جولة مفاوضات جديدة في الأفق.. بوساطة مسقط؟
بعد مضي أشهر من الحرب التي اندلعت بين إيران وإسرائيل، والتي وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود، تلوح في الأفق بعض المؤشّرات عن احتمال استئناف المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن، رغم حالة التوتّر الإقليمي غير المسبوقة.
وتأتي هذه التطوّرات في ظلّ تصريحات متتالية من كبار المسؤولين الإيرانيين، تؤكد استعداد بلادهم للحوار “من موقع القوّة”، مع رفض تقديم أي تنازلات في الملفّات الصاروخية والنووية.
وكانت المفاوضات قد انطلقت منذ منتصف نيسان/ أبريل، وشهدت خمس جولات فعلية بوساطة عُمانية وأوروبية، شكّلت أساس المسار التفاوضي الجديد في عام 2025، وهي على الشكل التالي:
الجولة الأولى: انعقدت في مسقط مطلع نيسان/ أبريل 2025، وسط أجواء إيجابية أولية، حيث اتفق الطرفان على مواصلة الحوار.
الجولة الثانية: جرت في روما في 19 نيسان. أبريل 2025، وتركّزت على آليّات رفع العقوبات، لكنّ الخلافات بشأن الضمانات القانونية بقيت قائمة.
الجولة الثالثة: جاءت أواخر نيسان/ أبريل 2025، وأحرزت تقدّمًا تقنيًا محدودًا بشأن الرقابة النووية، من دون اتفاق سياسي شامل.
الجولة الرابعة: عقدت أوائل أيار/ مايو 2025، لكنها تعثّرت بسبب الخلاف على مستوى التخصيب ونقل المواد النووية.
الجولة الخامسة: انعقدت في 23 أيار/ مايو 2025، ووصفتها مصادر دبلوماسية بأنها “تقدّمٌ محدود من دون اختراق”، إذ تمسّكت إيران بحقّها في التخصيب داخل أراضيها، بينما طالبت واشنطن بوقف هذا التخصيب كليًا.
ورغم أنّ الجولات الخمس حافظت على “قناة تواصل نشط”، فإنّ الهجمات الإسرائيلية قُبَيْلَ انعقاد الجولة السادسة نسفت الزخم الدبلوماسي، ودَفعت بالملف نحو المجهول.
إيران مستعدّة للتفاوض بشروط
شدّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي على أنّ بلاده “مستعدّة لتبديد القلق بشأن برنامجها النووي”، وأنها “أكثر استعدادًا على كل المستويات، وأنّ إسرائيل ستتلقّى هزيمة أخرى في أي حرب مقبلة”.
و في تصريحات له لقناة الجزيرة، أضاف عراقتشي أنّ طهران “لن تتفاوض على برنامجها الصاروخي”، وأنّ “ما لم يُنتزع بالحرب لن يُمنح عبر السياسة”، في إشارة إلى رفض الضغوط الغربية الرامية لوقف التخصيب أو تجميد القدرات الدفاعية الإيرانية.
وقال وزير الخارجية الإيراني إنّ المواد النووية التي كانت في المنشآت التي تعرّضت للقصف الإسرائيلي “ما زالت تحت الأنقاض، ولم تُنقل إلى أي مكان آخر”، موضحًا إنّ “الخسائر اقتصرت على المباني والأجهزة، أما التقنية فهي باقية”.
وفيما اعتبر أنّ “إسرائيل لم تكن لتشنَّ الحرب من دون ضوء أخضر أميركي”، أكد أن بلاده “تمكّنت من إدارة الحرب ومنع توسّعها في المنطقة”، مشيرًا إلى أنّ “تفعيل الأوروبيين لآليّة الزناد غير قانوني ولا يحظى بإجماع دولي”.
من جهته، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إنّ “المفاوضات لا تُرفض من حيث المبدأ، لكنها يجب أن تُدار بعقلانية وطنية”، وتابع: “يريد الأعداء كسر إرادة الشعب الإيراني بشروط لا تنتهي. نحن لا نمانع التفاوض، لكن ليس وفق نتائج تُفرض مسبقًا”.
ولفت لاريجاني إلى أنّ “العقلانية السياسية لا تنفصل عن المقاومة الاقتصادية”، مستنتجًا أنّ الطريق إلى أي تفاوض ناجح يبدأ من “إصلاحات داخلية تُعيد الثقة والقدرة للمجتمع الإيراني”.
من جهتها، أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إنّ وزارة الخارجية الإيرانية تلقَّتْ رسائل بشأن استئناف المفاوضات، على أن تُعلَن تفاصيلُ نوعيّةِ وكمّيّةِ هذه الرسائل في الوقت المناسب. وعلى الرغم من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود هذه الرسائل بقول خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي إن “هناك جهات وساطة تقوم بمحاولات معتادة لتقريب وجهات النظر وتبادل الرسائل”، إلا أنه أوضح أن “هذا لا يشكّل انطلاقاً لأي مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن”. كما أضاف أن “تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة لا يعني بدء عملية تفاوض”.
مسقط مجددًا في واجهة الوساطة
وبرز الدور العماني من جديد في محاولة لإحياء قنوات التواصل، حيث قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي – خلال مشاركته في منتدى حوار المنامة 2025 – إنّ “الاستقرار الإقليمي لا يتحقّق إلا عبر الحوار الشامل”، لافتًا إلى أنّ “سياسة عزل إيران لم تكن حلًّا”.
وأوضح البوسعيدي إنّ المفاوضات السابقة أحرزت تقدّمًا “خلال خمس جولات بنّاءة”، لكن “العدوان الإسرائيلي على إيران قبيل الجولة السادسة أطاح بالجهود الدولية”.
وأردف: “أبدت إيران انفتاحًا واستعدادًا للحوار رغم الخسائر”، داعيًا إلى إقامة “إطار أمني إقليمي يضمّ جميع دول المنطقة، بما فيها إيران، العراق واليمن، لتحقيق الأمن الجماعي”.
وعاد الدور العماني إلى الواجهة مجدّدًا بعد نشاط دبلوماسي لافت على محور طهران – مسقط، تمثّل في زيارة وزير الداخلية العماني حمود بن فيصل آل بوسعيدي إلى طهران، أعقبتها زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانتشي إلى مسقط.
وأحيَتْ هذه التحرّكات – بحسب وسائل إعلام إيرانية، مثل فرهيختگان واعتماد أونلاين – مجدّدًا الحديث عن إعادة فتح القنوات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، لكنها لا تزال في إطار التواصل بالحد الأدنى”، وليست مؤشّرًا على انطلاق مفاوضات جدّية بعد. حيث نفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية نقل أي رسالة رسمية من الجانب الأميركي إلى طهران خلال زيارة نائب وزير الخارجية السياسي مجيد تخت روانتشي إلى سلطنة عمان
“فرهيختغان”: طريق عمان فقد فعاليّته
بدورها، رأت صحيفة فرهيختگان الأصولية أنّ “طريق عمان” الذي كان قناة التواصل غير المباشر بين طهران وواشنطن “لم يعد فعّالًا كما في السابق”، بعد أن تزامنت الحرب الأخيرة مع تحرّكات دبلوماسية لم تحقّق أي تقدّمٍ يذكر.
وأضافت الصحيفة أنّ “الحرب أثبتت محدودية الوساطة، لأنّ المفاوضات الحقيقية لا يمكن أن تنجح حين يكون أحد الأطراف مشاركًا في عمل عسكري مباشر”.
وتابعت ” فرهيختغان” أنّ “الدبلوماسية العمانية تبقى إيجابية للعلاقات الثنائية، لكنها غير قادرة وحدها على معالجة الخلل البنيوي في الثقة بين طهران وواشنطن”.
ووفق الصحيفة، فإنّ “تبدّل أسماء الوسطاء – من سلطنة عمان إلى قطر، روسيا ومصر – يعكس حالة من الفراغ الدبلوماسي وليس التقدّم السياسي”، حيث أنّ “المشكلة ليست في هوية الوسيط، بل في غياب الإرادة الحقيقية لدى واشنطن، لتغيير منهجها القائم على الإملاء”.
وختمت “فرهيختغان” بأنه “في الظروف الراهنة، لا يمكن لأيّ وساطة أن تتحوّل إلى إنقاذ، فما يعاني من الانسداد ليس المسار الدبلوماسي، بل طبيعة الشروط الأميركية ذاتها”، كما استنتجت أنّ مرحلة ما بعد الحرب تمثّل مرحلة جديدة عنوانها: “الحذر المتبادل”، إذ تحاول إيران منع عودة “الشرطية الاقتصادية” التي كانت تربط التقدّم النووي برفع العقوبات، فيما تسعى واشنطن إلى “اختبار مدى جدية طهران في التفاوض بعد الانتصار العسكري النسبي”.
المفاوضات بين حسابات القوّة وحدود الوساطة
ويعكس المشهد الحالي مزيجًا من الانتصار العسكري والثقة السياسية الحذرة في طهران، مقابل حسابات أميركية معقّدة تتراوح بين الردع والاحتواء، حيث تؤكد إيران أنّ ما لم تحصل عليه إسرائيل في الحرب لن تحقّقه واشنطن في المفاوضات، بينما تسعى عمان إلى إبقاء الخيوط الدبلوماسية قائمة في منطقة مشتعلة.
ورغم أن الطريق إلى الجولة السادسة يبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى وظروفه بحسب الخارجية الإيرانية غير مهيأة حتى الأن، فإنّ فرص استئناف الحوار لم تتلاشَ تمامًا، إذ يدرك الطرفان أنّ التصعيد المستمرّ سيقود إلى خسائر أكبر.
وبين ضباب الحرب وضغوط السياسة، يبقى السؤال: هل تفتح بوّابة مسقط مجدّدًا طريق العودة إلى طاولة الاتفاق النووي؟ أم تغلقها نيران المواجهة المحتملة

