إيران والاحتجاجات: ما الذي يختلف هذه المرّة؟
لاحظ الباحث الأميركي ولي نصر أنّ السلطات الإيرانية تصرّفت بشكل مختلف هذه المرّة مع الاحتجاجات الشعبية، مقارنةً بما كان يحدث سابقًا، مُرجعًا ذلك لسلسلة ظروف اقليمية وعالمية.
وفي مقال له في “بروجكت سندكايت”، أشار نصر إلى أنّ ما حصل مؤخّرًا في فنزويلا يؤثّر أيضًا على القادة الإيرانيين، محذّرًا من اتخاذ إيران إجراءات عسكرية استباقية في حال شعورها بهجوم وشيك.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:
خرج الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجًا على انهيار العملة الوطنية وارتفاع التضخّم، ودعا كثيرون إلى إنهاء الجمهورية الإسلامية، إلا أنّ رد فعل الحكومة اختلف عن موجات الاضطرابات السابقة.
فبينما سارع حكّام إيران إلى قمع الحركة الخضراء عام 2009 وانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، كانت قوّات الأمن بطيئة في رد فعلها مع تصاعد حدّة الاحتجاجات الحالية.
وبدلًا من القمع الوحشي، استجاب الرئيس مسعود بزشكيان في البداية بإجراء إصلاحات تقشّفيّة لتوفير الأموال اللازمة لدعم الفقراء.
لكنّ هذا الحل المؤقّت لم يصمد. فبينما هدأت حدّة التوتّر لدى الفقراء، تحمّلت الطبقات المتوسّطة في المجتمع العبء، وانضمّت إلى الاحتجاجات بأعداد أكبر. وما بدأ كتعبير عن السخط الاقتصادي سرعان ما تحوّل إلى انتفاضة سياسية. ولم يلجأ النظام إلى القمع الجاد إلا بعد اندلاع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في 8 كانون الثاني/ يناير.
لماذا كان رد الفعل على المعارضة السياسية مختلفًا هذه المرّة؟
تجري الاحتجاجات الحالية في ظل حرب إيران مع إسرائيل التي استمرت 12 يومًا في حزيران/ يونيو الماضي. ولا يزال المسؤولون الإيرانيون يعانون من تداعيات الصراع، ويعملون على افتراض إمكانية استئنافه في أي لحظة.
ويُعدُّ هذا التهديد أكبر من الاضطرابات السياسية الداخلية، لأنّ سحق إسرائيل لحزب الله وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا قد تركا إيران بلا رادع يُذكر ضدّ التدخّل الأجنبي.
ومما يزيد الطين بلّة، أنّ إيران لم تعد قادرة على منع الجهات الخارجية من تأجيج السخط الشعبي في الداخل. فخلال حرب حزيران/ يونيو 2025، احتشد الإيرانيون حول العلم، ورد النظام بتخفيف تطبيق القواعد الدينية، ولا سيّما ما يتعلّق بالحجاب، لكنّ الاحتجاجات الحالية تطرح معضلة: فالقمع المفرط قد يقوّض التفاهم الهش الذي بناه النظام مع الشعب بعد الحرب، بينما السماح لها بالتفاقم قد يستدعي تدخّلًا أجنبيًا.
وكان تدهور الاقتصاد الإيراني عاملًا حاسمًا أيضًا، فقد تسبّب مزيج من سوء الإدارة، الفساد والعقوبات القاسية بتضخّم وبطالة متفشّية، مما أدى إلى إضعاف الطبقة الوسطى بشكل مطّرد وتوسيع نطاق الفقراء الذين يعانون من ضائقة مالية.
وقد ساهمت حرب حزيران/ يونيو بتسريع هذه الاتجاهات. ففي الأشهر الستة التي تلتها، فقد الريال أكثر من 40% من قيمته، وارتفع التضخّم بنسبة تصل إلى 60%. ومع افتراض الكثيرين أنّ إعاقة البرنامج النووي الإيراني قد قلّلت من قدرتها على التفاوض بشأن تخفيف العقوبات، سرعان ما تبع ذلك هروب رؤوس الأموال.
وهكذا، يرى حكّام إيران أنّ الأزمة الاقتصادية التي دفعت المتظاهرين إلى الشوارع متشابكةٌ بعمق مع التهديد الخارجي الذي يواجه البلاد، فهم يتذكّرون أنه خلال حرب العام الماضي، دعت إسرائيل الإيرانيين العاديين إلى الثورة. وقد حسب الإسرائيليون أنّ تصفية عشرات من كبار القادة العسكريين وإلحاق الضرر بالمؤسسات العسكرية والأمنية سيشجّع الشعب الإيراني الساخط على الانتفاض وإسقاط الدولة المحاصرة. وعندما لم يحدث ذلك، كان قادة إيران أوّل من أقرّ بأنهم نجوا من الحرب بفضل شعبهم. لكن اتضح لهم أيضًا أنّ الانتفاضة الشعبية كانت جزءًا من استراتيجية إسرائيل الحربية، وهذا الإدراك هو ما يُفسّر نظرتهم إلى الاحتجاجات الحالية.
وتأكّدت هذه الشكوك عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخّرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنّ الولايات المتحدة “مستعدّة تمامًا” للتدخّل “لإنقاذ” المتظاهرين الإيرانيين من حملة قمع عنيفة. لا يكمن الخطر الحقيقي للاحتجاجات فيما يمكن للإيرانيين تحقيقه بمفردهم، بل في إمكانية استخدامها لتبرير عمل عسكري أميركي ضد إيران.
وتتجلّى أوجه التشابه الواضحة مع ليبيا وسوريا خلال الربيع العربي، عندما استندت الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية إلى “مسؤولية حماية” المتظاهرين لتبرير التدخّل العسكري. وسرعان ما تحوّلت هذه الانتفاضات الشعبية إلى جهود لتغيير النظام بقيادة أجنبية، مما أدّى في نهاية المطاف إلى حرب أهلية وانهيار الدولة.
ومن الجدير بالذكر أنّ الحرس الثوري الإسلامي الإيراني يضمّ عددًا كبيرًا من قدامى المحاربين في الصراع السوري، الذين شهدوا بأنفسهم كيف يمكن للاحتجاجات السلمية المدعومة خارجيًا أن تُشعل حربًا أهلية بسرعة.
إنّ ضرورة تجنّب مصير ليبيا وسوريا هي الدافع الرئيسي وراء عمليّة صنع القرار الإيراني اليوم.
ثمّة عامل آخر في تفكير القادة الإيرانيين، وهو أسر الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وكما هو الحال مع سائر دول العالم، شعر حكّام إيران بالذهول. لم يكن هذا النوع من تغيير الأنظمة مماثلًا لما نفّذته الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق مطلع الألفية، وما سعت إليه في ليبيا وسوريا بعد عقد من الزمن. فبدلًا من إرسال قوّات أو الدعوة إلى بناء الدولة، أبقت إدارة ترامب على هيكل السلطة التشافيزي قائمًا، مطالبةً إياه بالخضوع للسيطرة الامبريالية الأميركية أو مواجهة الخنق الاقتصادي.
هل يمكن للولايات المتحدة أن تتبنّى استراتيجية مماثلة ضد الجمهورية الإسلامية؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تحاول شن ضربة عسكرية دقيقة لاغتيال القائد الأعلى الإيراني وكبار القادة السياسيين والعسكريين، والاستيلاء على ناقلات النفط الإيرانية في أعالي البحار، ثم مطالبة ما تبقّى من الجمهورية الإسلامية بالاستجابة لمطالبها (والتي تشمل التخلّي عن برامجها النووية والصاروخية وتسليم السيطرة على مواردها الطبيعية).
حتى من دون اغتيال القادة الإيرانيين، فإنّ استراتيجية أميركية تتمثّل في القصف ومنع صادرات النفط كفيلة بإخضاع النظام.
في مواجهة هذه السيناريوهات، كان رد إيران الفوري هو الإشارة إلى التكاليف المحتملة للعدوان الأميركي. ففي السادس من كانون الثاني/ يناير، عدّل مجلس الدفاع الإيراني موقفه الاستراتيجي، معلنًا إنً إيران قد تتّخذ “إجراءات استباقية” إذا واجهت “مؤشّرات موضوعية للتهديد”.
ورغم أنّ توجيه ضربة استباقية لأهداف أميركية في الشرق الأوسط سيؤدّي حتمًا إلى حرب لا ترغب بها إيران، وقد يكون نهاية النظام، إلا أنّ الجمهورية الإسلامية لا تستطيع أن توحي بأنّ هزيمتها ستكون بلا ثمن.
وحتى لو تمكّنت إيران من تجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وحتى لو هدأت موجة الاحتجاجات الحالية، فإنّ اقتصاد البلاد في حالة تدهور مستمرّ. ويعني ذلك أنّ الغضب الشعبي سيزداد على المدى المتوسّط والطويل. فالجمهورية الإسلامية في مأزق حقيقي، إذ تُحاصرها التهديدات الخارجية من الولايات المتحدة وإسرائيل، والتهديدات الداخلية المتمثّلة في انتفاضة شعبية عارمة. ولا مفرّ من هذا المأزق. صحيح أنّ الانهيار التام للجمهورية الإسلامية ليس وشيكًا بالضرورة، إلا أنّ الثورة الإيرانية تقترب من نهايتها.

