الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة11 يناير 2026 21:02
للمشاركة:

المواجهة الكبرى: مستقبل إيران، مستقبل العالم

لم يكن محمد رضا بهلوي مجرد ملك بالنسبة لأميركا وإسرائيل، كان ملك الملوك. فإيران البهلوية شكلت رأس حربة في المشروع الغربي عن سابق إصرار وتصميم. في رأي الشاه، سياسة عدم الإنحياز هي وصفة سحرية للسقوط. رأى والده يُجبرعلى التنحي بعد الغزو السوفياتي البريطاني لإيران عام ١٩٤١، واختبر حافة الخلع من العرش مع محمد مصدق.

انحاز الشاه بكل ما لديه غربأ، لكن ذلك لم يمنع عنه السقوط. لذا، عندما جاء روح الله الخميني إلى إيران بداية عام ١٩٧٩، لم يكن بدوره مجرد قائد ثورة، كان صاحب دين جديد في السياسة على مستوى العالم. مسار كسر السردية السائدة لخطاب الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. لم يشعر العالم بإرهاصات هذه التحول مباشرة، ففي غمرة التغييرات العالمية، وبينما الجمهورية الإسلامية الوليدة تصنع مساحات تأثيرها الممتد، كانت بصمتها تعيد تشكيل النقاش على مستوى العالم. هذه المرة الأولى التي يصعد نموذج سياسي ديني بهذه التركيبة، وهذا النموذج بدأ يصنع لنفسه امتدادا وإن ببطئ سيؤسس مع الوقت لإمبراطورية فكرة. كان الغرب في بدايات الثورة ينتظر عودة إيران إلى الحظيرة. “خسارة إيران” من خلال مركزية التفكير الأميركية، كان حدثا جللا، فهي لم تغادر تحالفا فحسب، لم تبدّل التموضع، هي راكمت على مدى نصف قرن حالة مواجهة على النمط القرطاجي، يتسع ببطء لكن بثبات. من لبنان الثمانينات، إلى دعم الفصائل الفلسطينية في التسعينات، وعراق ما بعد صدام وأفغانستان بدايات القرن، وسورية والنفوذ في المنطقة في العقد الثاني منه، بالتزامن مع برنامج نووي مثير للجدل، وتطوير مشروع صاروخي ولاحقا مشروع فضائي طموح.

في العنوان الكبير، نظّر مؤسس الجمهورية أية الله الخميني لمقارعة الإستكبار. هكذا صنع له حضورا ممتدا من إيران إلى غير مكان. لبنان كان نقطة انطلاق وثقل، لكن لبنان لم يحدث بخطة، صنعته الفرصة وهكذا بعد أقل من ثلاثة أعوام على الثورة، أصبحت إيران عمليا على حدود فلسطين. ما تحقق في لاحق السنين وما تراكم من نزاع بين إيران والعرب، وصعود الشحن الطائفي والإقتتال، غيّب عن المنطقة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، لقد صنعت إيران بين المنطقة وإسرائيل فاصلا آمنا جعل الدول العربية تتوهم للحظة أن الخطر الإسرائيلي ثانوي، وأن التطبيع ممكن، وأن العدو الأول هي إيران. بدورها، غرقت إيران أكثر في الساحات التي عملت فيها والتي رفدت تماسها مع إسرائيل، غرقت في الشؤون الداخلية ولم تعر إهتماما للأصوات المعترضة. أولوية الحضور والمواجهة قدمتها على كل شيء، فتحول بعض حلفائها، كما في حالة سورية قبل سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد، عبئا ماليا ومعنويا وسياسيا وطائفيا.

لقد صنع التغافل العربي عن إسرائيل، والتوتر المستمر مع إيران، طبقة سميكة فوق حساسات الأمن الإقليمي والأمن القومي للدول. الإنكفاء الإيراني اليوم بعد نتائج حرب غزة أزال الغبرة. لا يعني هذا أن العلاقة مع إيران تغيّرت نحو الأفضل، ربما تحسنت ظاهريا، لكن الأصل أن تشخيص الأخطار الأخرى، بما في ذلك وبشكل أساسي الخطر الإسرائيلي، أضحى أكثر واقعية، في ظل اهتزاز السور الذي كان يفصل بين هذه الدول وبين إسرائيل، وحتى بينها وبين بعض السياسات الأميركية التي لم تُكن تُقرأ بذات الواقعية التي تُعالج بها اليوم .
لذلك نجد اليوم قلقا اقليميا واضحا من أي اهتزازا قد يصيب داخل إيران، لا حبا بها إنما خشية من مستقبل قاتم سيعيد انتاج نظرية “تحالف محيط إسرائيل” التي نظّر لها ديفيد بن غوريون والتي انتجت مثلثا حليفا للدولة اليهودية كان قوامه في الستينات من القرن الماضي، تركيا العلمانية وإيران الشاه وأثيوبيا. كما انها تجلت في تحالفات مبكرة مع مكونات تشكل اقليات أو في حالة مواجهة في الدول العربية، كالكرد في العراق، أو المتمردين حينها في جنوب السودان، واليمين المسيحي في لبنان. ولأن المنطقة اليوم هي في الأصل وسط صراع موازي بين اتجاهين، تقسيمي من جهة، وآخر يفضل استعادة الإستقرار، فإن الأرض خصبة لتطبيق النظرية. وليس ما حدث في ما يسمى ب “دولة أرض الصومال” قبل أسابيع إلا مثالا بينا على ذلك.

ما يحدث اليوم في إيران تراكمي داخليا كما جاء في المقال السابق. لكنه تراكمي في مساحة الصراع الخارجي أيضا، ولا يمكن فصل هذا عن ذاك، لا سيما وأن هناك صوت مرتفع لدى من ينادون باسقاط النظام باستدعاء التدخل الدولي والقطيعة مع كل ما هو مرتبط بالثقافة الإسلامية وإيران ما بعد الفتح الإسلامي. هؤلاء يريدون فراقاً قاسيا واصطفافاً جديدا يعيد إنتاج صورة ايران السابقة لتصبح نسخة أكبر وأكثر تأثيراً عن أذربيجان أو غير دولة من هذا النسق. بالنسبة لكثير ممن يريدون هذا المسار، الصورة القادمة المتخيلة لما بعد التحول نحو المحور الأميركي تصبح طهران كدبي أو باكو، ربما لم يأتهم حديث بغداد بعد الغزو الأميركي.
في شوارع طهران هناك من يتظاهر وهو يرغب في تحقيق مطالب اقتصادية واجتماعية، وهناك من يريد إسقاط النظام، وبينهم من يحلم بالانفصال في دولة عرقية خاصة، وكذلك من يريد الحلول كإيديولوجيا مكان الجمهورية الإسلامية كجماعة خلق. لكن الواجهة يجري هندستها خارجيا لرضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، الذي يقدم نفسه كمحيي إيران الملكية وجسر العودة الغربية الإسرائيلية إلى بلاد فارس، ورأس حربة العلمانية الليبرالية في مواجهة رجال الدين. لا يريد رضا بهلوي أن يكون نسخة أخرى عن والده، بل خميني بلا عمامة ولحية، مفجّر ثورة من نوع آخر وملهم تحوّل اقليمي عميق.

التحول من مقلب إلى آخر وإنتاج نظام جديد هو بالنسبة لرضا بهلوي ومن يتقاطعون معه هو السيناريو الأسلم، لكنه ليس الأكثر ترجيحا. فالمعركة على غير العادة تبدو واضحة جدا، ولا تقبل القسمة ولا التسويات. والنظام لم يحرّك بعد كتلته الصلبة من العقائديين، هنا لا نتحدث عن الحرس والبسيج والمنضوين في المؤسسات العسكرية والأمنية. نتحدث عن كتلة ترى في الجمهورية الإسلامية آخر قلاع التشيّع الإثني عشري ودولة التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر. هذا الحيز من المجتمع من الصعب أن تدرك فاعليته دون الاحتكاك به. بالأرقام، جزء من هؤلاء يتقاطعون مع النظام في الأهداف وقد يختلفون لحظيا في السياسة ك ١٣ مليون صوتوا لسعيد جليلي في الانتخابات الرئاسية، رغم كونه المرشح غير المستساغ من النظام والحرس الثوري. من يصوّت لسعيد جليلي يعرف لماذا يذهب إلى الصناديق ليضع رأيه.

انصار جليلي يرفضون أي نوع من التسوية مع الغرب، وهم قادوا الحملة لاسقاط الاتفاق النووي وخونوا كل من تفاوض مع الاميركيين.
‏هؤلاء يشكلون شريحة مهمة، وهناك قطاعات اخرى مختلفة في المسار السياسي والعقائدي، لكنها تتقاطع في اعتبار سقوط النظام خطا أحمراً. فقبل أيام فقط سمعنا من النقيض تماما للتيار الذي يمثله جليلي، الرئيس الأسبق محمد خاتمي، سمعنا موقفا واضحا تجاه فكرة تغيير النظام، حيث نقل عنه قوله “إذا زال هذا النظام بكل نواقصه وعيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة مما هو عليه اليوم. فالنزعات الانفصالية، والتدخل الخارجي، والاختراقات، ستؤدي إلى تدمير إيران”.
المحدد الديني ليس وحده الحاكم هنا، اشارة خاتمي تذهب بعيدا إلى أصل وجود إيران ووحدتها. لكن التيار المتدين بشكل عام يرى في سقوط النظام تحويلا لعجلة التاريخ في الاتجاه الذي كان عليه سابقا، بكلام آخر يعود الشيعة إلى مساحة التبليغ الديني وتحت سطوة الحاكم اي كان. بالنسبة للشرائح المؤيدة للجمهورية الإسلامية، على اختلافها، هناك قناعة بأن سقوط النظام هو سقوط فردي لكل واحد منهم. ولعلهم في ذلك يعودون مجددا إلى قول الخميني عندما سُئل عن مواجهة الخطر على النظام، حيث قال “إن حفظ الجمهورية الاسلامية هو من أوجب الواجبات بل وأهم من الحفاظ على حياة شخص واحد ولو كان إمام العصر (الإمام المهدي).”

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: