًا عندما يُقرأ في طهران كتهديد وجودي، يميل تاريخيًا إلى تقليص الخلافات الداخلية وتسريع التماسك حول قيادة زمن الحرب. بدل إضعاف النظام، قد تدفع الضربة إلى تسريع انتقال السلطة ضمن إطار أكثر انغلاقًا وأشد أيديولوجية، أي إلى نظام ما بعد خامنئي أكثر صلابة وأقل قابلية للتنبؤ من النظام الحالي.
مجددا نعود إلى كلاوزفيتز الذي كتب يوما، “كل شيء في الحرب بسيط، لكن أبسط الأشياء صعب.” على خرائط التخطيط في واشنطن، قد تبدو الضربة على مواقع صاروخية فعلًا مضبوطًة تحمل رسالة ضغط قابلة للابتلاع. لكن في سياق السياسة والأيديولوجيا في الشرق الأوسط، تبدأ الحدود في التلاشي بمجرد بدء التصعيد.
وعندما تبدأ الحروب بهذه الطريقة، نادرًا ما تبقى محدودة لفترة طويلة.

