إيران أمام مكاشفة شيعية عراقية
من أوائل الأسئلة التي وُجّهت إلى المرجع الشيعي السيد علي السيستاني بعد اجتياح عام 2003 عبر صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية كانت عن الدور السياسي الذي يملكه المرجع أو علماء الدين.
وكان جواب السيستاني: “لا نطلب موقعًا في الحكم والسلطة، ونرى ضرورة ابتعاد علماء الدين عن مواقع المسؤوليّات الإدارية والتنفيذية”.
وجاءت تلك الإجابة في لحظة كان فيها الفراغ السياسي يغري مرجعيّات في الداخل والخارج بملء السلطة مباشرة، وقد شكّل رفض مواقع المسؤوليّات الإدارية والتنفيذية إعلانًا مبكرًا عن تجربة النجف التي لا تريد استنساخ نموذج ولاية الفقيه، ولا إنتاج دولة بعمامة، وبذلك أسّست مفهومًا واضحًا لـ “المرجعية الضامنة”، لا “المرجعية الحاكمة”، كمرجعية ليست بديلًا عن الدولة، بل كضامن أخلاقي وديني تدافع عن الانتخابات لا عن الحكومات، وعن الدستور لا عن الأحزاب، وعن السلم الأهلي لا عن الطوائف.
وتكمن المفارقة الكبرى بأنّ هذا النهج الواضح لم يتحوّل إلى ثقافة سياسية راسخة لدى كثير من القوى التي ادعت الانتماء إلى خط النجف، أو صلاحيّتها للتحدث بعنوانه. فبدل أن ينتج هذا المسار سلوكًا سياسيًا منضبطًا بضوابط الدولة، شهدنا العكس، حيث زُجّت العمامة في صراعات الحكم، وتم توظيف العناوين الدينية والرمزية للمرجعية كشرعية جاهزة لتبرير النفوذ وحماية المكاسب، أو تصفية الخصوم في ممارسة لا تخدم الدين ولا الدولة معًا.
ذلك ما انتهى بالمرجعية إلى إغلاق بابها، ومقاطعتها السياسيين والانكفاء إلى موقع النأي بالنفس بعد أن تبيّن أن لا مجيب في نظام سياسي اعتاد السماع من دون الإصغاء.
هل قدّرت إيران موقف النجف؟
لم يكن معيار إيران هو رضى النجف، بل ضمان السيطرة، فالأحزاب الشيعية مهما بلغ فشلها أو فسادها أو تصادمها مع المرجعية، فقد ظلّت بالنسبة لطهران أدوات مجرّبة تعرف كيف تديرها وتضبطها وتستثمر بها، كما أنّ مقاطعة هذه الأحزاب لإيران تعني مخاطرة بفراغ سياسي، والفراغ في العقل الإيراني أخطر من شريك سيّء.
وهدرت إيران خلال أكثر من 20 عامًا من سمعتها، بتمكينها حليفًا مأزومًا في المساحة الشيعية العراقية، ومن دون أي بحث عن بدائل تكون أكثر استقلالًا وأقل قابلية للتوجيه والانقياد. ربما كانت إيران تحترم موقف النجف، لكنها لم تتعامل معه كمرجعية مُلزمة، حتى لو أقرّت في قراءاتها الداخلية بفشل النموذج السياسي الشيعي الذي تتعامل معه، وبأنّ كثيرا من القوى فيه لم تكن وفيّةً فعليًّا لقضيّتها أو لمحورها بقدر تركيزها على امتصاص خزينة الدولة لصالح قصور في الخضراء، ومزارع تضايق دجلة واقتصاديّات تنفق المليارات من الموازنات.
إلا أنّ ذلك كلّه ظل في نظرها أقل كلفةً من تمكّن قوى منسجمة مع النجف، أقل عسكرة وأقل أيديولوجية، وأكثر وطنية واستقلالًا عن أي نفوذ إقليمي ودولي. لقد نظرت إيران للعراق كساحة وأداة للنفوذ، حتى استُهلكت هذه الساحة وتحوّلت كلفتها السياسية والأمنية إلى عبء.
واليوم، وفي ظل التحوّلات الاقليمية والضغوط المتزايدة، يُطرح التساؤل: هل تبدو إيران بحاجة إلى دولة عراقية مستقرّة ومستقلّة أكثر من حاجتها إلى ساحة مفتوحة ؟ وهل أضاعت إيران الفرصة في هذا الإطار؟
نعم، أضاعت إيران الفرصة الثمينة، لكنها ليست الفرصة الأخيرة. كانت هناك فرص ذهبية في السنوات التي أعقبت 2003، حين كان بالإمكان تحويل النفوذ الطبيعي والعلاقة التاريخية مع شيعة العراق إلى رافعة لبناء دولة مستقرّة وناجزة بمؤسّساتها حليفة لا تابعة، قوية لا مليشياوية.
في تلك اللحظة، كان خيار الدولة أكثر استدامةً وانسجامًا حتى مع المصالح الإيرانية بعيدة المدى، لكن بدل ذلك، جرى تفضيل منطق “الساحة”، بأدوات سريعة وولاءات أيديولوجية كانت خياراتها توفّر حضورًا آنيًّا راكم أثمانًا عالية، نفورًا شيعيًا وشعبيًا، وعزلة لرمزيّة إيران كجار يحمل هوية دينية مشتركة، من دون أن ينتمي لقناعة الأغلبية الشيعية.
وفّرت إيران لغالبية الجماعات السياسية في العراق غطاء من الدعم والاستقواء، مما أبعدها عن أي اندماج حقيقي مع المجتمع الشيعي العراقي، فبدل أن يكون النفوذ فرصة للتقارب والتأثير الإيجابي، تحوّل إلى أداة وولاءات محدّدة، فأنشأ فجوةً بين إيران وواقع الشيعة المدني والاجتماعي، وجعل العلاقة قائمة على مصالح السلاح والسياسة فقط، بعيدًا عن الفهم العميق لمصالح الشعبَيْن واحتياجاتهما للتكامل، ضمن جغرافية تكون غير مقهورة ولا خائفة من خرائط المنطقة.
هل انتهت الفرصة بالكامل؟ لا، لكنها باتت أكثر صعوبةً اليوم على إيران التي لم تعد تملك رفاهية في فرض أي نموذج خاص بها، وبات عليها التكيّف مع واقع جديد في العراق، ومع “النجف” كمرجعية ثابتة على قناعة الدولة أوّلًا، و”الشيعية” العراقية الأشد حساسية تجاه سيادتها.
تأخّرت إيران في استيعاب حقيقة أنّ شيعة العراق ليسوا كتلة أيديولوجية جاهزة، فبينهم من لم يولد سياسيًا في معسكرات “الجهاد” أو عقيدة “الممانعة”، بل في هامش الدولة المنهكة، حيث الأولويّة للسيادة لا للساحات، وحيث تتقدّم أسئلة المواطنة والشرعية على شعارات الاصطفاف والتعبئة.
لم تكتشف إيران بعد جيلًا جديدًا من الشيعة يبحث عن “سرديّته”، بعد أن تبدّلت خرائط المنطقة وتغيّرت معادلاتها. جيلٌ لا يريد أن يروى عنه، بل أن يروي هو ذاته بلغته الخاصة، وبفهمه لمكانه في هذا المشرق المضطرب. جيلٌ يراقب تمدّد التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها رعونة الكيان الصهيوني من نافذة فهمه لتكليفه في حماية كرامته، هويّته واستقلال قراره. جيلٌ لا يحمل عداوات مجانية، لا يكره طهران ولا يعادي الولايات المتحدة، ولا يسمح أن يُختزل وطنه في خطوط تماس الآخرين.
لقد تعب هذا الجيل الناشيء من أن يكون رقمًا في أي صراع، فهو يؤمن بالعراق معادلة لقاء، مساحة عقل ومنصة حوار. جيلٌ ينشد التوازن قبل القوّة، ويرى أنّ الإصلاح لا يُستورد بل يُصنع من الداخل: من ضمير الفرد، ومن شجاعة التفكير ومن قدرة المجتمع على تخيّل مستقبل لا يشبه عقدَيْن من الفوضى.
في نهاية الأمر، ذلك جيل ليس من أبناء القطيعة، ولم يرث أي انفعال أو عبث، هو ابن المراجعة والمسؤولية، ويحمل ذاكرة الألم كوقود لا كقيْد. ومن دون إعادة الاعتبار لشيعيّته الوطنية، سيبقى ممزّقًا بين دولة ناقصة ومحاور مفكّكة، وستبقى مصالحه رهينة صراعات لم ينتجها ولم يربحها.
ما الذي كان مطلوبًا من إيران؟
أوّلًا: تقليل حصرية الامتداد بالنفوذ المسلّح
أحد أكبر مصادر النفور لدى الشباب هو تداخل السياسة بالسلاح، وبما أنّ الشباب لا يُعادون إيران بقدر ما يعادون نموذج الدولة المختطفة من فصائل اقتصادية ومالية، كان يجدر بطهران أن تتعايش مع دعم الدولة على حساب أي سلاح خارج مظلّتها، وعدم ربط المصالح الإيرانية بفواعل مسلّحة حصرًا.
ثانيًا: تجنّب اختزال الشيعة العراقيين في تمثيل سياسي محدّد، كالقوى التقليدية المُجرّبة، وقد صنع هذا التجاهل ردَّ فعل سياديًا سلبيًا من الشباب والأجيال الوطنية الناشئة ضد إيران لا معها.
ثالثًا: تحويل النفوذ إلى ابتكار اقتصادي، فالشباب يقيسون العلاقات الخارجية بميزان الفائدة الملموسة، مشاريع تنموية شفّافة لا مرتبطة بالمحسوبية السياسية، تأسيس شبكات لوسطاء في مجالات الطاقة، التكنولوجيا، والتشغيل، فأي نفوذ لا يُنتج فرصًا يُنظر إليه كعبء.
رابعًا: تغيير الخطاب الإعلامي والسياسي، فالخطاب التعبوي القائم على “الفصائل” لم يعد مقنعًا لجيل ما بعد 2019 جيل الاحتجاج. المطلوب هو خطاب وسطي غير استقطابي، يبتعد عن تخوين الاحتجاجات والتيّارات الشبابية والاعتراف بشرعية النقد الداخلي للتجربة السياسية، وقبول حالة التقييم للنظام وأدواته من قبل الشباب.
خامسًا: قبول التعدّد داخل البيئة الشيعية، والشباب هنا يرفضون احتكار تمثيل مكوّنهم لصالح حزب أو جماعة محدّدة، خصوصًا ممن كانت مجرّبةً بالتصدّي السياسي منذ زوال الطاغية، ولم تراجع أداءها أو تغيّر من سلوكها.
إنّ عدم الرهان على فاعل واحد أو تيّار واحد، وقبول التنوّع السياسي بين الشيعة، والكفّ عن إدارة المصالح في العراق بمنطق شيعي على حساب شيعي آخر، يخلق معادلة جديدة من العلاقة الواقعية مع مسار التصدّي الجديد في المساحة الشيعية الفتيّة، فالتيّارات الشبابية لا تُستوعب بالقوّة ولا بالخطاب العصبي، بل بالفائدة، الاحتواء والشفافية.
بالنتيجة، نزفت الطائفة الشيعية كثيرًا، وتعرّضت إلى خسارات كبيرة، ليس بسبب استهداف خارجي فقط، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة من داخلها. ما حدث يجب أن لا يستمر، والفرصة المتبقّية لإيران ليست في ترميم أدوات قديمة، بل في الإصغاء لتحوّل عميقٍ داخل المجتمع الشيعي نفسه، حيث تتبلور قناعات جديدة أقل أيديولوجية، أكثر وطنية، أشدّ حساسية تجاه فكرة الدولة وأكثر وعيًا بأنّ تغييبها لصالح جماعات وأحزاب فقط لم يعد فراغًا محتملًا، بل خطرًا وجوديًا في واقع اقليمي جديد لا يرحم الطوائف الهشّة، فهل هناك جدية في تعويض ما فات؟
حامد السيد
صحفي وناشط سياسي عراقي، يكتب في الشأن العام وقضايا الدولة والمواطنة والتحولات داخل المجتمع الشيعي العراقي بعد عام 2003.
يهتم بنقد التجارب السياسية، وعلاقة الدين بالسلطة ودور المرجعية إضافة إلى قضايا الشباب والهوية الوطنية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي منصة الجادة

