الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة15 يناير 2026 12:49
للمشاركة:

لماذا لا تشبه الأوضاع الحالية في إيران مرحلة الإطاحة بالشاه؟

رأت الكاتبة الإيرانية المتخصصة في علوم الأنثروبولوجيا نرجس باجوغلي أنّ واقع الأطراف التي وقفت خلف سقوط حكم الملكية في إيران بات مختلفًا في عصر الجمهورية الإسلامية. وفي مقال له نشرته مجلّة "تايم"، لاحظت باجوغلي أنّ القوات العسكرية الإيرانية لا تزال متماسكة وبعيدة عن الانشقاق، مذكَرةً بأنّ ذلك يُعتبر من العوامل الحاسمة في نجاح أي ثورة.

إليكم الترجمة الكاملة للمقال من موقع “الجادة”:

إيران أشبه بمرجل يغلي. ففي 28 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، امتنع التجّار في السوق الكبير في طهران عن فتح متاجرهم احتجاجًا على التضخّم الحاد، الانخفاض الكبير في قيمة العملة والظروف الاقتصادية المتردية. لطالما كان السوق أحد أهم مراكز القوّة في إيران، وإضراب تجّاره يُشير إلى اليأس الاقتصادي والسخط السياسي.

اندلعت الاحتجاجات بسرعة في جميع المحافظات، من البلدات النائية التي تعاني من البطالة والإهمال، إلى طهران وغيرها من المدن الكبرى. وقد قطعت السلطات الإيرانية الانترنت، واعتقلت الآلاف، وقتلت المئات من المتظاهرين. ويدرس الرئيس دونالد ترامب شنّ ضربات عسكرية على إيران في ظل استمرار الاحتجاجات.

إنّ الكارثة الاقتصادية في إيران هي نتاج ثماني سنوات من السياسات الأميركية التي جمعت بين العقوبات الشاملة، العمليّار السرية،الهجمات الإلكترونية والضربات العسكرية. وبينما كانت هذه الإجراءات تهدف إلى إضعاف الحكومة الإيرانية، فقد أدّت إلى تدمير الأمن الاقتصادي للمواطنين الإيرانيين العاديين. واستفادت النخبة الإيرانية ذات الصلات بالدولة، ولا سيّما المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي، من التهرّب من العقوبات.

وقد تسارع التدهور الحاد للريال الإيراني – حيث فقد نحو 90% من قيمته مقابل الدولار خلال العام الماضي – بشكل كبير بعد الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران الصيف الماضي.

وقوّض الخوف من تجدّد الأعمال العدائية آمال التعافي. وجعل التضخّم السلع الأساسية باهظة الثمن بالنسبة لملايين الأشخاص. كما تأثّرت عائدات النفط الإيرانية – وهي مصدر حيوي لدخل الدولة – بشدّة جرّاء العقوبات المتجدّدة، وفشلت الحكومة في تقديم سياسات اقتصادية فعّالة لمعالجة الأزمة، في حين أساءت إدارة الاقتصاد بشكل كبير. وكانت النتيجة عاصفة عاتية: ارتفاع الأسعار، هروب العملة وقلق اقتصادي واسع النطاق.

حكاية إيرانَيْين

يُظهر مسحٌ لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات في الصحف والمجلّات وشبكات التلفزيون شعورًا بأنّ الجمهورية الإسلامية على شفا الانهيار، إذ تُعاني من أزمة اقتصادية حادّة، وتواجه ثورة شعبية عارمة لا يردعها القمع، وتواجه رئيسًا أميركيًا غير تقليدي يبدو أكثر انفتاحًا على الضربات العسكرية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل الظروف الهيكلية في إيران اليوم تُضاهي تلك التي عجّلت بسقوط الشاه وانتصار ثورة 1979؟

لم تنجح ثورة 1979 لأنّ الإيرانيين كانوا غاضبين فحسب، بل كانوا غاضبين لسنوات.

نجحت الثورة لأنّ ثلاثة مراكز قوى حاسمة تضافرت جهودها: الشعب، علماء الدين وتجّار البازار، الذين توحّدوا ضد النظام الملكي. بُني هذا التحالف عبر سنوات من التنظيم، شبكات المساجد، النقابات العمّالية والنفوذ الاقتصادي للبازار. عندما تضافرت جهود هذه المؤسّسات، سقط النظام الملكي.

يختلف المشهد السياسي المعاصر في إيران اختلافًا جذريًّا. فمن خلال سنوات من البحث في هياكل السلطة الإيرانية، لاحظتُ كيف تُبنى مؤسّساتها الرئيسية – الملكية، وعلماء الدين، الجيش، السوق والمجتمع المدني – بطرق تجعل فرص اندلاع ثورة على غرار ثورة عام 1979 أكثر تعقيدًا.

ورغم محاولة الملكية العودة إلى السلطة عبر وليّ العهد المنفي رضا بهلوي، إلا أنها لا تحظى إلا بدعمٍ ضئيل داخل إيران. وقد تمّ تضخيم احتمالات عودة بهلوي ووهم الدعم الشعبي لعودة الملكية من خلال حملات تضليل إلكتروني تديرها إسرائيل، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “هآرتس”.

وعلى الرغم من هذه الجهود، رفض الرئيس ترامب لقاء بهلوي، وهو مؤشّرٌ واضح على مدى جدية حتى الحلفاء المحتملين في التعامل مع الخيار الملكي.

وبالطبع، تمارس الحكومة الإيرانية التضليل الإعلامي، فترفض أي معارضة باعتبارها مدبّرةً من الخارج، وتستخدم هذه الرواية لتبرير تصعيد القمع، لكنّ المعلومات المضلّلة تحجب ما هو أهم: فهمُ التوازن الفعلي للقوى داخل إيران وما هو المطلوب لإحداث تغيير حقيقي.

لنأخذ السوق مثالًا، فقد ولّدت إضراباته تفاؤلًا بأنّ عام 2026 قد يُعيد إلى الأذهان أحداث عام 1979. كان السوق في يوم من الأيام مركز القوة الاقتصادية المستقلّة في إيران، شبكة من التجّار الذين منحهم استقلالهم المالي نفوذًا في مواجهة سلطة الدولة. لكن 47 عامًا من حكم الجمهورية الإسلامية، ولا سيّما العقدين الأخيرين من العقوبات الأميركية، غيّرت هذه المؤسّسة تغييرًا جذريًا.

صحيح أنّ العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها أضعفت إيران، إلا أنها أتاحت أيضًا فرصًا غير مسبوقة للحرس الثوري الإسلامي والنخب المرتبطة بالدولة لتكديس الثروات من خلال عمليّات الالتفاف على العقوبات. أصبحت الشركات المرتبطة بالحرس الثوري أداةً للالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران، تسيطر على الواردات، تدير عمليّات صرف العملات وتحتكر الوصول إلى السلع المحظورة.

مع سيطرة النخب العسكرية والأمنية على زمام الاقتصاد الإيراني، فقدت عائلات البازار التقليدية الثرية ورجال الأعمال استقلالهم الاقتصادي، واضطرّوا بشكل متزايد إلى التعاون مع شبكات مرتبطة بالحرس الثوري، أو الخضوع لها للحفاظ على أعمالهم. إنّ إضرابات البازار اليوم لها أهميّتها، لكنها لا تمثّل نفس القوّة المؤسّسية المستقلّة التي ساهمت في إسقاط النظام الملكي عام 1979، فقد اندمج البازار جزئيًا – أو على الأقل أصبح تابعًا – لبُنية السلطة نفسها التي كان عليه معارضتها.

يتكوّن البازار من رجال أعمال يسعون إلى استقرار الأوضاع لمواصلة جني الأرباح. تحدثتُ مؤخّرًا إلى علي، الذي يرأس إحدى أكبر العائلات العاملة في تجارة المنسوجات في البازار الكبير بطهران. طلب منّي عدم ذكر اسم عائلته لأسباب أمنية. قال علي: “أغلقنا متاجرنا ونطالب الحكومة بإجراء تغييرات. العديد من مصانعنا لم تعد قادرة على العمل. على الحكومة إجراء تغييرات جذرية في إدارة العقوبات والاقتصاد”. مع تصاعد الاحتجاجات، واشتداد حملة القمع، وتهديد الولايات المتحدة بشن ضربات عسكرية، شعر علي بالقلق. وقال: “الأمر يخرج عن سيطرتنا”.

إنّ علماء الدين الإيرانيين ليسوا كتلة واحدة متجانسة، فقد اتّسم الهيكل الديني في الإسلام الشيعي تاريخيّا باللامركزية، حيث تعمل مختلف المراجع الدينية والحوزات والشبكات الدينية باستقلاليّة كبيرة.

ويتمتّع علماء الدين بمستويات متفاوتة للغاية من السلطة والنفوذ والموارد المالية، فبعضهم يُسيطر على مؤسّسات خيرية ضخمة تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، بفضل تبرّعات الأتباع وميزانيّات الدولة، بينما يُدير آخرون مساجد محلية متواضعة بموارد شحيحة.

وتتبنّى الفصائل المتنافسة في صفوف علماء الدين الإيرانيين رؤى مختلفة جذريًّا لمستقبل البلاد، فبعضهم يدعم الإصلاح السياسي وتوسيع الحرّيّات الاجتماعية، بينما يُطالب آخرون بقمع أشدّ للمعارضة، ويركّز الكثيرون منهم بالدرجة الأولى على الحفاظ على مؤسّساتهم ومصالحهم المالية.

ويُعدّ هذا التشرذم الداخلي أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يعني عدم وجود “جمهورية إسلامية” موحّدة يُمكن إسقاطها، فهناك مراكز قوى متنافسة قد تتفكّك تحت الضغط، ولكنها قد تُعيد توحيد صفوفها بطرق غير متوقّعة.

على عكس عام 1979، عندما توحّدت غالبية علماء الدين خلف آية الله روح الله الخميني ضد الشاه، فإنّ المؤسّسة الدينية اليوم لا تتمتّع بإجماع مماثل.

الأهم من ذلك، لا نملك أيّ دليل على انشقاق الجيش الإيراني، وعادةً ما يكون ذلك حاسمًا. تنجح الثورات عندما ترفض قوّات الأمن إطلاق النار على المتظاهرين، أو عندما تنضمّ وحدات عسكرية كبيرة إلى صفوف المعارضة. في عام 1979، ساهمت انشقاقات عسكرية حاسمة في تسريع سقوط النظام الملكي. واليوم، لا يزال جهاز الأمن الإيراني سليمًا، حيث لا يمثّل الحرس الثوري قوة عسكرية فحسب، بل قوّةً اقتصادية وسياسية راسخة في بقاء الجمهورية الإسلامية. وتشير التقارير المحدودة الواردة من إيران – منذ حجب الانترنت في 8 كانون الثاني/ يناير – بقوّة إلى أنّ قوَات الأمن تردّ بقوة قمعية كبيرة.

الصراع داخل إيران

داخل إيران، يُدرك العديد من نشطاء المجتمع المدني والسجناء السياسيين هذه الديناميكيّات السلطوية، فهم يُدركون أنّ الحرب ستؤدّي إلى تصعيد القمع، وستؤخّرهم لسنوات أو عقود. كما يُدركون أنّ السعي وراء ثورة عنيفة سيكون له عواقب وخيمة. لذلك، ركّزوا على بناء حركة مستدامة ومقاومة يوميّة.

تُجسّد انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 هذا الأمر خير تجسيد: فمن خلال سنوات من التواصل والتنظيم الدؤوب والعصيان المدني المستمر، حقّقت ما يعتبره الكثيرون أكبر تنازل للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979، ألا وهو التخلّي الفعلي عن فرض الحجاب الإلزامي في معظم أنحاء البلاد. تُعدُّ “المرأة، الحياة، الحرية” إحدى أهم الثورات الاجتماعية والثقافية في إيران المعاصرة، وقد تحقّق نجاحها من خلال جعل بعض أشكال السيطرة غير قابلة للاستمرار عبر العمل الجماعي.

تتطلّب الثورة تضافرَ جهود مؤسّسات قادرة على تحدّي سلطة الدولة، وهذا التضافر غير موجود حاليًا في إيران، فقد أمضت كل من الجمهورية الإسلامية وخصومها الأجانب – الولايات المتحدة وإسرائيل – عقودًا في منع توحّد المقاومة المنظمة، عبر التسلّل والاعتقال التعسّفي وإثارة الفتنة المتعمّدة. 

وتُفاقمُ حملات التضليل الخارجية المشكلة، فعندما تُروّج أصوات غربية لإعادة النظام الملكي (وهو ما يرفضه معظم الإيرانيين)، فإنها تُشوّه سمعة المعارضة الحقيقية، وتُضفي مصداقية على رواية طهران عن “التدخل الأجنبي”. عندما يدعم المسؤولون الأميركيون وعملاء المخابرات الإسرائيلية علنًا الاحتجاجات في إيران، فإنهم يعرّضون المعارضين للخطر.

يستحق الإيرانيون ما هو أفضل من استغلال مظالمهم لتحقيق مكاسب جيوسياسية. يتطلّب التضامن الحقيقي التزامات عديدة: التمييز بين الأمل والتحليل؛ اليقظة ضد التضليل؛ وتقبّل أنّ التغيير سيكون أبطأ وأكثر تعقيدًا مما هو مرغوب. يشير التاريخ إلى أنه من دون تنظيم قوي، تتكرّر دورات الاحتجاج بلا جدوى، أو ما هو أسوأ، تُفسح المجال للتدخل أو البدائل الاستبدادية.

لقد عانى الإيرانيون بالفعل من ثورة تلاشت وعودها. إنهم يستحقّون دعمًا واقعيًا لبناء تغيير حقيقي، لا مجرّد أمنيات تخدم مصالح الجميع باستثناء مصالحهم. التضامن الحقيقي يعني دعم العمل التنظيمي غير البراق، ومقاومة الروايات التبسيطية، والتحلي بالصبر. الثورة ليست لحظة عابرة، بل هي عملية تتطلب الصدق بشأن السلطة والتشكيك في التلاعب الخارجي.

العالم يراقب إيران. السؤال هو: هل يرى بوضوح؟

إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجادة وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: