الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة13 يناير 2026 11:03
للمشاركة:

إيران والاختبار الصعب

بينما يراقب العالم، بحذر، مسار الاحتجاجات الشعبية في إيران، تأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تقف فيها منطقة الشرق الأوسط عند مفترق طرق تاريخي، فيما تواجه المنظومة الدولية اهتزازات عميقة في قواعدها الحاكمة، ولا سيما في ما يتصل بالمحور الذي تديره طهران، والذي يجد نفسه اليوم أمام تحديات مركّبة، تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

ويجري كل ذلك في سياق دولي مضطرب، تُرسم فيه ملامح مرحلة جديدة، عنوانها العريض: تغليب القوة على القانون، والمصلحة على الأخلاق. وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في العملية التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سابقة لا تكتفي بتجاوز ما استقر عليه النظام الدولي من أعراف وقواعد، بل تعلن، عمليًا، نهاية مرحلة وبداية أخرى، ميكيافيلية العقيدة.

وفي قلب هذا المشهد المتشابك، تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح: ما طبيعة الاحتجاجات الجارية في إيران؟ وما خلفياتها الحقيقية؟ وإلى أي مدى تمتلك، في بنيتها وأدواتها، القدرة على تحقيق أهدافها؟ هي أسئلة مشروعة في لحظة مفصلية، نحاول تفكيك شيفرتها لاستشراف مآلات الأحداث، قدر الإمكان، في مشهد تزداد فيه الضبابية بقدر ما تتكاثر فيه التعقيدات.

لا يُخفى على المتابع لتاريخ إيران الحديث، والمطلع على الإرهاصات الأولى التي أشعلت فتيل الثورة الإيرانية عام 1979، أنّ أحد الأسباب الجوهريّة لسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي آنذاك كان مسألة استرداد السيادة الوطنية، التي تحوّلت إلى رهينة بيد المصالح الأميركية والبريطانية، ولا سيما بعد إعادة الشاه إلى الحكم والإطاحة بحكومة محمد مصدّق عام 1953. غير أنّ العامل السياسي لم يكن وحده كافيًا لإشعال الثورة؛ فقد ظهر عامل آخر، كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، وعجّلت من اندلاع الغضب الشعبي وسقوط النظام، وهو العامل الاقتصادي، بعد الانخفاض المفاجئ في أسعار النفط عام 1977، ما دفع الحكومة إلى اعتماد سياسة تقشفية أثارت سخطًا واسعًا في أوساط المجتمع الإيراني، وهو ما يفسر، جزئيًا، التحاق بازار طهران، العصب الاقتصادي للبلاد، بثورة الشارع. ومن هذا المنطلق يمكن فهم ما صرّح به القائد الإيراني الحالي، آية الله علي خامنئي، في معرض حديثه عن التظاهرات الشعبية الراهنة، حين أشار إلى أن “التجار هم أبناء هذه الثورة.”

وفي عام 1979، تضافرت مجموعة من العوامل السيادية، والدينية، والليبرالية، والاقتصادية، لتخلق حالة نادرة من التوافق المرحلي، اجتماع متناقضات عدة حول هدف واحد: إسقاط نظام الشاه. فقد وجد المتدينون أنفسهم في خندق واحد مع اليساريين، والليبراليين، والتجار، لا لأنهم اتفقوا على شكل النظام المقبل، بل لأنهم اتفقوا على هدم النظام القائم، قبل الاتفاق على المرحلة التي ستلي ذلك، وهي المرحلة التي شكلت نقطة الفراق ودفعت إيران ثمنها لاحقًا دمًا. وقد تجلّى هذا الخلاف في الأشهر والسنوات الأولى للثورة، خلال فترة بدأت بالتنافس على السيطرة وتحديد هوية الدولة، وانتهت بإبعاد خصوم الحكم لتثبيت السلطة الجديدة.

ويتّهم معارضو الجمهورية الإسلامية السلطة والمقربين منها بالاستيلاء على ممتلكات أتباع الشاه، وإعادة إنتاج المشهد ذاته بعد وقت قصير، من خلال إبعاد اليساريين والليبراليين عن المشهد. وبحسب هؤلاء المعارضين، شكلت هذه الخطوات المحطة الأولى لشبكة معقدة، تشبه أخطبوطًا متعدد الأذرع، امتدت أذرعه إلى مفاصل الدولة كافة، بما في ذلك المؤسسات التربوية، حيث حظي المتدينون أو ما يُعرفون بـ”الثوريين” بالأولوية في السلطة، وسيطر مشهد سادت فيه المحسوبية على الكفاءة ظهرت آثاره في الاقتصاد الإيراني، وحتى في ملفات الفساد التي كشف النقاب عن بعضها في السنوات والعقود الاخيرة. ومن هنا تأسّس، ما عرف اصطلاحاً بسوء الإدارة، النمط الذي ستقرُّ به الحكومات الإيرانية المتعاقبة وتحاول السيطرة عليه، ولا سيما الإصلاحية، بصيغ متفاوتة، من دون القدرة على تفكيك تشابكاته المعقدة.

تركيبة النظام والدولة العميقة

بعد انتصار الثورة، سارع اية الله الخميني إلى رسم ملامح الدولة الجديدة، مرتكزًا إلى مبدأ سيلازم إيران في سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو أولوية الحفاظ على الجمهورية الإسلامية، بوصفها الإطار السياسي والعقائدي للثورة، وعلى المبادئ التي قامت عليها. وقد عبّر عن ذلك بوضوح في عام 1981 حين قال: “”الحفاظ على الجمهورية الإسلامية أهم من الحفاظ على حياة شخص واحد، ولو كان إمام العصر، لأن إمام العصر أيضًا يضحي بنفسه من أجل الإسلام.

هذا التصريح لا يُقرأ بوصفه موقفًا خطابيًا، بل باعتباره تعبيرًا عن رؤية دينية–سياسية متكاملة، ترى في النظام نفسه تجسيدًا لفكرة عميقة، لا مجرد إدارة للبلاد. وهي رؤية لا تزال حاضرة في وعي التيار الثوري حتى اليوم، وعلى رأسه القائد الحالي علي خامنئي، وتنعكس في كثير من المحطات المفصلية التي طبعت سياسات إيران خلال العقود الماضية.

ومن أجل حماية هذا الهدف، أسّس الخميني قوة خاصة لحراسة الثورة من أعدائها في الداخل والخارج، أطلق عليها اسم “حرس الثورة الإسلامية”. وقد اشتُرط للانضمام إلى هذه القوة الالتزام العقائدي بمبدأ ولاية الفقيه، لا بوصفه خيارًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره شرطًا واجباً. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه القوة مجرد جهاز أمنيّ رديف، بل تحوّلت إلى مؤسّسة عسكريّة متكاملة، باتت، من حيث العدة والعديد والنفوذ، تفوق الجيش الإيراني نفسه.

وكانت هذه الخطوة انعكاسًا مباشرًا لمخاوف عميقة في وعي مؤسس الجمهورية، استمدها من تجربة عام 1953، حين انقلب الجيش، بقيادة الجنرال فضل الله زاهدي، وبدعم أميركي–بريطاني، على حكومة محمد مصدق، وأطاح بها. لذلك، ورغم أن الخميني أبقى على الجيش بعد إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، حفاظًا على توازن القوة ومنعًا لأي فراغ قد تستغله قوى انقلابية، إلا أن هذا الجيش لم يحظ، طوال العقود اللاحقة، بالمكانة والنفوذ اللذين حظي بهما الحرس الثوري، ولا يزال.

وإلى جانب النفوذ العسكري والاقتصادي الذي يتمتع به الحرس، بوصفه قوة رديفة للجيش بل أبعد من ذلك، نشأت مؤسسات أخرى، أوكلت إليها مهام متباينة في ظاهرها، لكنها تتقاطع جميعًا عند وظيفة واحدة: حماية مكتسبات الثورة وضبط مسار النظام. ومن أبرز هذه المؤسسات: مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور.

وهاتان المؤسّستان، إلى جانب القوات المسلحة والسلطة القضائية، تنتهي في نهاية المطاف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى مرجعية واحدة، هي شخص القائد الأعلى. ومن خلال هذا البناء المؤسسي المتشابك، تشكّلت ما يمكن تسميته بـ”الدولة العميقة” في إيران، وهي الدولة التي لم تكن مجرد ظل للدولة الرسمية، بل عمودها الفقري، وحصنها المنيع، على امتداد ما يقرب من ستة وأربعين عامًا.

سلاح العقوبات القاهر وسياسة الاحتواء

لم تكن العقوبات الأميركية، منذ عام 1980 وحتى اليوم، شيئاً طارئًا على التجربة الإيرانية، بل شكّلت، في كثير من مراحلها، جزءًا ثابتًا من معادلة الصراع بين طهران وواشنطن، وإن تفاوتت حدّتها تبعًا لتفاوت مستويات التوتر بين الطرفين على امتداد ما يقرب من ستة وأربعين عامًا. وقد تعامل النظام الإيراني مع هذه العقوبات بوصفها هجمة شاملة، لا تستهدف اقتصاده فحسب، بل بنيته السياسية والثقافية أيضًا، فتداعى، بمؤسساته المختلفة، لمواجهتها، معتبرًا أن الهدف منها ليس تعديل سلوك، بل إخضاع إرادة.

وفي هذا السياق، لم تكن المطالب الأميركية ثابتة، بل كانت تتغير مع تغيّر موازين القوى وتطور الأحداث، ولا سيما بعد دخول الملف النووي على خط الصراع، وتحوله إلى الذريعة المركزية لتوسيع نطاق العقوبات، ورفع سقوف الضغط، بهدف دفع طهران إلى التخلي عنه. في المقابل، نظرت إيران إلى هذا الملف بوصفه مسألة سيادية تمس جوهر الكرامة الوطنية، على نحو يذكّر بتجربة تأميم النفط في عهد محمد مصدق، التي انتهت، كما هو معروف، بإطاحته.

ورغم تأكيد طهران المتكرر على سلمية برنامجها النووي، وعدم سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، فإن تصاعد العداء الأميركي بذريعة هذا البرنامج لم يؤدِّ إلى تراجعها، بل إلى مزيد من التصلب. لا لأنّ العائد الاقتصادي للتقنية النوويّة يبرر هذا الإصرار، بل لأن القيادة الإيرانية، وعلى رأسها القائد الأعلى آية الله علي خامنئي، ترى أنّ أي تراجع في هذا الملف لن يكون سوى بداية لمسار تنازليّ، سيفتح الباب أمام ضغوط جديدة تطال الملف الصاروخي، ثم النفوذ الإقليمي، ثم، في نهاية المطاف، طبيعة النظام نفسه. ومن هذا المنظور، لا تكمن المشكلة، في نظر طهران، في التقنية النووية ذاتها، بل في أصل وجود نظام يعرّف نفسه بوصفه مناهضًا للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط.

وأمام هذا العداء المتبادل، اتجهت الجمهورية الإسلامية، بعد الثورة، إلى بناء شراكات استراتيجية أعمق مع كل من الصين وروسيا، رغم أن هذه الشراكات بدت، في جوهرها، متناقضة مع شعار “لا شرقية ولا غربية” الذي رفعه الإمام روح الله الخميني في سنوات التأسيس الأولى. غير أنّ انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان موضع نقد حاد عند انتصار الثورة، فتح المجال أمام نمط جديد من العلاقات مع روسيا، قاعدته تقاطع المصالح في مواجهة الأحادية القطبية الأميركية.

أما الصين، فقد وجدت فيها طهران شريكًا اقتصاديًا صاعدًا، يمكن أن يشكّل أحد منافذها الأساسية خارج طوق العقوبات الذي فرضته الإدارات الأميركية المتعاقبة. وفي هذا الإطار، رأى منظرو التيار الأصوليّ أن التوجه شرقًا، والانضمام إلى منظمة شنغهاي،  ومجموعة البريكس، وتعزيز التعاون مع اتحاد دول أوراسيا، يمكن أن يشكّل شبكة أمان استراتيجية تقلّل من فاعلية العقوبات الغربية.

غير أن الواقع، في كثير من الأحيان، كان أكثر تعقيدًا. فقد ظلّ نصل العقوبات حادًا، بفعل قوة الاقتصاد الأميركي وهيمنته على النظام المالي العالمي، وبسبب تقاطع مصالح الولايات المتحدة مع كل من موسكو وبكين في ملفات متعددة، اقتصادية وأمنية وسياسية، لم تكن دائمًا منسجمة مع المصالح الإيرانية. ورغم الانتقادات التي كانت تتردد في الأروقة السياسية الإيرانية، ولا سيما من التيار الإصلاحي، تجاه الدور الروسي تحديدًا، لم يكن أمام النظام سوى المضي في هذه الشراكات، لا عن قناعة كاملة، بل عن غياب البدائل.

وقد وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في هذه التحالفات، ومحاولة ضبطها بما يضمن له الحد الأدنى من المصالح، وإما الدخول في مسار تنازلي أمام الشروط الأميركية، يفضي تدريجيًا إلى تفريغ الثورة من مضمونها، والجمهورية من مرتكزاتها.

وخلال هذه العقود، حاولت الجمهورية الإسلامية إدارة أزمة العقوبات بما توفر لها من أدوات. خارجيًا، عبر تعزيز علاقاتها مع الشرق ومع بعض دول أميركا اللاتينية، وإن لم يوفر ذلك الغطاء الكافي لدرء التداعيات. وداخليًا، عبر توسيع قاعدة الصناعات المحلية، والسعي إلى تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في مجالات حيوية، نجحت في بعضها وأخفقت في أخرى.

غير أن هذه السياسات، رغم أنها حالت دون انهيار مؤسسات الدولة، لم تكن كافية لخلق حالة استقرار اقتصادي حقيقي، أو لمنح الاقتصاد الإيراني القدرة على “التنفس” خارج غرف الإنعاش. وفي المحصلة، وجدت إيران، الدولة النفطية القادرة نظريًا على تصدير أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا، نفسها عاجزة عن تصدير سوى مئات الآلاف، وبأسعار تقل عن المعدلات العالمية، ما حوّل الثروة النفطية إلى عنصر قوة مفقودة.

الاحتجاجات الشعبية: بين المطالب المحقّة وشبهة المؤامرة

لم تكن الاحتجاجات الشعبية يومًا ظاهرة طارئة على تاريخ الجمهورية الإسلامية، الممتد لأكثر من أربعة عقود. فمنذ لحظات التأسيس الأولى، وقبل أن يستقر شكل النظام وتُحسم هويته النهائية، شهدت البلاد سجالات حادة حول طبيعة الدولة، ودور الدين في المجال العام، وقضايا اجتماعية شائكة، من بينها فرض الحجاب. غير أن أخطر هذه المحطات، وأكثرها أثرًا، كانت بعد عدة عقود، تلك التي أعقبت انتخابات عام 2009، حين اتهم التيار الإصلاحي مجلس صيانة الدستور بتزوير النتائج لصالح الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد.

في تلك اللحظة، خرج إلى العلن ما عُرف لاحقًا بـ”تيار الفتنة”، كما سمّته السلطة، متجسّدًا في قيادة رمزية تمثلت في مير حسين موسوي، آخر رئيس وزراء في الجمهورية الإسلامية، ومهدي كروبي، رئيس البرلمان الأسبق. وسرعان ما انقسم الشارع الإيراني إلى كتلتين متقابلتين: واحدة محتجة، وأخرى مدافعة عن النظام. ولم تلبث المطالب أن تجاوزت الإطار الانتخابي، لتتحول، عند بعض التيارات، إلى دعوات لإعادة النظر في بنية النظام ذاته، بل والمطالبة بإبعاد القائد الأعلى عن موقعه.

نجحت السلطة، في نهاية المطاف، في استعادة السيطرة على الشارع، وفرضت إقامة جبرية طويلة على قادة ما عُرف بالحركة الخضراء، وأحالت عددًا كبيرًا من المشاركين إلى المحاكم، متهمةً إياهم بالارتباط بأجندات خارجية، وهي اتهامات دعّمها الإعلام الرسمي آنذاك باعترافات مصورة. غير أن هذه المرحلة لم تُطوَ نهائيًا، بل تركت أثرًا عميقًا في النسيج الاجتماعي والسياسي الإيراني، وأسست لانقسام عمودي سيعود للظهور لاحقًا، وبصورة أكثر حدّة، في احتجاجات عام 2022 التي اندلعت على خلفية مقتل مهسا أميني، واتسمت بدرجة من العنف لم يسبق للشارع الإيراني أن عرفها منذ استقرار النظام.

وإذا كانت روزنامة الاحتجاجات في إيران تشير إلى اتساع رقعة المعارضة، فإن طبيعة هذه المعارضة باتت أكثر تعقيدًا. فهناك من يحتج انطلاقًا من خلاف جذري مع النظام ذاته، وهناك من يعارض أساليب إدارته، دون أن يرفضه من حيث المبدأ. غير أن التمييز بين هذين المستويين أصبح بالغ الصعوبة، في ظل الشعارات المطالبة بإسقاط النظام وعودة النظام الملكي التي يرفعها بعض المحتجين، وفي مقابلها، الاتهامات بالعمالة التي يطلقها القضاء والأجهزة الأمنية.

