طهران وواشنطن: خطر الثقة المفرطة في فهم الآخر
كان مساءً نمساويًّا باردًا، حين ألقى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين خطابه الشهير حول حربه على أوكرانيا. إنّه الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2022، فيينا، حيث كنت حاضرًا لتغطية المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة الخمسة من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى. كل المؤشرات كانت تدل على أن اتفاقا حول الملف النووي بات وشيكًا. أخبرني بذلك منسقو الإتحاد الأوروبي، وكذلك أعضاء من الوفد المفاوض الإيراني.
لكن الحرب في أوكرانيا بدأت، و مات الاتفاق النووي قبل أن يولد.
قدّر مستشارو الوفد الإيراني أن العالم بعد حرب أوكرانيا لن يكون كما كان من قبل، ونقلوا هذا التقدير لقيادتهم.
هذه الصورة القاتمة، جعلت من الجملة المفتاحية في مسلسل “صراع العروش”، التي تقول فيها الشخصيات الأساسية: “الشتاء قادم”، عبارة ردّدها جزء من الإيرانيّين. لاحقًا، بدا واضحا أنّ الشتاء مرّ من دون أن يكون الرهان صحيحًا. كان التعويل على أن تؤدي هذه الحرب إلى أزمة طاقة في أوروبا فاشلًا. لم تشعر أوروبا بالبرد القارس.
التقدير الرغبويّ حرم طهران حينها من اتفاق كان بالامكان الاستفادة منه لرفع العقوبات ولو نسبيا، في فترة رئاسة بايدن. لم تعمل مجسّات طهران كما يجب، وربما عملت كما تمّت برمجتها لا كما هي الحاجة إليها في فهم الوقائع.
أزمة التقدير لا تبدو مسألة عرضية لدى منظومة الحكم الإيرانيّة. ظهر ذلك أيضًا عشية الحرب التي خاضتها إسرائيل عليها. حينذاك، وقعت في فخ سوء التقدير كرةً أخرى.
قدّر القادة الإيرانيّون، بناء على مجموعة معطيات دبلوماسية، بأن إسرائيل لن تضرب فجر الجمعة 13 حزيران/ يونيو 2025 بل بعد انتهاء الجولة التفاوضية السادسة المقررة الأحد في مسقط. وقدّرت القوات المسلحة أن القصف لن يطال العاصمة، إنما المواقع النووية. لكن طهران استفاقت فجرا على حملة جوية وعمليات بالمسيرات من الداخل، أدت إلى اغتيال غالبية الطبقة الأولى والقيادية في القوات المسلحة. استمرت الحرب أكثر من أسبوع، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويرسل طائرات بلاده لقصف المواقع النووية بهدف تدميرها.
الصاعق في المشهد أن الإيرانيين لم يخرجوا مسبقا كمية اليورانيوم المخصب على ستين درجة من المفاعلات، أو على الأقل هذا ما يقوله المسؤولون هناك. بالتالي هم لم يقدروا أيضا ان ترامب سيدخل الحرب، لكنه دخل.
انتهت المعركة، أو الحرب، بوقف إطلاق نار تلا قصفا صوريًّا لقاعدة العيديد في قطر، وقدرّت طهران حينها أنه بامكانها العودة إلى خطاب ما قبل الحرب في ما يتعلق بالمفاوضات. الفارق هنا، أن الحرب وقعت، التخصيب بات صفراً بحكم الأمر الواقع الجديد، المفاعلات النووية الرئيسة معطلة، والأهم، كل أوراق القوة الإيرانية في النووي وغيره باتت معطلة.
جغرافيًّا وسياسيًّا، سقطت سورية من حسابات إيران بسقوط نظام بشار الأسد، حزب الله وحماس فقدا القدرة على الدفاع عن نفسيهما، العراق تحول سريعًا، وباختصار المنطقة لم تعد كما كانت قبل حرب غزة حيث لم يعد لدى إيران أوراق القوة التي كانت حاضرة معها على طاولة المفاوضات السابقة. لكنها في الأن ذاته تتصرف وكأن العالم لم يتغير.
اليوم، القراءة الإيرانية للحشد الأميركي المتزايد، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب إرسال حاملة طائرات ثانية، تخلص إلى أن أميركا ليست هنا لتحارب، بل للتفاوض. الرأي السائد في طهران، يقول إن صفقة نووية متكاملة يمكن أن تؤدي إلى احتواء المشهد، من دون الانجرار إلى التصعيد. لكن هذا لا يعني أن إيران لا تستعد للحرب. المشكلة فقط في القناعة الكاملة لدى صانع القرار الإيراني بأن أميركا تريد تسوية نووية، رغم التكرار اليومي لترامب بأنه يريد حسما لما وصفه بالتهديد الباليستي الإيراني ولنفوذها في المنطقة.
دبلوماسي إقليمي مطّلع على مسارات الوساطة الجارية يختصر القلق السائد لدى الوسطاء بالقول إن المنطقة كانت على بعد أسابيع قليلة فقط من الانزلاق إلى الحرب، لولا تدخلات إقليمية مكثفة نجحت في احتواء التصعيد مؤقتا. غير أن ما يثير قلقه، بحسب تعبيره، هو استمرار سوء فهم إيراني لطبيعة الإدارة الأميركية الحالية. فهذه، برأيه، ليست إدارة تقليدية تعمل وفق الإيقاع المؤسساتي المعروف أو وفق جداول تفاوض طويلة ومفتوحة. ترامب، كما يقول، يبحث عن انتصارات سريعة ومرئية، والصبر ليس جزءا من غريزته الاستراتيجية. ولذلك فإن أي افتراض داخل إيران بإمكانية إطالة أمد المفاوضات أو تأجيلها تكتيكيا حتى الانتخابات النصفية الأميركية بهدف تحسين شروط التفاوض لاحقا، قد يشكل خطأ في الحسابات، لأن صبر ترامب قد ينفد قبل الوصول إلى تلك المرحلة. ومن هنا، فإن الانخراط مع واشنطن، وفق هذا التقييم، يتطلب التكيف مع منطق اتخاذ القرار داخل الإدارة الحالية، لا التعامل معها بوصفها امتدادا للرئاسات الأميركية التقليدية.
هذه الفجوة في فهم اللحظة لا يراها الوسطاء فقط، بل يعترف بها أيضا بعض من كانوا داخل النظام الإيراني نفسه. مسؤول إيراني سابق يقول إن المؤسسة الحاكمة ما تزال أسيرة نموذج عام 2015، إذ إن كل ما تستطيع التفكير به يستند إلى أفكار وتجارب الماضي. لكن، بحسب تعبيره، فإن الظروف التي تلاقت آنذاك كانت استثنائية وغير قابلة للتكرار، سواء داخل الولايات المتحدة أو داخل إيران. فالاتفاق النووي لم يكن نتيجة مسار تفاوضي عادي، بل نتاج توازنات سياسية نادرة تزامنت في لحظة واحدة. أما اليوم، ومع إصرار واشنطن على إدراج الملف الصاروخي ضمن أي تفاوض جديد، فإن الوصول إلى اتفاق شامل لم يعد أمرا واضحا أو مضمونا كما كان يُعتقد.
وحتى مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ولقائه بترامب، لم تتعد نقاشات علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في زيارتيه لمسقط والدوحة الملف النووي. باختصار هم لا يصدقّون أن ترامب مستعد لدخول حرب طويلة معهم، لأن المنطقة طبقا لحساباتهم لن تحتمل الرشقات اليومية من الصواريخ التي ستشل الشرق الأوسط من الخليج إلى البحر المتوسط. لا يعوّل الإيرانيون على ذلك من فراغ، فهم يستندون للخلاصات الي استقوها من اختبار قدراتهم في السابق خلال حرب الـ١٢ يوما، كما أنهم يهددون أن بإمكانهم مواجهة الحرب بالفوضى الشاملة. لكن، بناء على ردود الفعل الإيرانية السابقة، السؤال يبقى: هل تتخذ إيران قرار الفوضى الشاملة في المنطقة؟ أو هل تتخذه قبل أن تُسحب من يديها صواعق التفجير؟ ربما هذه هي الفجوة في قراءة الآخر لدى كل من الإيرانيين والأميركيين. كلاهما اختبر الآخر طويلا، حتى ظن أنه يملك مفاتيحه، لكنّ مساحة المجهول غير الخاضعة للتقدير، على محدوديتها، تبدو كفيلة بكتابة تاريخ آخر للمنطقة وربما للعالم.
وبينما تزدحم مياه الخليج وبحر عمان بالقطع البحرية الأميركية، وتعيد إيران تذخير ترسانتها الصاروخية على وقع المبادرات الدبلوماسية، تبدو الجبهة الداخلية الإيرانية بدورها لاعبا رئيسيا في المواجهة. في ذكرى الثورة السابعة والأربعين كان الإصرار كبيرا على تعزيز صورة التضامن الشعبي والالتفاف حول النظام في مواجهة الخطر الخارجي. لكن الخطر هذا لم يعد يشخص داخليا فقط عبر احتمالية الحرب أو العقوبات أو استراتيجيات الضغط القصوى. قبل أسابيع فقط تحولت شوارع طهران إلى ساحة معركة بين متظاهرين مطالبين باسقاط النظام وبين قوات الأمن. ليومين على الأقل دخلت البلاد في ثقب أسود الكترونيًّا، ولم يكن بالإمكان استخدام الإنترنت الذي لا يزال محدودا إلى اللحظة، ولا يمكن الولوج عبره للإنترنت العالمي، إلا من خلال تطبيقات كسر الحجب التي بشكل غريب أصبحت متوفرة بمبلغ زهيد لا يتجاوز الدولارين لعشرات الجيغابيتات، ومن دون أي رقابة على بيعها.
في الشارع الإيراني حديث الحرب يكاد يكون الأكثر تداولا بعد السؤال الأول الصباحي عن سعر العملة المحلية، الريال او التومان، مقابل الدولار. ثم يأتي حديث الحرب، تأتي الأسئلة الكبرى، والافتراضات، والمخاوف، والآمال. في الشارع شوارع عديدة، وهذا ليس غريبا على إيران التي تحترف التمرد على كل شيء.
هناك العقائدي الذي لديه مصاعب مالية، ويعترض على الظروف الحالية، لكنه لا يستطيع أن يفصل بين الإحتجاج على النظام وبين الحرب الخارجية. أي اعتراض في مساحة الرفض السياسي هو تماه مع الغرب ومواجهته تحت عنوان الدفاع المقدس. بين هؤلاء من هم غير متدنيين بالمعنى الطقسي والروحي، لكنهم ينتمون إلى الجماعة ذات الثقافة الشيعية، يؤمنون بالنظام، أو على الأقل يعتقدون أن هذا النظام له مشروعية عميقة تتلخص في كونه نظام نائب الإمام المهدي. ليس هذا بتفصيل في نظرة هؤلاء، لأنه يجعلهم مستعدين للقتال من أجله وإراقة الدماء، لأن سقوطه بالنسبة إليهم هو سقوط لدولة الإمام الغائب.
كما أن بين الناس شريحة ممن لا تريد شيئا سوى الإستقرار. فليهدأ الدولار ونعود إلى الحياة الطبيعية. هؤلاء يمثلون حالة تخاف من تقسيم البلاد، ومن استيراد النماذج الخارجية، يشاهدون القنوات الخارجية، لديهم اعتراضات، لكنهم يقبلون بالحد الأدنى لأنهم يشعرون في داخلهم بأن التهديد القادم يهدد الجغرافيا كما النظام. لكن هذه الشريحة هشة لدرجة يمكن استقطابها باتجاه الأدلجة من خلال التعبئة المستمرة، أو إلى مساحة من يريدون الخلاص بأي ثمن.
هؤلاء تحديدا شرائح عديدة، منهم المسيس والمنتمي لتيارات مناهضة للنظام، ومنهم من يعيش في فقاعته الخاصة وينتظر لحظة الرحيل، ومنهم من كان مؤدلجا وعاش الصدمات حتى وصل إلى هذه المحطة الفاصلة. في الشارع حيث أجريت مقابلات مع المواطنين، فوجئت بإجابات مواطنين عندما سألتهم عن الحرب، قالوا إنهم يريدونها، “لأنها ستنهي هذه الحالة من الموت البطيء الطويل.” هؤلاء يقدمون رأيا منفصلا بدوره عن الواقع، يعتقدون أن أميركا عندما تقصف إيران فهي لن تستهدف الناس، إنما المؤسسات الرسمية والعسكرية، وأنهم بعدها سيحصلون على نظام جديد ودولة تسمح لهم بالعيش كما لو أنهم في دبي. كثر من هؤلاء شبان دون الثلاثين، وبعضهم يناقش بأن الكيّ سيصلح كل شيء. لا مخاوف حقيقيّة لديهم من تكرار النماذج الليبية، والسورية، والعراقية، والأفغانية، بل يذهب بعض هؤلاء إلى القول إن الحرب ولو أدت إلى حرب أهلية، هي أفضل من الحالة التي هم عليها اليوم.
هؤلاء لا يشكلون أغلبية، لكن لصوتهم صخب. ربما في لحظة القصف كما في حالة صيف ٢٠٢٥، يغيرون آرائهم لصالح الدفاع عن البلاد.
أمام هذا التشظي المجتمعي، نعود مجددا إلى النظام ونظرته إلى اللحظة، بينما يكرر ترامب تهديداته باللجوء إلى القوة في حال عدم التوصل إلى تسوية مرضية لأميركا. المشكلة هنا أن التسوية المطروحة أميركيا تمس بضلع أساسي من العقيدة الدفاعية الإيرانية، البرنامج الصاروخي. وإيران تدرك أنها لحظة قبولها بالشروط حول برنامجها الباليستي، في حال تحقق اتفاق نووي، فهي ستصبح عارية أمام أي ضربة لاحقة. ربما هنا تفضل طهران التظاهر بعدم التصديق، لتأجيل اللحظة، رغم أن كثرا من المسؤولين الإيرانيين في محادثات خاصة يقولون إن الأميركيين لن يذهبوا حتى النهاية في تهديداتهم.
لعل منسوب الثقة هنا هو أكثر عامل خطير بالنسبة لإيران. الموقف الأميركي اليوم يعكس ما هو أكثر من ضغط لفرض تسوية نووية. فبعدما وقع في حزيران يونيو ٢٠٢٥ من استهداف للبرنامج النووي وتجميده بالأمر الواقع، كلّ ذلك يجعل منه مدخلا لما كان مستحيلا قبل مدة قصيرة. ولعل توافر عناصر متعددة، كالحضور العسكري، والخرق الاستخباري، والتحولات الإقليمية، يوفّر لأميركا ولحلفائها، ولا سيما إسرائيل، حالة من الإغراء بإمكانية تغيير اتجاه طهران، حتى من دون إسقاط النظام.
ولعل إطالة أمد الضغط، بما يشكله من استنزاف هو بدوره محاولة من واشنطن لفكفكة النظام من الداخل، وفتح كوة تواصل مع جهات يمكنها التأثير في عملية التغيير. لكن هذا ليس بالأمر السهل في ظل نظام متعدد الطبقات، كل مؤسساته تعمل بشكل مواز لبعضها البعض، وتمارس الرقابة على بعضها البعض. وبالتالي فإن هذه الفرضية بهذا الشكل تبدو مستبعدة، وإن لم يكن من شيء مستحيل بعد تجربة فنزويلا.
إلى هذه اللحظة، إيران مقتنعة تماما بأن طاولة المفاوضات ستصنع المخاص الأخير للأزمة، وهناك سيولد الحل، ربما يحدث هذا.
لكن الخطر يكمن في أن إيران من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، تبنيان استراتيجياتهما على الفرضية نفسها: أن الطرف الآخر سيرمش أولاً.
في لعبة حافة الهاوية، المقتل الحقيقي يكمن في اعتقاد كل طرف أنه فهم الآخر أكثر مما ينبغي.

