ظريف في “فورين أفيرز”: كيف يمكن لواشنطن وطهران كسر الجمود النووي؟
يعتبر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف والباحث الإيراني اميرپارسا گرمسیری أنه يمكن إيجاد سبل للحوار والتعاون - ولو على المدى القصير - بين طهران وواشنطن، مشيرًا إلى أنّ مخاوف إيران تبقى مبرّرة نتيجة السياسة الغربية المتّبعة معها خلال عقود ماضية.
وفي مقال مطوّلٍ لهما نشرته مجلّة “فورين أفيرز” الأميركية، يشجّع ظريف وگرمسیری بلادهما على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى اتخاذ إجراءات لرفع الرصيد الاجتماعي للنظام السياسي والحكومة، سعيًا لموقف أقوى في مواجهة التهديدات الخارجية.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:
في العلاقات الدولية المعاصرة، لا يقتصر الأمن على كونه مطلبًا تسعى إليه الدول لنفسها فحسب، بل هو أيضاً مفهوم تستخدمه لتبرير السيطرة على سلوك الآخرين وتقييده وتوجيهه. فعندما يتحدث علماء السياسة عن “التأمين”، فإنهم يشيرون إلى عملية يتمّ من خلالها تصوير قضية معيّنة على أنها تهديد وجودي يبرّر اتخاذ تدابير استثنائية، بدلًا من كونها قضية يمكن للحكومات معالجتها عبر السياسات المعتادة.
تُعدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى مدى العقدَيْن الماضيَيْن، سعت إسرائيل والولايات المتحدة جاهدتَيْن لإقناع العالم بالتوقّف عن معاملة إيران كدولة عادية، والتعامل معها بدلًا من ذلك باعتبارها الخطر الأكبر في النظام الدولي.
وقد أسفر ذلك عن إدانات متواصلة، عقوبات قاسية وتهديدات بالعمل العسكري، ومؤخّرًا، عمليّات عسكرية ضد أراضيها، نُفّذت خلال مفاوضات دبلوماسية بين طهران وواشنطن.
وردّاً على ذلك، اضطرّت إيران إلى تخصيص المزيد من الموارد والاهتمام للدفاع. كما زادت من تخصيب اليورانيوم في تحدٍّ واضح، لتُظهر أنها لن تخضع للضغوط. وقد غذّى هذا التوجّه الأمني الخارجي لإيران ديناميكيّة مماثلة في الداخل، حيث تبنّت الدولة نهجًا أكثر صرامة في التعامل مع التحدّيات الاجتماعية الداخلية، وردّت على هذه التحدّيات بفرض قيود أشدّ.
والنتيجة هي حلقة مفرغة من التسييس الأمني: دوّامةٌ خبيثة يشعر فيها كلٌّ من إيران وخصومها بأنهم مضطرّون لتبنّي سياسات أكثر عدائية ردًا على سلوك الآخر.
تُشبهُ هذه الظاهرة إلى حدٍّ ما معضلة الأمن، حيث يدفع قرار حكومة ما بتعزيز قدراتها الحكومات الأخرى إلى فعل الشيء نفسه. ولكن في معضلة الأمن، يتفاعل كلُّ طرف مع الزيادات المادية في قدرات الطرف الآخر.
تبدأ هذه الحلقة بالخطاب. يُصوَّرُ البلدُ المستهدف على أنه تهديد، ثم يُعامل على هذا الأساس. وردًا على ذلك، يلجأ هذا البلد إلى أنشطة – مثل تعزيز قدراته الصاروخية أو زيادة تخصيب اليورانيوم – يمكن استخدامها لتأكيد الادعاء الأوّلي. بعبارة أخرى، تُنتج هذه الحلقة نبوءة تحقّق ذاتها. ينأى البلد المُسيَّسُ أمنيًا بنفسه تدريجيًا عن الاستقلالية، ويصبح عالقًا في سلسلة من ردود الفعل.
لن يكون كسر هذه الحلقة المفرغة بالأمر الهيّن، وسيتطلّب من القوى الأجنبية احترام حقوق إيران وكرامتها، والكفّ عن تشويه سمعة دولة حضارية عريقة، وعن وتهديدها وإكراهها. لكن ثمّة خطوات يمكن لطهران اتخاذها للمساهمة في كسر هذه الحلقة المفرغة من التسييس الأمني. يمكنها البدء بتعزيز الدعم الداخلي، من خلال الإصلاحات الاقتصادية، مما يُعزّز موقفها في المفاوضات الدولية. فالشعب الإيراني أثبت أنه أعظم رصيد لإيران في مقاومة العدوان الأجنبي وردعه.
كما يمكن لطهران إعادة النظر في تركيزها على القوّة الدفاعية المادية – وهو تركيز غالبًا ما يُضخّم تصوّرات التهديد – وإعطاء الأولوية للتعاون والتنسيق، لا سيّما على المستوى الإقليمي. بإمكانها إقامة حوار صريح مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لمعالجة المخاوف المشتركة، وإيجاد سبيل لاستئناف التعاون. كما يمكنها التواصل مع الولايات المتحدة لإدارة خلافاتهما، بدءً من الملف النووي والعقوبات.
تحت ضغط شديد
على مدى العقدَيْن الماضيَيْن، كانت إيران هدفًا لحملة أمنيّة مكثّفة من قبَلِ إسرائيل والولايات المتحدة. وقد عمل الطرفان معًا على بناء ونشر سردية تُصوّر إيران كتهديد وجودي، ليس فقط لمنطقتها، بل للعالم أجمع.
بنيامين نتنياهو، الذي وصف الحكومة الإيرانية بأنها “طائفة مسيحانية متطرفة”، زعم في خطاب ألقاه أمام الكنيست عام 1992 إنّ “إيران على بُعد ثلاث إلى خمس سنوات من امتلاك سلاح نووي”.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من بين العديد من الإهانات، وصف إيران بأنها “مكان شرير للغاية”. لم تمنع سخافة هذه الادعاءات الواضحة أيًا من الطرفَيْن من الاستمرار في الترويج لها والانخراط في سلوك عدائيٍّ متزايد.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية استثنائية على إيران. وقامت إسرائيل، بمساعدة واشنطن، بقصف البنية التحتية الإيرانية وقتل قادتها العسكريين وعلمائها ومدنيين عاديين.
نتيجةً لذلك، اضطرّت إيران إلى تبنّي سياسات عدائية بدلًا من مواصلة خططها الأوّليّة الهادفة. واستجابةً للضغوط الأميركية والإسرائيلية المتزايدة، رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60، وقلّصت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي أعقاب الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة غير المبرّرة، بدأ الإيرانيون العاديون يناقشون ما إذا كان ينبغي تغيير العقيدة الدفاعية الإيرانية لتشمل الأسلحة النووية. واكتسبت الدعوات لإغلاق مضيق هرمز زخمًا متزايدًا. ولولا هذا العدوان، لكانت إيران قد واصلت تعاونها غير المسبوق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، ولركّزت على التعاون الإقليمي الذي دافعت عنه منذ عام 1985.
وأدّى التوجه الأمني في إيران إلى خلق عقلية الحصار، مما يُفضي غالبًا إلى فرض قيود اجتماعية مشدّدة. وتشمل هذه القيود حظر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وإجراءات مراقبة تهدف إلى استئصال الجواسيس والمخرّبين.
لا شكّ أن هذه الإجراءات غير فعّالة في معالجة جذور السخط الداخلي: الصعوبات الاقتصادية، تآكل رأس المال الاجتماعي واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، لكنّها النتيجة الحتمية لفرض عقلية الحصار على بلد ما لعقود.
في حالة طهران، بدأ التوجّه الأمني مع الزعيم العراقي صدّام حسين – الذي شنّ حربًا على إيران لثماني سنوات – ومع أعمال العنف الانفصالية والعمليّات الإرهابية الواسعة النطاق التي أعقبت ثورة 1979.
واستمرّ هذا التوجه بفضل التهديدات والإكراه المستمرِّ من الولايات المتحدة وإسرائيل. في ظلّ هذه الظروف، ستنشغل أي حكومة بالتهديدات الخارجية الحقيقية والمتصوَّرة التي تُهدّد كرامتها واستقلالها.
وتُعدُّ التهديدات الخارجية أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل إيران تواجه هذه الصعوبات. فقد اضطرّت طهران، في نهاية المطاف، إلى زيادة إنفاقها على جيشها، وتقليل إنفاقها على التنمية والرعاية الاجتماعية، نتيجةً لهجمات العراق، إسرائيل الولايات المتحدة عليها.
إضافةً إلى ذلك، أدّت الحرب الاقتصادية التي شنّتها واشنطن ضد إيران – عبر العقوبات القاسية التي فرضها الرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم حملة الضغط القصوى التي شنّها ترامب – إلى انخفاض حاد في قيمة الريال، وتضخّمِ لا يُطاق، وانتشار الفساد للالتفاف على العقوبات.
ومع ذلك، بدلًا من إدراك دورها في إفقار الإيرانيين، عمدت القوى الخارجية إلى تصوير الجمهورية الإسلامية بصورة سياسيّة مُبالغ فيها وانتقائية، باعتبارها منتهِكةً لحقوق الإنسان. وقد أدّى ذلك بدوره إلى تفاقم دوّامة التسييس الأمني، وتقليص قدرة إيران على ممارسة دورها المستقلِّ على الساحة الدولية.
الدولة والمجتمع
لبناء إيران أفضل وعالمٍ أكثر أمانًا، ستحتاج طهران وخصومها إلى إيجاد مخرج من هذه الدوّامة. وما لن ينجح واضحٌ جليّ. فالضغط لم يُقنع إيران بتغيير سلوكها. وبالمثل، لم تُقلّل سياسات إيران الدفاعية – كزيادة تخصيب اليورانيوم – من التهديدات المُتصوّرة. فالتسييس الأمني يعمل في مجال التصوّرات الذهنية لا القدرات المادية.
ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تُصبُّ التدابير الدفاعية التي يتّخذها الهدف في مصلحة القوى المعادية بتعزيز رواياتها. وينطبق ذلك بشكل خاص على الخطاب الاستفزازي، كالتصريحات السخيفة التي أدلى بها سياسيون إيرانيون غير مسؤولين في العقد الثاني من الألفية، والتي زعموا فيها إنّ إيران تُسيطر على أربع عواصم عربية – دمشق، بغداد، بيروت وصنعاء – والتي استخدمتها القوى المُسيّسة لتبرير ضغوطها على إيران.
قد يُوحي ذلك بأنّ طهران عالقة في مأزق لا مفرّ منه، لكنّ التاريخ يُظهر أنها قادرة، عبر دبلوماسية حكيمة، على إيجاد مخرج. فقد تمكّنت إيران من كسر حلقة التسييس الأمني خلال النصف الأول من العقد الثاني من الألفية الثانية، من خلال الحوار مع الولايات المتحدة، والذي تُوِّجَ بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، والتي سعت إلى ضمان عدم تطوير إيران لسلاح نووي مقابل التطبيع الاقتصادي.
وقد غيّر هذا الاتفاق البيئة الدولية لإيران (ولو مؤقّتًا). وأكد مجلس الأمن الدولي هذه الحقيقة في القرار 2231، الذي أعلن إنّ “إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة يُمثّل تحوّلًا جوهريًا في نظرته لهذه القضية”، وأعرب عن “رغبة المجلس بكامل هيئته في بناء علاقة جديدة مع إيران، يعزّزها تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة”.
يعود نجاح إيران في إبرام هذا الاتفاق بالدرجة الأولى إلى الإقبال الكبير على الانتخابات الرئاسية لعام 2013، والتي بدّدت أوهام الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الانهيار الوشيك للجمهورية الإسلامية، وهي أوهام تعود إلى الاضطرابات التي أعقبت انتخابات 2009 في إيران. كما منحت انتخابات 2013 شرعية داخلية لإدارة روحاني الجديدة، التي سعت إلى صون حقوق الشعب الإيراني وحمايتها، عبر الحوار لا المواجهة.
بعبارة أخرى، بدأ كسر حلقة التسييس الأمني من الداخل، من خلال بناء توافق داخلي واسع. بإمكان إيران إعادة بناء هذا التوافق، لكن ذلك يتطلّبُ إقامة حوار وطني بين الجماعات السياسية، الفئات الاجتماعية وعامة الشعب.
لحسن الحظ، تمتلك إيران بالفعل منصّات إلكترونية، أنشأتها منظّمات غير حكومية، يمكن للمواطنين استخدامها لتسجيل شكاواهم بشأن السياسات والبيروقراطيين. كما ترصد هذه المنصّات مدى انتشار هذه الشكاوى. ينبغي على الحكومة تشجيع هذا الإبلاغ، وإلزام الأجهزة الحكومية باتخاذ إجراءات تصحيحية استجابةً لهذه الشكاوى. من شأن ذلك أن يزيد من رأس المال الاجتماعي للحكومة، وبالتالي يمهّد الطريق لتنفيذ سياسات تهدف إلى مواجهة التسييس الأمني.
بإمكان الحكومة الإيرانية تعزيز ثقة الشعب الإيراني بتحسين ظروف معيشة المواطنين. ورغم أنّ الحرب الاقتصادية الأميركية على إيران تحول دون تحقيق تحسينات اقتصادية كبيرة في المستقبل القريب، إلا أنه لا يزال بإمكان الحكومة مكافحة الفساد، تعزيز الشفافية وكبح جماح سلوكيّات استغلال النفوذ الناجمة عن التحايل على العقوبات. من شأن ذلك أن يقلّل من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ويرفع مستوى رضا الشعب، وبالتالي يقلّلُ الحاجة إلى سياسات أمنية داخلية.
حسن الجوار
مع سعي طهران لتعزيز التوافق الداخلي، يمكنها البدء في العمل على تحسين سمعتها الدولية. ينبغي على المسؤولين إعطاء الأولوية لتدابير بناء الثقة التي تركّز على تحسين الحوار مع جيران إيران. على سبيل المثال، يمكنهم متابعة مبادرة “مسعى هرمز للسلام” التي اقترحها الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون وبناء الثقة بين الدول المجاورة لمضيق هرمز الاستراتيجي. كما يمكنهم إنشاء “رابطة حوار غرب آسيا الإسلامية”، التي تهدف إلى استبدال العداء بالودّ، من خلال حوارات بين دول الخليج العربي الثماني، بالإضافة إلى مصر، الأردن، سوريا وتركيا. أو يمكنهم إنشاء “شبكة الشرق الأوسط للبحوث والتطوير النووي”، التي من شأنها إنشاء آليّات اقليمية لضمان عدم الانتشار النووي ونزع السلاح النووي، مع تعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية بين دول المنطقة الرافضة للأسلحة النووية.
تمتلك إيران أكبر قوّةٍ إجمالية في المنطقة، بالإضافة إلى موارد بشرية، طبيعية وجيوستراتيجية هائلة، لذا فمن المنطقي أن تقود هذه المبادرات. كما ينبغي لطهران أن تدرك أنّ قوّتها قد تُثير قلق الآخرين، وبالتالي عليها أن تُحوّل تركيزها من خطاب بناء “إيران قوية” – الذي قد يبدو أحاديّ الجانب ومُهدِّدًا – إلى خطاب بناء “منطقة قوية”. فعلى سبيل المثال، يُمكن للمسؤولين الإيرانيين إعادة صياغة القدرات العلمية والثقافية لبلادهم كموارد تُفيد غرب آسيا بأكملها، بدلًا من اعتبارها دليلًا على نفوذ إيران.
لكن على دول المنطقة الأخرى أن تضطلع بدورها في كسر حلقة التسييس الأمني. ولتحقيق ذلك، ينبغي عليها التركيز على عزل الشخصية الاقليمية الأكثر مسؤولية عن تسييس إيران: نتنياهو. فقد أثبت هو وحلفاؤه أنهم يعتبرون السلام والاستقرار تهديدًا وجوديًا لمصالحهم، وذلك ما يميّزهم عن إيران، التي تأسّست – وفقًا للمادة الثانية من دستورها – على “رفض جميع أشكال القمع، الخضوع للقمع، الهيمنة على الآخرين والخضوع للهيمنة”، و”استخدام العلوم والتكنولوجيا والنتائج المتقدّمة للتجارب الإنسانية وتطويرها”، بما “يحقّق الاستقلال السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي، فضلًا عن المساواة، العدالة والتضامن الوطني”.
يُتيح سلوك إسرائيل الأخير فرصةً للقادة الإيرانيين، فقد أثارت الجرائم المروّعة في غزة استنكارًا عالميًا، وأيقظت الضمائر، متجاوزةً الحواجز الأيديولوجية. لكن قلّما نجد حكوماتٍ أكثر ثباتًا في انتقاد إسرائيل والدفاع عن الفلسطينيين من طهران. لذا، يُمكن للمسؤولين الإيرانيين التعاون مع المنظّمات والمؤسّسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، لتعزيز التعاطف العالمي وبناء إجماعٍ قوي ضدّ الفصل العنصري، الإبادة الجماعية والعدوان.
وبذلك، قد تتمكّن إيران من تحييد، بل وربما عكس، مسارها الأمني. فليس من المنطقي أن تُعامل إيران بتُهم الانتشار النووي، في حين أنّ المُروّج الرئيسي لهذه التهم هو نظامٌ يمتلك ترسانةً نوويةً غير شرعية.
التعايش السلمي
ستظلّ أولوية إيران في سياستها الخارجية هي جوارها. مع ذلك، ينبغي لطهران أن تسعى إلى تعزيز علاقاتها في أماكن أخرى، بما في ذلك التعاون الوثيق مع روسيا.
ويُعدُّ التنسيق مع الصين، القوّة العالمية الصاعدة، ضرورة حتمية. لكن بإمكان طهران أيضًا الاستفادة من تحسين علاقاتها مع أوروبا، وإدارة خلافاتها مع الولايات المتحدة. من شأن ذلك أن يضمن أن تكون إيران شريكًا جادًّا ومتكافئًا وطويل الأمد للصين وروسيا، لا أن تنخرط معهما بدافع اليأس المفروض عليها.
قد يكون من الضروري إدارة الخلافات مع الولايات المتحدة واحتوائها لكسر حلقة التسييس الأمني. ولعلّ واشنطن هي الحكومة الوحيدة التي بذلت جهودًا مماثلة لعزل إيران. (مع أنّ إسرائيل هي من بذلت جهودًا مماثلة لإقناع الولايات المتحدة بالعداء تجاه إيران والإيرانيين). لذا، ينبغي على طهران النظر في إمكانية استئناف الحوار المباشر مع واشنطن على قدم المساواة. يجب إدارة التوقّعات، إذ لا يمكن أن يكون هدف المحادثات استعادة العلاقات الودية بين البلدين. فلدى إيران والولايات المتحدة خلافات مستعصية متجذّرة في الهوية والأيديولوجيا، لا يمكن لأي منهما التنازل عنها بشكل واقعي: فبالنسبة لواشنطن، يشمل ذلك طبيعة المؤسّسة السياسية الثورية في إيران وموقفها من إسرائيل؛ وبالنسبة لطهران، يشمل ذلك دعم واشنطن الأعمى لإسرائيل وحضورها العالمي. ولكن بالاتفاق على الاختلاف في هذه الخلافات الأيديولوجية، يمكن للمفاوضين إيجاد سبل لمنعها من إثارة أزمات لا داعي لها. كما يمكنهم حلّ العديد من خلافاتهم السياسية من خلال الأخذ والعطاء المتبادل.
يتصدّرُ البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية قائمة الأولويّات، وهما المحوران اللذان صُمِّمَ الاتفاق النووي الإيراني لمعالجتهما. يجب على الولايات المتحدة أن تُدرك أنها لا تستطيع القضاء على القدرات النووية الإيرانية الهائلة، إذ إنّ معظمها قدرات محلّية قابلة لإعادة البناء. لكن بإمكان البلدَيْن الاتفاق على هدفَيْن مشتركَيْن: ألا تُنتج إيران أسلحة نووية، وألا تُهدّد الولايات المتحدة إيران، أو تُشن حربًا عسكرية أو اقتصادية ضدّها. ولتحقيق هذَيْن الهدفَيْن، يُمكن لإيران أن تُبدي شفافية، وأن تضع قيودًا على التخصيب، وأن تُنشئ آليّة اقليميةً مُحتملة، مثل اتحاد للتخصيب. أما الولايات المتحدة، فعليها رفع عقوباتها والسماح برفع عقوبات الأمم المتحدة.
قد تجد إيران والولايات المتحدة فرصًا للتعاون الفعّال بينهما.
بإمكان إيران تعزيز التوصّل إلى اتفاق من خلال مزيد من الشفافية بشأن برنامجها النووي، عبر التعاون المناسب مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويشعر المسؤولون الإيرانيون بقلق مبرّرٍ من أنّ أيّ معلومات يقدّمونها للوكالة ستُستخدم لأغراض عسكرية، نظرًا لاعتقادهم بتسريب معلومات سرية من الوكالة في الماضي.
كما أساءت إسرائيل استخدام تصريحات مدير الوكالة في حزيران/ يونيو، التي قال فيها إنّ طهران “لم تُجب، أو لم تُقدّم إجابات ذات مصداقية فنية، على أسئلة الوكالة”، لتبرير حملة القصف التي شنّتها في ذلك الشهر.
وبالتالي، يحقّ لإيران أن تطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالالتزام التامّ بإجراءاتها وقواعد سلوكها المتعلّقة بالحياد، الموضوعية، السرية ومراعاة مخاوف الأمن القومي، مقابل استمرار التعاون. ولكن طالما تتمّ إدارة هذه المخاطر، فإنّ فوائد التعاون ستكون مُبرّرة. ومن شأن الشفافية مع الوكالة أن توقف نشر الروايات الأمنية غير المُثبتة عن إيران، وأن تُسهّل التوصّل إلى اتفاق سياسي مع الولايات المتحدة.
إذا ما طبّقت طهران وواشنطن اتفاقًا نوويًا مُحدّثًا، فقد يتمكّن البلدان أيضًا من معالجة قضايا شائكة أخرى، كالأمن الإقليمي، الحدّ من التسلّح ومكافحة الإرهاب. فعلى سبيل المثال، قد يُطلب من إيران التعهّد بعدم مهاجمة الولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة، مقابل ضمانة مماثلة من الولايات المتحدة وشركائها. وقد تتعهّد طهران أيضًا بعدم استخدام قدراتها العسكرية إلا في حالة الدفاع عن النفس ضد أي هجوم مسلح سابق، استنادًا إلى التزام متبادل.
مع ذلك، سيتعيّن على الولايات المتحدة التعامل مع مظالم إيران الأمنية، بما في ذلك وجودها المُهدِّد حول إيران، والتدفّق غير المسبوق للأسلحة الأميركية المتطوّرة إلى المنطقة. ورغم كل مخاوف واشنطن بشأن مشتريات إيران الدفاعية، فإنّ طهران لا تنفق سوى جزء ضئيل مما ينفقه حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة على المشتريات العسكرية، سواءً من حيث القيمة الحقيقية، أو نصيب الفرد، أو النسبة المئوية من الناتج القومي الإجمالي.
قد تجد إيران والولايات المتحدة فرصًا سانحة للتعاون الفعّال بينهما. فإيران، على سبيل المثال، تتمتّع بشبكة جامعية قوية، سكّان ذوي تعليم عالٍ وقطاع خاص مزدهر، تربطه علاقات تاريخية طويلة بالأسواق العالمية. في الواقع، تُعدُّ إيران من أكثر الاقتصادات استقرارًا وربحيةً في العالم، ما يجعلها غير مستغلَّةً بالشكل الأمثل. وبذلك، يُمكن لإيران والولايات المتحدة التعاون في قضايا علمية وتكنولوجية هامة.
وبالمثل، قد تجدان مجالات لتنسيق السياسة الخارجية على المدى القصير. فقد تعاونت طهران وواشنطن، على الرغم من اختلافاتهما الاستراتيجية، في أفغانستان والعراق في السنوات الأولى من هذا القرن، وضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في السنوات اللاحقة. واليوم، يواجهان تحديات مشتركة مجدّدًا في مسائل التطرف، فضلًا عن التهديدات التي تواجه حرية الملاحة. ويمكن أن يصبح هذا التعاون سبيلاً لفضّ النزاعات على الأقل على المدى القصير، إن لم يكن للتنسيق.
كما ستستفيد إيران والولايات المتحدة من بعض التعاون في مكافحة تهريب المخدرات الدولي. وبحكم موقعها على طول طرق العبور الرئيسية للمخدّرات الآتية من أفغانستان، فقد تحمّلت إيران نصيبًا غير متناسب من التكاليف البشرية والمالية لجهود مكافحة المخدّرات، بما في ذلك آلاف الضحايا في صفوف قوّات إنفاذ القانون.
ومن شأن التنسيق الهادئ، سواء من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية أو المساعدة التقنيّة أو دعم آليات المكافحة الإقليمية، أن يعالج تهديداً أمنيًّا مشتركًا، من دون الحاجة إلى توافق سياسي بشأن خلافات أيديولوجية أوسع.
الإجراءات وردود الأفعال
وضعت دوامة التسييس الأمني إيران والمنطقة ودول حلف شمال الأطلسي، ولا سيّما الولايات المتحدة، في مأزق معقد ومتفاقم. فبدلًا من أن تُقلّل التدابير الدفاعية والردودية الإيرانية من التهديدات، زادت من حدة التصوّرات الأمنية تجاه إيران، وساهمت في ترسيخ فكرة أنّ طهران دولة خطرة.
ويُعدّ كسر هذه الدوامة ضرورة حيوية لطهران. قد تكون فكرة أنّ إيران تُمثل تهديدًا وجوديًا خاطئة تمامًا، لكنّ هذا التصور خلق تهديدات وجودية للإيرانيين، وهو ما تجلّى بوضوح مؤلم في هجمات حزيران/ يونيو.
يتطلّب الخروج من دائرة التسييس الأمني مجموعةً من الاستراتيجيّات المتزامنة، الشاملة والمنسّقة. ويستلزم ذلك دبلوماسية اقليميةً وعالمية فعّالة ومتوازنة، إصلاحات داخلية وتدابير لبناء الثقة على الصعيدَيْن المحلّي والدولي، والعودة إلى القوة الفكرية للثورة الإسلامية، وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد بطريقة غير استفزازية، وتغييرًا في استراتيجية التواصل.
في الوقت نفسه، يُعدُّ كسر حلقة التسييس الأمني أمرًا بالغ الأهمية للولايات المتحدة وأوروبا. ينبغي عليهما البدء بالتعامل مع إيران كشريك لا كتهديد، مع الأخذ في الاعتبار أنّ ذلك سيُعزّز مصالحهما. فبانخراطهما في خطاب عدائي وتسييسي ضد إيران، صعّدت الولايات المتحدة وأوروبا التوتّرات الإقليمية والعالمية من دون تحقيق أي من أهدافهما المعلنة. سيكون من الأجدى لهما احترام استقلال إيران، كرامتها وحقوقها المشروعة، مع توجيه تركيزهما نحو السبب الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة: سلوك إسرائيل غير القانوني وغير المعقول.
تُعدّ إيران وسيطًا طبيعيًا. فثقافتها وتاريخها وموقعها الجغرافي تُؤهّلها لتيسير الحوار والتعاون بين آسيا وأوروبا. كما يُمكنها أن تكون مركزًا للتجارة، لا سيّما مع دول آسيا الوسطى غير الساحلية. ويُؤهّلها رأس مالها البشري لتكون شريكًا رئيسيًا في الابتكار التكنولوجي العالمي. إنّ كسر حلقة التسييس الأمني في إيران والسماح لها بالارتقاء إلى مكانتها المستحقّة سيساعد في تحقيق السلام والتنمية والاستقرار لعقود قادمة.