في خلفية هذا الاشتباك الداخلي، تدور معركة أخرى، غير مرئية، يرى النظام أنها تستهدف وجوده نفسه، وتقودها الولايات المتحدة وإسرائيل عبر دعم مجموعات داخلية، بهدف زعزعة الاستقرار وإحداث فوضى منظمة. وهنا يستحضر الإيرانيون، بقوة، تجربة عام 1953، حين أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، في عملية “أجاكس”، بحكومة محمد مصدّق، عبر إثارة الشارع، وتمويل قوى معارضة، وتوظيف الإعلام، وهي وقائع أكّدتها وثائق رُفعت عنها السرية عام 2013.

غير أن التيار الإصلاحي، وإن لم ينكر وجود محاولات خارجية لاختراق الداخل الإيراني، فإنه يرفض في الوقت ذاته تبرئة التيار الأصولي المتشدد، الممسك بمفاصل السلطة الأمنية، من مسؤولية تفاقم الغضب الشعبي. فهؤلاء، بحسب رؤيته، ما زالوا يديرون المجتمع بعقلية ثورية صدامية، لا تراعي التحولات الاجتماعية، ولا تستجيب لمطالب التغيير التي باتت تتطلب مقاربات أكثر انفتاحًا، داخليًا وخارجيًا.

وما يزيد من حدة هذا التوتر، في نظر الإصلاحيين، هو ما يعتبرونه توسيعًا مفرطًا لدائرة الاتهام، وتوظيفًا سياسيًا للقضاء، بما يساهم في تعميق الفجوة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع. وهكذا، لم تعد الاحتجاجات مجرد حدث عابر، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس انقسامًا آخذًا في الاتساع، يظهر كلما واجهت البلاد منعطفًا جديدًا، اجتماعيًا كان أو اقتصاديًا أو سياسيًا.

ثورة 1979 واحتجاجات 2026: بين التشابه الشكلي والاختلاف الجوهري

كما لعب البازار دورًا محوريًا في احتجاجات أواخر السبعينيات التي مهّدت لسقوط نظام الشاه، تعود هذه المؤسسة الاقتصادية–الاجتماعية اليوم لتظهر في قلب الحراك الاحتجاجي. غير أن التشابه في نقطة الانطلاق لا يعني، بالضرورة، تشابهًا في المسارات أو في المآلات. فالمقارنة بين عامي 1979 و2026 تفرض نفسها، كأداة ضرورية لفهم طبيعة المخاطر المحتملة وحدودها.

في نهاية السبعينيات، لم تكن أسباب الانفجار الشعبي اقتصادية فحسب، بل كانت سيادية ودينية وثقافية في آن. كان هناك شعور عام بأن البلاد فقدت استقلال قرارها، وأن الحكم الملكي أصبح امتدادًا للنفوذ الأميركي–البريطاني. أما اليوم، فإن هذا البعد السيادي، الذي شكّل أحد أعمدة الثورة، يبدو غائبًا عن جوهر الاحتجاجات. بل إن الدعوات إلى استعادة النظام الشاهنشاهي تُقابل، لدى قطاع واسع من الإيرانيين، بوصفها دعوة للعودة إلى زمن الوصاية الخارجية، والتفريط بالسيادة التي دُفع ثمنها على مدى خمسة عقود.

وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، التقت الطبقة الاقتصادية مع النزعة الوطنية، ومع المرجعية الدينية، على هدف واحد: إسقاط الشاه. أما اليوم، فإن الطبقة الدينية، ومعها شريحة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بها، تقف في صف النظام، لا ضده. وانطلاق الاحتجاجات من البازار، على خلفية تدهور سعر الصرف أو اختلالات السوق، لا يعني بالضرورة أن هذه الطبقة قد انتقلت إلى معسكر المعارضة، بل يعكس، في كثير من الأحيان، احتجاجًا مرحلياً لا مشروعًا معارضاً متكامل الأركان حتى الآن.

يضاف إلى ذلك أن النظام الحالي يمتلك خطابًا تعبويًا قويًا، يقوم على فكرة الصراع مع الولايات المتحدة بوصفه صراعًا على السيادة، لا على السياسات. وهو خطاب يجد، في السياسات الأميركية نفسها، ما يغذّيه ويمنحه شرعية شعبية. وتكفي الإشارة هنا إلى التجربة الفنزويلية، التي تُستحضر بقوة في الإعلام الإيراني، بوصفها مثالًا حيًا على غطرسة واشنطن ومحاولاتها للهيمنة على ثروات الدول .

ثم إن ثورة 1979 قامت ضد نظام ملكي، في سياق تاريخي كانت قد مهّدته الحركة الوطنية منذ عهد مصدق. أما الجمهورية الإسلامية، فهي تقوم على رؤية دينية–سياسية متكاملة، عمادها ولاية الفقيه، ومفهوم “مواجهة الاستكبار العالمي”، وهو ما يجعل إسقاطها، أو حتى زعزعتها، مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد احتجاجات مطلبية.

وفي هذا السياق، تبدو محاولات تسويق رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، بوصفه قائدًا للمعارضة، محدودة الأثر. فهو لا يحظى بشعبية واسعة، ولا يمتلك رصيدًا ثوريًا مشابهًا لما كان يتمتع به الخميني في نهاية السبعينيات. بل إن ارتباطه الواضح بالإدارة الأميركية وبإسرائيل، اللتين تسعيان إلى تقديمه كبديل، يُنتج نتائج عكسية، ويدفع قطاعات دينية وسيادية إلى النفور من هذه الاحتجاجات، حتى وإن كانت بعض مطالبها محقة.

غير أن كل ما سبق لا يعني أن ما يجري في الشارع الإيراني بلا دلالة، أو أن النظام في مأمن مطلق. فالخطر الحقيقي لا يكمن في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في تراكمها، وفيما يشكله تجاهل المطالب المعيشية والاجتماعية من توسيع دائرتها. فإذا انضمت إلى المحتجين تلك “الأغلبية الصامتة”، التي لا تزال حتى اللحظة خارج المشهد، فإن المعادلة ستتغير جذريًا. كما أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع، في لحظة ما، شرائح من المتدينين أنفسهم إلى التعبير عن غضبهم، وهو سيناريو تدركه واشنطن جيدًا، وربما تراهن عليه عبر تشديد الخناق الاقتصادي.

وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن للجمهورية الإسلامية أن تحافظ على تماسكها في مرحلة هي الأشد تعقيدًا منذ تأسيسها، لا سيما بعد تداعيات السابع من أكتوبر وما فتحه من احتمالات؟

الإجابة ليست واحدة. فالتيار الإصلاحي يدفع نحو مقاربة أكثر مرونة مع الولايات المتحدة، لفتح ثغرات في جدار العلاقات، وتخفيف شبح الحرب المرتقبة والعقوبات القاسية، وإعادة النظر في مفهوم “المقاومة” بما يتلاءم مع تحولات ما بعد 2023.

وفي هذا السياق، اكتسب تصريح الرئيس الأسبق محمد خاتمي دلالة خاصة، حين قال: “إذا سقط النظام بكل عيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة”، وهي عبارة تختصر فلسفة الإصلاحيين: التغيير من الداخل، لا الهدم.

في المقابل، يرى التيار الأصولي المتشدد أن أي تراجع، ولو محدود، في الملفات السيادية الكبرى، وعلى رأسها الملف النووي، سيُقرأ كضعف استراتيجي، ويفتح الباب أمام ضغوط لا نهاية لها. وبين هاتين الرؤيتين، يبرز تيار ثالث، بدأ يتبلور في السنوات الأخيرة، يُعرف بتيار الاعتدال، ويدعو إلى “الميل مع العاصفة” دون الانكسار، أي المناورة السياسية دون التفريط بالثوابت الثورية كي لا تفقد الجمهورية الإسلامية جوهرها .

حتى اللحظة، لا يبدو النظام في خطر وجودي مباشر، لكنه أيضًا ليس في مأمن مطلق سيما وأن الموساد والسي آي أي يعملان بشكل حثيث داخل ايران وخارجها لزعزعة أركانه. أما المنعطف الحقيقي سيبدأ حين تلتقي التيارات الدينية والسيادية مع الشارع المحتج. وهذا لم يحدث بعد. وما إذا كان سيحدث أم لا، يتوقف على كيفية قراءة دوائر القرار الإيرانية للمرحلة، وعلى قدرتها على التقاط الإشارات وإجراء مراجعات قبل أن تتحول إلى وقائع لا يمكن تغييرها بسهولة .

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: