الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة28 ديسمبر 2025 16:44
للمشاركة:

كيف عكست موازنة إيران الجديدة الإنفاق العسكري وتوقّعات بيع النفط؟

قدّمت الحكومة الإيرانية مشروع موازنة عام 2026 إلى البرلمان في ظل ظروف استثنائية، تتقاطع فيها تداعيات الحرب التي وقعت عام 2025 واستمرار العقوبات الاقتصادية وتراجع الإيرادات النفطية.


وقد أثارت الموازنة الجديدة نقاشًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والسياسية، خصوصًا بما يتعلّق بحجم الإنفاق العسكري ومدى واقعيّة تقديرات الدخل النفطي، باعتبارهما من أكثر البنود حساسيةً وتأثيرًا على الاستقرار المالي للدولة.

الإنفاق العسكري: توازن محسوب بعد حرب 2025

في هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الدولية سيد مهدي طالبي إنّ تقديم مشروع الموازنة جاء وسط توقّعات بارتفاع كبير في النفقات العسكرية عقب الحرب التي استمرت 12 يومًا عام 2025، إلا أنّ الأرقام الواردة في المشروع تعكس توجّهًا أكثر حذرًا، حيث صرّح: “رغم الحرب والتهديدات الأمنية، لم تتّجه الحكومة إلى تضخيم الإنفاق العسكري، بل صاغته بشكل متوازن يراعي الوضع الاقتصادي العام”.

وبحسب مشروع الموازنة، بلغ إجمالي الاعتمادات المخصّصة للمؤسّسات الأمنية والعسكرية نحو 10.3 مليارات دولار، إلا أنّ طالبي أوضح إنّ هذا الرقم لا يعكس الإنفاق العسكري الصرف، لكونه يشمل مؤسّسات ذات طابع أمني وإداري.

وتابع: “عند احتساب ميزانيّات وزارة الدفاع، الحرس الثوري، الجيش وهيئة الأركان العامة فقط، ينخفض الرقم إلى نحو 7.9 مليارات دولار”.

نسبة الإنفاق العسكري من الموازنة العامة

تُقدَّر الموازنة العامة للحكومة الإيرانية في عام 2026 بنحو 61 مليار دولار. وبناءً على ذلك، تشكّل النفقات الأمنية والعسكرية مجتمعة نحو 16٪ من إجمالي الموازنة، بينما لا تتجاوز النفقات العسكرية البحتة 13%.

ويرى طالبي أنّ هذه النسبة “تقع ضمن الحدود الطبيعية عالميًا”، مؤكدًا أنّ “هذه الأرقام لا تشير إلى عسكرة الاقتصاد، بل إلى استمرار العقيدة الدفاعية الإيرانية”.

كما شدّد طالب على أنّ المبالغ المدرجة في الموازنة لا تُصرف بالضرورة كاملة، إذ تخضع لقرارات تخصيص مرحلية من قبل منظمة التخطيط والموازنة خلال السنة المالية.

الحرب غير المتكافئة: كلفة منخفضة وتأثير مرتفع

وفي تقييمه لتجربة حرب 2025، أشار طالبي إلى أنّ طبيعة الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، القائمة على الردع غير المتكافئ، مكّنت طهران من تحقيق تأثير عسكري ملموس بكلفة محدودة.

وبحسب الأرقام: أنفقت إسرائيل نحو 593 مليون دولار يوميًا، بإجمالي تجاوز سبعة مليارات دولار خلال 12 يومًا.

في المقابل، بلغت كلفة العمليّات الهجومية الإيرانية نحو 92 مليون دولار فقط، وقد شملت شملت إطلاق 591 صاروخًا، بمتوسّط 120 ألف دولار للصاروخ، 1050 طائرة مسيّرة بمتوسّط 20 ألف دولار للمسيّرة.

وعلّق طالبي: “كان الفارق الكبير في الكلفة عاملًا حاسمًا في دفع الطرف الآخر نحو وقف إطلاق النار ومنع توسع المواجهة”.

الإيرادات النفطية: واقعيّة قاسية في موازنة 2026

على الصعيد الاقتصادي، تُعدُّ تقديرات الإيرادات النفطية من أبرز التحوّلات في موازنة عام 2026، حيث خفّضت الحكومة توقّعاتها بشكل ملحوظ مقارنة بالعام السابق.

وفي هذا السياق، قال الخبير في شؤون الطاقة محمد صالحي: “كانت تقديرات بيع النفط في الموازنات السابقة بعيدة عن الواقع، بسبب العقوبات وصعوبات نقل العائدات، حتى مع الخصومات الكبيرة”.

وبحسب مشروع الموازنة الجديدة، انخفضت الإيرادات النفطية المتوقّعة من نحو 7.1 مليارات دولار في موازنة 2025 إلى نحو 3.1 مليارات دولار في موازنة 2026، أي بتراجع يتجاوز 50٪.

ويرى صالحي أنّ هذا التوجّه “يساهم في تقليص فجوة العجز، والحد من اللجوء إلى التمويل التضخّمي”.

المقايضة النفطية: بديل اضطراري غير دائم

ولفت صالحي إلى التوسّع الحكومي في سياسة مقايضة النفط بالمنتجات النفطية والسلع الأساسية، لتعويض نقص الإيرادات النقدية، وتابع: “أتاحت المقايضة للدولة تأمين بعض الاحتياجات الداخلية، وخفّفت الضغط المالي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن التدفّقات النقدية”.

سياسة انقباضية بين الاستقرار والمخاطر

تعتمد موازنة 2026 سياسة انقباضية واضحة، تقوم على:

  • خفض النفقات الجارية غير الضرورية
  • تقليص الاعتماد على النفط
  • إدارة أكثر تحفّظًا للموارد المالية

لكن صالحي حذّر من تداعيات هذه السياسة بالقول: “قد يؤثّر خفض الإنفاق الاستثماري سلبًا على النمو الاقتصادي وفرص العمل إذا لم يترافق مع سياسات دعم للقطاعات الإنتاجية”.

كما تعكس موازنة إيران لعام 2026 محاولة دقيقة للتوازن بين الضرورات الأمنية والقيود الاقتصادية، حيث لا تُبنى حساباتها على إيرادات نفطية غير مضمونة، ولا انزلاق إلى إنفاق عسكري مفرط رغم التجربة العسكرية الأخيرة.

ويخلص الخبراء إلى أنّ هذه الموازنة قد تساعد في ضبط العجز والحفاظ على الاستقرار المالي، إلا أنّ نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الحكومة على التنفيذ الفعلي، وتجنّب تحميل المجتمع كلفة اجتماعية إضافية.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: