الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة29 ديسمبر 2025 20:30
للمشاركة:

احتجاجات في أسواق طهران بعد قفزات الدولار 

شهدت العاصمة الإيرانية طهران خلال اليومين الماضيين احتجاجات وتجمّعات نفّذها تجّار وأصحاب محال، ولا سيما في سوق الهواتف المحمولة، وذلك احتجاجًا على الارتفاع الحاد والمتسارع في سعر صرف الدولار، وما ترتّب على ذلك من اضطراب واسع في حركة الأسواق، وشلل شبه كامل في آليّات التسعير والتبادل التجاري.

ورغم أنّ هذه التحرّكات اتخذت طابعًا اقتصاديًا، إلا أنّ تزامنها مع تصاعد الخطاب الرسمي عن “الحرب النفسية” و”المؤامرة الخارجية”، إضافة إلى تضارب التصريحات بشأن مصير محافظ البنك المركزي، منحها أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حدود الاحتجاجات المطلبيّة التقليديّة.

علاء الدين… الشرارة الأولى

وبحسب وكالة “إيسنا” الإيرانية، بدأ التحرّك الاحتجاجي، أمس، بتجمّع عدد من تجّار وباعة الهواتف المحمولة في مجمع علاء الدين التجاري وسط طهران، حيث تمّ إغلاق محال عدّة، واحتشد المحتجّون في شارع الجمهورية، معربين عن غضبهم من التقلّبات الحادّة في سعر الصرف.

وأكد المحتجون أنّ الارتفاعات المتلاحقة في سعر صرف الدولار جعلت من المستحيل تسعير السلع أو إبرام أي صفقة تجارية آمنة، حيث باتوا عاجزين عن تعويض البضائع المباعة، بسبب تغيّر الأسعار خلال ساعات قليلة.

ووفق “إيسنا”، انتهى التجمّع بعد أقلّ من ساعة، عقب حوارات جرت مع المحتجّين، لتعود الأوضاع إلى طبيعتها من دون تسجيل احتكاكات أمنية.

اتساع الاحتجاجات في اليوم التالي

في اليوم التالي، لم تبقَ التحرّكات محصورة في علاء الدين، إذ سُجّلت تجمعات أخرى في محيط مجمع “چهارسو” التجاري، وشارع لاله‌ زار، إضافة إلى مناطق من السوق الكبير في طهران، من سبزه‌ ميدان إلى باب همایون.

وأظهرت مشاهدات ميدانية نقلتها وسائل إعلام محلية، بينها “إيلنا”، إغلاق جزئي للمحال، وامتناع عدد من التجّار عن البيع، مع ترديد شعارات تعبّر عن استياء من الوضع الاقتصادي العام، وليس فقط من أسعار الصرف.

وأكد تجّار تحدّثوا مع وسائل إعلامية أنّ المشكلة لم تعد تتعلّق بتراجع الأرباح، بل بـ”استحالة الاستمرار في العمل”، في ظل غياب أي أفق لاستقرار الأسعار أو وضوح في السياسات النقدية.

الدولار.. العامل الحاسم

وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت تجاوز فيه سعر الدولار في السوق الحرّة حاجز 140 ألف تومان، مسجّلًا مستويات غير مسبوقة، مما انعكس مباشرة على أسعار الهواتف المحمولة، الالكترونيّات وسلع أخرى مرتبطة بالاستيراد.

ويرى اقتصاديون أنّ الخطر لا يكمن فقط في مستوى السعر، بل في وتيرة التغيّر السريع، إذ يمتنع التجّار عن البيع خوفًا من الخسارة، يؤجّل المستهلكون الشراء انتظارًا لهدوء السوق، تتآكل الثقة بين البائع والمشتري وترتفع الحاجة إلى السيولة نحو مستويات تفوق قدرة كثير من المحال.

تحذيرات رسمية من “الفضاء النفسي”

في المقابل، حذّر نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية علي أكبر بورجمشيديان من تأثير ما وصفه بـ”الفضاءات النفسية” على سوق الصرف.

وفي تصريح لوكالة “إيسنا”، أضاف بورجمشيديان أنّ جزءًا كبيرًا من تقلّبات سوق العملات “ناتجٌ عن أجواء نفسية مصطنعة”، مشدّدًا على أنّ “العدوّ يسعى لاستغلال هذه الأوضاع لإرباك السوق”.

ودعا بورجمشيديان المواطنين والتجّار إلى الصبر وعدم الانجرار وراء “الإيحاءات النفسية”، مذكّرًا بأنّ السلع متوفّرة في البلاد، ولا توجد أزمة في المعروض، وأبأنّ الحكومة ومجلس الشورى يعملان على احتواء التقلّبات.

عراقتشي: ما يجري ليس منفصلًا عن الضغوط الخارجية

في سياق متّصل، تناول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي الاضطرابات الاقتصادية، وما وصفه بمحاولات خارجية لزعزعة الاستقرار الداخلي، حيث أكد أنّ استثمار الضغوط المعيشية وتحويلها إلى توتّر اجتماعي “يدخل في إطار مؤامرة معروفة”.

ولفت عراقتشي إلى أنّ الحكومة تتابع تطوّرات السوق بالتوازي مع المسارات الدبلوماسية، منبّهًا إلى أنّ إثارة القلق في الأسواق لا تخدم مصالح المواطنين.

شائعة الاستقالة.. وتصريح رسمي

بالتوازي مع الاحتجاجات، شهدت الأسواق تفاعلًا لافتًا مع أنباء متضاربة عن استقالة محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضى فرزین.

ونفت العلاقات العامة في البنك المركزي الأخبار الواردة عن تقديم رئيس البنك المركزي استقالته، لكنّ موقع “خبر أونلاين” نقل عن مساعد شؤون الاتصال والإعلام في مكتب رئيس الجمهورية، مهدي طباطبائي، قوله إنّ استقالة فرزين طُرحت فعليًا، منوّهًا إلى أنّه “من الممكن أن يوافق الرئيس على هذه الاستقالة”. ونقلت وكالة “فارس” عن طباطبائي إعلانه أن الرئيس بزشكيان سيعين في هذا المنصف وزير الاقتصاد السابق في حكومته ورئيس البنك المركزي في حكومة روحاني عبد الناصر همتي. 

سوق شديد الحساسية

ويرى محللون أنّ سوق الصرف بات يتفاعل بشكل مباشر مع أي خبر يتعلّق بمصير قيادة البنك المركزي، حيث تمّت ملاحظة التالي:

  • تداول شائعة الاستقالة ترافق مع تراجع نسبي في سعر الدولار
  • نفي الاستقالة أعقبه ارتفاع جديد في سعر الصرف
  • الإشارة الرسمية إلى احتمال قبول الاستقالة أعادت السوق إلى حالة ترقّب حاد

ويعكس هذا السلوك، وفق خبراء، أزمة ثقة عميقة في قدرة السياسات النقدية الحالية على كبح جماح الدولار، خصوصًا مع تسجيل الدولار ارتفاعًا بنحو 34% خلال أقل من شهرين.

تحذیرات من انتقال الاحتجاجات

في هذا الإطار، حذّر عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني أحمد بخشایش أردستاني من أنّ تجاهل الاحتجاجات الاقتصادية قد يؤدّي إلى انتقال المطالب من الإطار الاقتصادي إلى السياسي، مؤكدًا على ضرورة الاستجابة السريعة للمطالب المعيشية، وضبط سوق الصرف، لمنع تفاقم التوتر الاجتماعي.

ومع استمرار ارتفاع الدولار، وتضارب المواقف الرسمية بشأن قيادة البنك المركزي، يرى مراقبون أن قدرة الجهات المسؤولة على استعادة الثقة النقدية هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستظلّ محدودة، أم ستتحوّل إلى موجة أوسع يصعب احتواؤها.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: