“فورين أفيرز”: هل يقترب نظام الجمهورية الإسلامية من خريفه؟
يرى الباحث الإيراني - الأميركي كريم سجادبور أنه مع تقدّم القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في السنّ، تقف إيران على أعتاب مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل نظامها السياسي بالكامل.
وفي مقال له في مجلّة “فورين أفيرز” الأميركية، يخلص الكاتب إلى أنّ الحرب في حزيران/ يونيو الماضي كشفت هشاشة النظام الإيراني وتراجع قدراته، مستنتجًا أنّ التغيير بات حتميًا.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:
لأوًل مرّة منذ ما يقرب من أربعة عقود، تقف إيران على أعتاب تغيير في القيادة — وربما حتى في النظام نفسه. مع اقتراب نهاية حكم القائد الأعلى آية الله علي خامنئي، كشفت حرب استمرّت 12 يومًا في حزيران/ يونيو عن هشاشة النظام الذي بناه. فقد قصفت إسرائيل المدن والمنشآت العسكرية الإيرانية، مما مهّد الطريق أمام الولايات المتحدة لإسقاط 14 قنبلة خارقة للتحصينات على المواقع النووية الإيرانية.
كشفت الحرب عن الفجوة الهائلة بين الخطاب الأيديولوجي في طهران والقدرات المحدودة لنظام فقد معظم قوّته الاقليمية، ولم يعد يسيطر على أجوائه، ويمارس سيطرة متناقصة على شوارعه. عند انتهاء الحرب، خرج خامنئي البالغ من العمر 86 عامًا من مخبئه ليعلن النصر بصوت أجش — مشهد كان يُفترض أن يُظهر القوّة، لكنه بدلًا من ذلك أبرز هشاشة النظام.
في خريف آية الله، السؤال المركزي هو ما إذا كان النظام الثيوقراطي الذي حكمه منذ عام 1989 سيستمرّ، يتحوّل أو ينهار، وما نوع النظام السياسي الذي قد يظهر في أعقابه؟
لقد حوّلت ثورة عام 1979 إيران من مَلَكيّة متحالفة مع الغرب إلى ثيوقراطية إسلامية، مما جعلها بين عشية وضحاها تنتقل من حليف للولايات المتحدة إلى عدوٍّ لدود. وبما أنّ إيران اليوم لا تزال دولة محورية — قوة طاقة عظمى تشكّل سياساتُها الداخلية أمن الشرق الأوسط ونظامه السياسي، وتؤثّر في النظام العالمي بأسره — فإنّ مسألة من (أو ما الذي) سيخلف خامنئي هي ذات أهمية هائلة.
على مدى العامَيْن الماضيَيْن — منذ هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الذي أيّده خامنئي وحده من بين قادة العالم الرئيسيين علنًا — تحوّل عمل حياته إلى رماد على يد إسرائيل والولايات المتحدة. فقد قُتل أو اغتيل أقرب تلامذته العسكريين والسياسيين، وشُلّت أذرعه الإقليمية، ودُفنت مؤسّسته النووية الضخمة – التي بُنيت بتكلفة باهظة لاقتصاد إيران – تحت الأنقاض.
سعت الجمهورية الإسلامية إلى تحويل إذلالها العسكري إلى فرصة لتوحيد البلاد حول العلم، لكنّ إهانات الحياة اليومية لا يمكن الهروب منها. فعدد سكان إيران البالغ 92 مليون نسمة، يشكّل أكبر سكّان في العالم تمّ عزلهم عن النظام المالي والسياسي العالمي لعقود. اقتصاد إيران من بين الأكثر تعرّضًا للعقوبات في العالم. عملتها من بين الأكثر انخفاضًا في القيمة. جواز سفرها من بين الأكثر رفضًا. شبكتها العنكبوتية من بين الأكثر خضوعًا للرقابة. هواؤها من بين الأكثر تلوّثًا في العالم.
تكشف شعارات النظام المستمرّة — “الموت لأميركا” و“الموت لإسرائيل”، وليس أبدًا “تحيا إيران” — أنّ أولويّته هي التحدّي وليس التنمية. أصبحت انقطاعات الكهرباء وتقنين المياه جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية. بات أحد الرموز المركزية للثورة – الحجاب الإلزامي – الذي وصفه القائد الأعلى الأوّل للجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني بأنه “علم الثورة”، اليوم ممزّقًا، إذ تتزايد أعداد النساء اللاتي يتحدَّيْنَ علنًا فرض تغطية شعورهنَ. لا يستطيع الآباء المفترضون لإيران السيطرة على نساء البلاد أفضل ممّا يستطيعون السيطرة على مجالها الجوي.
لفهم كيف وصلت إيران إلى هذه المرحلة، من الضروري فحص المبادئ التوجيهية لحكم خامنئي الذي دام 36 عامًا. ارتكزت ولايته على ركيزتَيْن: التزامٌ لا يتزعزع بالمبادئ الثورية في الداخل والخارج، ورفضٌ قاطع للاصلاح السياسي. لطالما اعتقد خامنئي بأنّ تخفيف مبادئ الجمهورية الإسلامية وقيودها سيؤدّي بها إلى ما فعلته سياسة الغلاسنوست لزعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف ببلاده، مسرّعًا موتها بدلًا من إطالة حياتها. كما لم يتزحزح خامنئي في معارضته لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.
إنّ عمر خامنئي، جموده ورحيله الوشيك، عوامل تركت إيران معلّقة بين تدهور مطوّل واضطراب مفاجئ. وبمجرّد رحيله، يمكن تصوّر سيناريوهات مستقبلية عدّة، فقد تنهار أيديولوجية الجمهورية الإسلامية الشاملة إلى براغماتية الرجل القوي الساخرة، التي ميّزت روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي.
مثل الصين بعد وفاة ماو تسي تونغ، قد تعيد إيران حساباتها باستبدال الأيديولوجية الجامدة بالمصلحة الوطنية البراغماتية. يمكنها أن تتعمّق في القمع والعزلة كما فعلت كوريا الشمالية لعقود. قد يُفسح الحكم الديني المجالَ لهيمنة عسكرية كما حدث في باكستان. ورغم أنه احتمال يتضاءل، لا تزال إيران تميل نحو حكومة تمثيلية — وهي معركة تعود إلى الثورة الدستورية عام 1906. سيكون مسار إيران فريدًا، وسيرسم مستقبله ليس فقط حياةَ الإيرانيين، بل أيضًا استقرار الشرق الأوسط والنظام العالمي الأوسع.
الأسلوب البارانويدي
غالبًا ما يرى الإيرانيون أنفسهم ورثة لامبراطورية عظيمة، ومع ذلك فقد تخلّلت تاريخَهم الحديث غزوات، إهانات وخيانات متكرّرة. في القرن 19، فقدت إيران ما يقرب من نصف أراضيها لصالح جيران طامعين، فتنازلت عن القوقاز (الذي يشمل أرمينيا، أذربيجان، جورجيا وداغستان الحالية) لروسيا، وتخلّت عن هرات لأفغانستان تحت ضغط بريطاني. وبحلول أوائل القرن 20، كانت روسيا والمملكة المتحدة قد قسّمت البلاد إلى مناطق نفوذ. في عام 1946، احتلّت القوات السوفياتية أذربيجان الإيرانية وحاولت ضمّها. وفي عام 1953، دبّرت المملكة المتحدة والولايات المتحدة انقلابًا ساعد في الإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق.
خلّف هذا الإرثُ أجيالًا من الحكًام الإيرانيين الذين يرون المؤامرات في كل مكان، ويشكّون حتى في أقرب مساعديهم، باعتبارهم عملاء أجانب. تم إجبار رضا شاه – مؤسّس سلالة بهلوي وزعيم لا يزال كثير من الإيرانيين يوقّرون – على التنازل عن العرش على يد قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب الاشتباه في تعاطفه مع ألمانيا النازية. كان يشكّ بـ”الجميع وكل شيء”، بحسب كلمات مستشاره عبد الحسين تيمورتاش. “لم يكن هناك في البلاد بأكملها شخص واحد يثق به جلالته حقًا”. شعر ابنه محمد رضا شاه بنفس الأمر، وقال: “كلّفتني الوعود الأميركية الكاذبة عرشي”، بعد الإطاحة به في ثورة 1979. بمجرّد وصوله إلى السلطة، أعدم الخميني آلاف المعارضين بتُهَمِ العمل كعملاء للأجانب؛ أما خلفه خامنئي، فيملأ تقريبًا كلّ خطاباته بإشارات إلى مؤامرات أميركية وصهيونية.
لا يقتصر انعدام الثقة العميق هذا على النخب؛ بل يجري في دماء الجسد السياسي. رواية إيرج پزشك زاد خالي العزيز نابليون — وهي رواية إيرانية محبوبة تحوّلت لاحقًا إلى مسلسل تلفزيوني أيقوني عام 1976 — تسخر من بطريرك عائلي مصاب بجنون العظمة، يرى المؤامرات الأجنبية في كل مكان، خصوصًا البريطانية منها. لا تزال الرواية مرجعًا ثقافيًا، تستحضر الذهنية التآمرية التي لا تزال تشكّل سياسة إيران ومجتمعها. وجدت دراسة “القيم العالمية” لعام 2020 أنّ أقلّ من 15% من الإيرانيين يعتقدون بأنّ “معظم الناس يمكن الوثوق بهم” — من أدنى المعدّلات في العالم.
في الأسلوب البارانويدي الإيراني، يُصوَّر الغرباء كمفترسين، والمقرّبون كخونة، وتخضع المؤسّسات للحكم الشخصي. على مدى القرن الماضي، حكم البلاد أربعة رجال فقط، حيث حلّت عبادة الشخصية محلّ المؤسّسات المستقرّة، وتناوبت السياسة بين فترات قصيرة من النشوة وسنوات طويلة من خيبة الأمل. وقد صقلت الجمهورية الإسلامية هذا النمط من خلال تقسيم مواطنيها رسميًا إلى “مقرّبين” و“غرباء”. في مثل هذا الجو من انعدام الثقة، تسود “الانتقائية السلبية”: يُكافأ المتوسّط، ويُرقّى المغمور، ويُفضَّلُ الولاء على الكفاءة. كان صعود خامنئي عام 1989 مثالًا نموذجيًا لهذه الديناميكية، ومن المرجّح أن تستند معاييره المفضّلة للخلافة على المنطق نفسه. هذه الثقافة الراسخة من انعدام الثقة — التي شكّلها التاريخ، وعزّزها الحكام، وداخَلَها المجتمع — لا تُكرّس فقط الحكم الاستبدادي، بل تعيق أيضًا التنظيم الجماعي اللازم للحكم التمثيلي. وستستمر بإلقاء ظلٍّ طويل على مستقبل إيران.
نادرًا ما تتبع التحوّلات السلطوية سيناريو محدّدًا، ولن تكون إيران استثناءً. سيكون موت خامنئي، أو عجزه المحفّز، العامل الأوضح للتغيير. يمكن أن تزيد الصدمات الخارجية — انهيار أسعار النفط، تشديد العقوبات، تجدّد الضربات العسكرية من إسرائيل أو الولايات المتحدة — من زعزعة استقرار النظام. لكن التاريخ يُظهر أن الشرارات الداخلية غير المتوقعة — كارثة طبيعية، إحراق بائع فواكه لنفسه، أو مقتل شابّة بسبب إظهارها قدرًا كبيرًا من شعرها — يمكن أن تكون ذات أثر مماثل.
على مدى ما يقرب من خمسة عقود، حُكمت إيران بالأيديولوجيا؛ غير أنّ مستقبلها سيتوقّف على اللوجستيات قبل كل شيء. من يمكنه إدارة بلد تبلغ مساحته نحو خمسة أضعاف مساحة ألمانيا، يتمتّع بموارد هائلة، لكنه مثقل بتحدّيات هائلة. ومن وسط هذه التقلّبات، يمكن أن يتّحذ النظام الإيراني بعد خامنئي أشكالًا عدة: حكم الرجل القوي القومي، استمرارية دينية، هيمنة عسكرية، إحياء شعبوي، أو مزيج فريد من كل ذلك.
تعكس هذه الاحتمالات الانقسام الفئوي في البلاد. يسعى علماء الدين إلى الحفاظ على أيديولوجية الجمهورية الإسلامية. يسعى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) إلى ترسيخ سلطته. يطالب المواطنون المهمشون، بمن فيهم الأقلّيات العرقية، بالكرامة والفرص. المعارضة منقسمة أكثر من قدرتها على التوحّد، لكنها مثابرة أكثر من أن تختفي ببساطة. ليست أي من هذه الفصائل موحّدة، لكن تطلّعاتها وأفعالها هي التي ستحدّد الصراع على نوع الدولة التي ستصبح عليها إيران.
إيران كروسيا
تُشبه الجمهورية الإسلامية اليوم الاتحاد السوفياتي في مراحله المتأخّرة: فهي تُبقي على أيديولوجيتها المنهكة بالقوّة، وتخاف قيادتها المتصلّبة من الإصلاح، وقد ابتعد مجتمعها إلى حد كبير عن الدولة. كلٌّ من إيران وروسيا دولتان غنيّتان بالموارد، لهما تاريخان مجيدان، وثقافتان أدبيّتان شهيرتان، وقرون من المظالم المتراكمة. تحوّلت كلتاهما بثورة أيديولوجية — روسيا في عام 1917، وإيران في عام 1979 — سعت إلى قطع التاريخ وبناء نظام جديد جذريًا. حاول كل منهما الانتقام من الماضي، وفرض رؤية جديدة في الداخل والخارج، مما ألحق الدمار ليس فقط بشعبَيْهما، بل أيضًا بالدول المجاورة. على الرغم من أيديولوجيّتهما المتنافستَيْن — واحدة ملحدة متشدّدة، والأخرى دينية ثيوقراطية — فإن أوجه الشبه لافتة. كما هو الحال مع الاتحاد السوفياتي، لا تستطيع الجمهورية الإسلامية التوصّل إلى تسوية أيديولوجية مع الولايات المتحدة، وتتحقّق وبارانويا النظام من تلقاء نفسها، ويحمل النظام في داخله بذور انحلاله الذاتي.
تسارع انهيار الاتحاد السوفياتي بفعل إصلاحات غورباتشوف، التي خفّفت السيطرة المركزية، وأطلقت قوى لم يتمكّن النظام من احتوائها. في التسعينيّات، غذّت الفوضى، عمليّات النهب الأوليغارشية وعدم المساواة الهائل السخط وخيبة الأمل. ومن تلك الفوضى، برز فلاديمير بوتين، ضابط سابق في جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي)، الذي وعد بالاستقرار والفخر، مستبدلاً الأيديولوجية الشيوعية بالقومية القائمة على الضغائن. وبصفته رئيسًا، قدّم نفسه على أنه منقذ كرامة روسيا ومكانتها المستحقّة في العالم.
مسار مشابه ممكن في إيران. فالنظام مفلس أيديولوجيًا وماليًا، غيرُ قابل للإصلاح الحقيقي، ومعرّض للانهيار تحت وطأة الضغوط الخارجية والسخط الداخلي. قد يخلق ذلك الانهيار فراغًا ستسارع النخبة الأمنية والأوليغارشيون إلى ملئه. يمكن لرجل قوي إيراني — خريج من الحرس الثوري أو أجهزة الاستخبارات — أن يظهر، متخلّيًا عن الأيديولوجية الشيعية لصالح قومية إيرانية، قائمة على المظالم، كعقيدة منظمة لنظام استبدادي جديد.
قد يضمر بعض المسؤولين البارزين مثل هذه الطموحات، بمن فيهم محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني الحالي ومسؤول سابق رفيع في الحرس الثوري. ومع ذلك، فإنّ ارتباطهم الطويل بالنظام الحالي يجعل من غير المرجّح أن تكون تلك الشخصيّات المألوفة حاملة لراية نظام جديد. سيكون المستقبل على الأرجح لشخص أقلّ ظهورًا اليوم، شخص أدنى مرتبة بشكل كافٍ ليتفادى اللوم العلني على الكارثة الحالية، لكنه متمرّس بما يكفي للنهوض من بين الأنقاض.
من المؤكد أن أوجه الشبه غير تامّة، فعندما انهار الاتحاد السوفياتي، كان قد دخل بالفعل جيله الثالث من القادة، بينما تدخل إيران الآن جيلها الثاني فقط. ولم تعرف إيران شخصًا كغورباتشوف. فقد منع خامنئي الإصلاح، تحديدًا لأنه يعتقد بأنه سيعجّل بزوال الجمهورية.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأوسع قائمة: عندما تنهار أيديولوجية شمولية، فإنها غالبًا لا تخلّف وراءها تجديدًا مدنيًا، بل سخرية وعدمية. تميّزت روسيا ما بعد السوفياتية بكونها أقلّ ديمقراطيةً مزدهرة، وأكثر سعيًا وراء الثروة بأي ثمن. يمكن لإيران ما بعد الثيوقراطية أن تُظهر أنماطًا مماثلة: الاستهلاكية والاستهلاك المظهري كبدائل للإيمان المفقود والغاية الجماعية.
يمكن لـ “بوتين إيراني” أن يستعير بعض تكتيكات الجمهورية الاسلامية، فيسعى إلى الاستقرار من خلال زرع عدم الاستقرار بين جيران إيران، تهديد تدفّقات الطاقة العالمية، تغطية العدوان بأيديولوجية جديدة والاغتناء مع النخب الأخرى بينما يعد بإعادة كرامة إيران. بالنسبة للولايات المتحدة وجيران إيران، يلوح درس روسيا بوضوح: لا يضمن موت الأيديولوجيا الديمقراطية. فهو يمكن بسهولة أن يأتي برجل قوي جديد غير مقيّد بالضمير، مسلّح بمظالم متجدّدة، ومندفع بطموحات جديدة.
إيران كالصين
بينما فشل الاتحاد السوفياتي في التكيّف حتى فات الأوان، نجت الصين عبر تحوّلها البراغماتي في العقود التي تلت وفاة ماو عام 1976، مفضّلة النموّ الاقتصادي على النقاء الثوري. لقد كان “النموذج الصيني” منذ فترة طويلة جذّابًا للمقرّبين من النظام في الجمهورية الإسلامية، الذين يريدون الحفاظ على النظام، لكنهم يدركون أنّ الاقتصاد المتعثّر والاستياء الشعبي الواسع يتطلّبان محاولة للإصلاح. في هذا السيناريو، سيبقى النظام قمعيًا واستبداديًا، لكنه سيليّن مبادئه الثورية، ومحافظته الاجتماعية، لصالح التقارب مع الولايات المتحدة، اندماج أوسع مع العالم وانتقال تدريجي من الثيوقراطية إلى التكنوقراطية. سيحتفظ الحرس الثوري بسلطته وأرباحه، لكنه — مثل جيش التحرير الشعبي في الصين — سيتحوّل من الميليشيا الثورية إلى رأسمالية قومية.
تواجه إيران عقبتَيْن في اتباع هذا النموذج: إنشاؤه والحفاظ عليه. في الصين، بدأ التطبيع مع الولايات المتحدة في السبعينيّات على يد ماو، مؤسّس الثورة الشيوعية وأوّل زعيم للنظام الجديد. لكنّ خلفه دنغ شياو بينغ هو من استغل تلك الفرصة، لإعادة توجيه البلاد من الأرثوذكسية الأيديولوجية إلى البراغماتية، وإطلاق إصلاحات تحويلية. أنتجت إيران “دنغات” محتملين — بمن فيهم الرئيس السابق حسن روحاني وحفيد مؤسّس الثورة حسن الخميني — لكن أيًا منهم لم يتمكّن من التغلّب على خامنئي والمتشدّدين ذوي الفكر المماثل، الذين طالما اعتقدوا بأن أيّ تنازل عن الأيديولوجية الثورية، وخاصة التقارب مع الولايات المتحدة، سيزعزع النظام بدلًا من تقويته.
في الصين، سهّل التقارب مع واشنطن وجود عدو مشترك، هو الاتحاد السوفياتي. أما في المقابل، فعلى الرغم من أنّ إيران والولايات المتحدة واجهتا أعداء مشتركين أحيانًا — بمن فيهم الديكتاتور العراقي صدّام حسين والجماعات المتشدّدة، مثل القاعدة، طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية — فإنّ العداء للولايات المتحدة وإسرائيل كان دائمًا أولويّةً قصوى لخامنئي. سيتطلّب تطبيق النموذج الصيني إما أن يتخلّى خامنئي المحتضر عن معارضته مدى الحياة لواشنطن – وهو أمرٌ غير مرجح للغاية – أو أن تُنظَّم خلافةٌ تفضّل زعيمًا أقلّ تشدّدًا.
حتى في هذه الحالة، قد تجد إيران صعوبة في اتباع المسار الصيني. فقد سمح حجم القوّة العاملة الهائل في الصين بانتشال مئات الملايين من الفقر، مما منح الدولة شرعية متجدّدة وثقة عامة. أما إيران، فهي على النقيض، تمتلك اقتصادًا ريعيًا أقرب إلى روسيا. إذا تخلّى النظام عن الأيديولوجيا من دون تحقيق تحسينات مادية، فإنه يخاطر بفقدان قاعدته الحالية من دون كسب مؤيّدين جدد.
إنّ إيران أقلّ أيديولوجية تطبّع علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتتخلّى عن معارضتها لوجود إسرائيل، ستمثّل تحسّنًا كبيرًا مقارنة بالوضع القائم. ومع ذلك، كما تُظهر تجربة الصين، يمكن للنمو الاقتصادي والاندماج الدولي أن يغذّيا أيضًا طموحات إقليمية وعالمية أكبر — مما يستبدل تحديات اليوم بأخرى جديدة. وليس من الواضح إطلاقًا إن كانت إيران يمكن أن تحافظ على الاستقرار الداخلي خلال مثل هذا الانتقال المضطرب.
إيران ككوريا الشمالية
إذا استمرّت الجمهورية الإسلامية بتقديم الأيديولوجيا على المصالح الوطنية، فقد يشبه مستقبلها حاضر كوريا الشمالية: نظام يصمد ليس من خلال الشرعية الشعبية، بل من خلال القسوة والعزلة. لطالما فضّل خامنئي الإبقاء على حكم القائد الأعلى، وهو عالم دين زاهد ملتزم بالمبادئ الثورية المتمثّلة في مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل، والتمسك بالأرثوذكسية الإسلامية في الداخل. ومع ذلك، بعد ما يقرب من خمسة عقود من عام 1979، لا يرغب سوى قلّةٌ من الإيرانيين بالعيش تحت نظام يحرمهم من الكرامة الاقتصادية والحرّيات السياسية والاجتماعية. إنّ استمرار مثل هذا النظام سيتطلّب سيطرة شمولية — وربما سلاحًا نوويًا لردع الضغوط الخارجية.
ستبقى السلطة في هذا السيناريو في أيدي فئة ضيّقة، أو حتى عائلة واحدة. وعلى الرغم من أنّ خامنئي قد يحاول تنظيم الخلافة لصالح شخص سيبقى مخلصًا للمبادئ الثورية، فإنّ مجموعة المرشحين المحتملين صغيرة، إذ لا يملك أي من علماء الدين المتشدّدين تقريبًا قاعدة دعم شعبية أو شرعية. كان إبراهيم رئيسي، الذي كان يُعتبر المرشّح الأبرز، قد تُوُفِّيَ في حادث تحطّم مروحية في أيار/ مايو 2024 أثناء تولّيه رئاسة إيران. ويترك ذلك نجل خامنئي البالغ من العمر 56 عامًا – مجتبى – كأبرز مرشح. ومع ذلك، فإنّ الخلافة الوراثية ستخون مباشرة أحد المبادئ المؤسّسة للثورة: إصرار الخميني على أنّ الملَكيّة “غير إسلامية”.
لم يشغل مجتبى أي منصب منتخب، ولا يكاد يملك أي حضور علني، ويُعرف أساسًا بعلاقاته خلف الكواليس مع الحرس الثوري. تعكس صورته استمراريةً مع جيل والده، لا دينامية عصر جديد. المحاولات المثيرة للسخرية من مؤيّدين لتشبيهه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان — بما في ذلك حملات على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام وسم “#مجتبى_بن_سلمان” بالفارسية — هي مؤشّرٌ على أنه حتى القاعدة الثورية لخامنئي تدرك أن الرؤية المتطلّعة إلى المستقبل أكثر جاذبية من تلك التي تنظر إلى الماضي.
لا يُلهم المرشحون المتشدّدون الآخرون سوى القليل من الثقة. رئيس القضاء “الكئيب” في البلاد، غلام حسين محسني إيجئي، البالغ من العمر 69 عامًا، ليس أكثر من قاضٍ للإعدامات، متورّط في عشرات الإعدامات؛ وربما كان أكثر أفعاله العامة التي يمكن تذكّرها هو عضّه صحفيًا انتقد الرقابة. أي خلافة تشمل شخصية من هذا النوع ستستند ليس إلى القبول الشعبي، بل إلى ولاء الحرس الثوري. لكن من غير الواضح ما إذا كان الحرس سيستمر في الخضوع لعلماء الدين المسنّين في مجلس خبراء القيادة، الهيئة المسؤولة عن تعيين القائد الأعلى المُقبل، أم أنه، عندما يحين الوقت، سيختارُ ببساطة القائد العام القادم للجمهورية بنفسه.
سيصطدم نموذج كوريا الشمالية أيضًا مع مجتمع يتطلّع إلى انفتاح وازدهار كوريا الجنوبية. لن يتسامح سوى القليل من الإيرانيين مع نظام يقدّم الأيديولوجيا على الرفاه الاقتصادي والأمن الشخصي، بدرجة أشدّ من النظام الحالي. سيتطلّب الحكم الشمولي سجنًا جماعيًا في الداخل، وهجرة جماعية للمحترفين إلى الخارج، وربما درعًا نوويًا لردع الضغط الخارجي. ومع ذلك، على عكس كوريا الشمالية، لا يمكن لإيران أن تعزل نفسها تمامًا، فإسرائيل تُهَيْمن على أجوائها، وأثبتت مرارًا قدرتها على ضرب المواقع النووية، قواعد الصواريخ والقادة الكبار.
إذا كان القائد الأعلى المقبل متشدّدًا آخر، فسيكون على الأرجح شخصيّة انتقالية — يحافظ على النظام لفترة من الزمن، لكنه لا يصنع نظامًا جديدًا مستقرّا. كتب المفكر الإيراني العلماني الذي اغتاله الإسلاميون عام 1946 أحمد كسروي ذات مرّة، أنّ إيران “مدينة” لعلماء الدين بفرصة واحدة للحكم حتى تُكشف إخفاقاتهم. بعد ما يقرب من خمسة عقود من سوء الإدارة الثيوقراطية، تم سداد هذا الدين. إذا كان العصر المُقبل لإيران سينتمي إلى رجل قوي آخر، فمن غير المرجح أن يرتدي عمامة.
إيران كباكستان
إذا كان مستقبل إيران مرتبطًا بالحرس الثوري، فقد تكون باكستان هي السابقة الأقرب. فمنذ الثورة، تحوّلت الجمهورية الإسلامية تدريجيًا من دولة دينية إلى دولة أمنية يهيمن عليها الحرس. وُلد الحرس الثوري عام 1979 باعتباره “حراس الثورة” — لحماية البلاد من الانقلابات الأجنبية، المعارضة الداخلية واحتمال عدم الولاء في جيش الشاه — وتوسّع بشكل كبير خلال الحرب الإيرانية – العراقية.
وبعدها، دخل مجالات الأعمال، الموانئ، البناء، التهريب والإعلام، وتطوّر إلى كيان هجين: جزء قوة عسكرية، جزء تكتّل تجاري و جزء آلة سياسية. اليوم، يُشرف الحرس الثوري على البرنامج النووي الإيراني، يقود الميليشيات الوكيلة في المنطقة ويسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد. وقد أنتج نفوذه الواسع إيران التي ينطبق عليها المثل المنسوب إلى باكستان بشكل متزايد: “ليست دولة لديها جيش، بل جيش لديه دولة”.
تربط مخاوف خامنئي حكمه بالحرس. منحت الغزوات الأميركية لأفغانستان والعراق الحرس ترخيصًا لتوسيع ميزانيّته وتمويل وتسليح الوكلاء في الخارج، بينما أغنته العقوبات المنظمة بتحويل الموانئ الإيرانية إلى قنوات للتهريب غير المشروع. لكنّ الحرس الثوري ليس كتلة متماسكة، بل هو مجموعة من الكارتيلات المتنافسة التي احتُويت تنافساتها — الجيلية، المؤسسية والتجارية — تحت سلطة خامنئي. من المرجح أن يؤدي رحيله إلى خروج تلك الصراعات إلى العلن.
أحد السيناريوهات التي قد ينتقل فيها الحرس الثوري من الهيمنة إلى الحكم الكامل قد تشمل السماح للاضطرابات بالتصاعد، قبل أن يتدخل كـ”منقذ للأمة”. سيعكس ذلك الجيش الباكستاني، الذي برّر منذ زمن طويل هيمنته بتقديم نفسه كحارس للوحدة الوطنية ضد كلٍّ من الهند والانقسام الداخلي. بالنسبة للحرس الثوري، ستتطلّب مثل هذه الاستراتيجية ليس فقط تهميش علماء الدين، بل أيضًا تحويل المبدأ المنظِّم للدولة نفسها من الأيديولوجيا الثورية الشيعية إلى القومية الإيرانية. يستحضر علماء الدين اسم الله؛ بينما سيستحضر الحرس اسم الوطن.
لكن لا ينبغي الخلط بين هيمنة الحرس الثوري الحالية والشعبية. فقيادته العليا يختارها خامنئي باليد، وتُدوَّر كثيرًا لمنع تراكم قدر مفرط من السلطة لدى مسؤولين فرديين، وهي مرتبطة على نطاق واسع بالقمع، الفساد وعدم الكفاءة. وكما قال لي سيامك نمازي، الأميركي الذي احتُجز رهينة لدى المنظمة ثماني سنوات: “إيران اليوم عبارة عن مجموعة من المافيات المتنافسة — يهيمن عليها الحرس الثوري وخرّيجوه — وأعلى ولائها ليس للأمة، الدين أو الأيديولوجيا، بل للإثراء الشخصي”.
لقد شدّدت اغتيالات إسرائيل لما يقرب من 20 قائدًا رفيعًا في الحرس الثوري في مخابئهم وغرف نومهم على كلٍّ من قابلية المجموعة للاختراق ونقاط ضعف مؤسّسة تُعلي الولاء الأيديولوجي على الكفاءة. ولكي يدوم نظام يقوده الحرس الثوري، فسيستلزم على الأرجح جيلًا جديدًا من القادة، أقلّ جمودًا من أولئك الذين خرّجهم خامنئي، وقادرين على استمالة الجمهور عبر القومية بدلًا من الأيديولوجيا الدينية.
إذا برز الحرس كحكّامٍ لإيران، فسيتوقّف الكثير على نوع القائد الذي يتقدّم. فقد يصوِّر قائد مدفوع بالمظالم نفسه على أنه “بوتين إيران”، يستبدل القومية بالإسلاموية مع مواصلة المواجهة مع الغرب. وقد يشبه ضابط أكثر براغماتية “عبد الفتاح السيسي الإيراني”، محافظًا على الحكم الاستبدادي، مع السعي إلى تحالف مع الغرب، تمامًا كما فعل رئيس مصر. وستكون المسألة النووية محورية. ففي كتاباتهم، كثيرًا ما يقارن منظّرو الحرس الثوري بين مصيرَيْ صدّام والقذافي — وكلاهما افتقر إلى أسلحة نووية وسقط — وبين نظام كوريا الشمالية الذي يمتلك أسلحة نووية وقد صمد. وستواجه إيران بقيادة الحرس الثوري المعضلة نفسها: السعي إلى قنبلة من أجل البقاء، أم التخلّي عنها مقابل مزايا الاعتراف.
وكما في باكستان، ستُعرّف مثل هذه إيران بالرجال الجنرالات أكثر من علماء الدين — قوميون، حريصون على إذكاء حماسة شعبهم، ومتأرجحون على الدوام بين المواجهة والمواءمة مع الغرب.
إيران كتركيا
من حيث الإقليم، السكّان، الثقافة والتاريخ، ليس لإيران أقارب أكثر كثيرًا من تركيا، البلد غير العربي المسلم الفخور بشدّة، المثقل بإرث طويل من انعدام الثقة بالقوى العظمى. وتُقدّم التجربة التركية تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان تشابهًا محتملًا: انتخابات تأتي بزعيم شعبي إلى السلطة، وإصلاحات أولية تلقى صدى لدى المواطنين العاديين، ثم انحدار تدريجي إلى استبداد أغلبي يتغطّى بلغة الديمقراطية.
لكن لكي تسلك إيران مثل هذا المسار، سيكون التغيير المؤسّسي الشامل مطلوبًا. فطبقات السلطة المتداخلة في الجمهورية الإسلامية — بما في ذلك مكتب القائد الأعلى، مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء — ستحتاج إلى التفكيك، دمج الحرس الثوري في الجيش المهني وتمكين مؤسّسات البلاد المنتخبة التي جرى تفريغها إلى حد بعيد. ومن دون هذه المتطلّبات، لا يمكن لسياسة تنافسية وخاضعة للمساءلة بحق أن تترسّخ.
ومع ذلك، لن تبدأ إيران من الصفر. فكما لاحظ عالم الاجتماع كيان تاج بخش، فإنّ إنشاء النظام لآلاف المجالس المحلية والهيئات البلدية أنتج “مؤسّسات ذات استخدام مزدوج: أُنشئت لخدمة نظام استبدادي، لكنها متاحة بنيويًا لدعم انتقال ديمقراطي — إذا أُتيحت لها الفرصة”. وفعليًا، مارس الإيرانيون منذ زمن طويل أشكال الحكم التمثيلي، من دون التمتّع بجوهره.
وقد يبرز زعيم شعبوي بسهولة من أي انتخابات نزيهة ولو عن بُعد. ففي بلد يجمع بين موارد كبيرة ولا مساواةٍ عميقة، كانت الشعبوية قوّة متكرّرة في السياسة الإيرانية الحديثة. ففي عام 1979، شنّ الخميني هجومًا على الشاه وداعميه الأجانب، واعدًا بالخدمات المجانية، السكن للجميع وثروة نفطية تتدفّق إلى الشعب لا إلى نخبة فاسدة. وبعد جيل، صعد محمود أحمدي نجاد، عمدة طهران المغمور، إلى الرئاسة عام 2005، متعهّدًا بـ“وضع أموال النفط على موائد الناس”. سواء عبر انتخابات مفتوحة أو تنافسية، قد تشهد إيران ما بعد خامنئي مجدّدًا صعود وافد شعبوي ذي مؤهّلات قومية وقدرة على تعبئة الغضب ضد كلٍّ من النخب والأعداء الأجانب.
لن يقود مثل هذا المسار إيران إلى ديمقراطية ليبرالية، لكنه لن يواصل الحكم الديني أيضًا، بل سيمزج الشرعية الشعبية بالسلطة المركزية، وإعادة التوزيع بالفساد، والقومية برمزية دينية. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، سيكون ذلك أفضل من استمرار الثيوقراطية أو الحكم العسكري. ومع ذلك، كما تُظهر تجربة تركيا، يمكن للشعبوية أن تفتح الباب ليس إلى التعدّدية، بل إلى شكل جديد من الاستبداد — استبداد مدعوم جماهيريًا ومفوّض بصندوق الاقتراع.
حياة عادية
يرشدنا التاريخ إلى التواضع في التنبّؤ. ففي كانون الأول/ ديسمبر 1978، قبل شهر واحد فقط من مغادرة الشاه، كتب أحد أبرز الباحثين الأميركيين في الشأن الإيراني، جيمس بيل، في مجلة “فورين أفيرز”، أنّ “البديل الأرجح” للشاه سيكون “مجموعة تقدمية يسارية من ضبّاط الجيش متوسّطي الرتب”.
وشملت السيناريوهات الأخرى – كما اقترح – “طغمة عسكرية يمينية، ونظامًا ديمقراطيًا ليبراليًا قائمًا على النماذج الغربية، وحكومة شيوعية”. وكتب بيل: “لا حاجة لأن تخشى الولايات المتحدة من أن تكون الحكومة المستقبلية في إيران بالضرورة مناوئة للمصالح الأميركية”. والأكثر لفتًا، أنه قبل أسابيع فقط من استيلاء علماء الدين الإيرانيين على السلطة، تنبّأ بيل أنهم “لن يشاركوا أبدًا مباشرة في البُنيةِ الحكومية الرسمية”. كما أساء المثقّفون الإيرانيون تقدير الأحداث. فقبل أسابيع من توطيد الخميني لثيوقراطيّته، وبدء الإعدامات الجماعية، أعلن أحد أبرز مفكري إيران، الفيلسوف داريوش شايغان: “الخميني هو غاندي إسلامي. إنه في محور حركتنا”.
وكما حيّرت أحداث 1979 كلًّا من المطّلعين والخارج، تعود السيناريوهات الشاذّة لتبدو ممكنة. ونظرًا لغياب البدائل، يتطلّع بعض الإيرانيين إلى رضا بهلوي، نجل الشاه المنفي، الذي يحافظ انتشار اسمه الواسع على صيته عبر صناعة منزلية إلكترونية من الحنين إلى حقبة ما قبل الثورة. ومع ذلك، وبعد أن أمضى ما يقرب من نصف قرن في الخارج، سيتعيّن عليه التغلّب على غياب التنظيم والذراع على الأرض ليفوز في المنافسات القاسية التي تميّز التحوّلات الاستبدادية. وإمكانية أخرى — ربما الهاجس الأكبر لدى كثير من الوطنيين الإيرانيين، بمن فيهم حتى أشد خصوم النظام — هي تفكّكٌ على غرار يوغوسلافيا على أسسٍ عرقية. فقد ترى الأقلّيّات في إيران إضعاف المركز فرصة للتمرّد أو لبداية جديدة. لكن خلافًا ليوغوسلافيا، ترتكز إيران على هوية أقدم وأكثر تماسكًا بكثير: فأكثر من 80% من الإيرانيين إما فرس أو آذريون، ويكاد الجميع يتحدثون الفارسية لغةً جامعة، وحتى المجموعات غير الفارسية تتماهى مع دولة لها تاريخ متّصل يزيد على 2,500 عام.
في الجوهر، تبدو إيران مرّةً أخرى بلدًا مطروحًا على الطاولة، بمستقبل قد يتباين بشكل دراماتيكي. وستستفيد الولايات المتحدة وبقية العالم من إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية، إذا كانت موجَّهة بالمصلحة الوطنية، وليس بالدوغما الثورية. وكما لاحظ الدبلوماسي هنري كيسنجر ذات مرّة: “هناك قلائل من الدول في العالم التي لدى الولايات المتحدة أسباب أقلّ للتنازع معها، أو مصالح أكثر توافقًا، من إيران”. ومع ذلك، فقد أكدت تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق حدود النفوذ الخارجي: حتى الاستثمارات الهائلة من الدم والمال لا يمكنها أن تُملي النتائج السياسية. وتواجه روسيا قيودًا مماثلة. قد تفضّل موسكو استمرار جمهورية إسلامية يمكن أن تكون شوكة دائمة في خاصرة واشنطن، ومصدرًا لعدم الاستقرار يرفع مخاطر الطاقة العالمية. لكن على الرغم من أفضل جهودها، لم تستطع موسكو منع انهيار نظام الأسد، عميلها في سوريا. أما الصين، فعلى النقيض، فلديها ما تكسبه أكثر بكثير من إيران تفي بإمكاناتها كقوّة طاقة من إيران تُصدّر عدم الاستقرار.
ومهما كان مدى قدرة القوى الخارجية على ترجيح الكفّة، فإنّ إيران اليوم كبيرة وقادرة بما يكفي لترسم مصيرها بنفسها. لديها كل مقوّمات دولة من مجموعة العشرين: سكّان متعلّمون مرتبطون بالعالم، موارد طبيعية هائلة وهوية حضارية فخورة. غير أنّ المناخ الدولي يكاد لا يكون أقلّ مواءمة للديمقراطيين الإيرانيين، فقد سحبت الحكومات الغربية التي كانت يومًا تُعلي من شأن الديمقراطية مواردَها، وانشغلت بتراجعها الديمقراطي في الداخل. وقلّصت الولايات المتحدة مؤسّسات — مثل “الوقف الوطني للديمقراطية” و”صوت أميركا” — كانت مركزية في نجاحها خلال الحرب الباردة. وفي هذا الفراغ، يُرجَّح أن تتبع إيران الاتجاه العالمي الأعمّ، حيث يصعد رجال أقوياء بتشديدهم على فضائل النظام بدلًا من وعد الحرية.
قد لا يحدّد رأي الأغلبية انتقال إيران، لكن بقدر ما يسعى الطامحون السياسيون لاستمالته، تبدو حقيقة واضحة: لا يتوق الإيرانيون إلى شعارات فارغة، أو عبادة شخصيّات، أو حتى تصوّرات سامية عن الديمقراطية. ما يرغبون فيه قبل كلّ شيء، هو حكومة مُحكَمة الإدارة وخاضعة للمساءلة، يمكنها استعادة الكرامة الاقتصادية، وتتيح لهم عيش زندگيِ عادي — “حياة عادية”، خالية من قبضة خانقة لدولة تراقب ما يرتدون، ما يشاهدون، كيف يحبّون، من يعبدون، وحتى ما يأكلون ويشربون.
لقد مثّل حكم الجمهورية الإسلامية نصف قرن ضائعًا لإيران. ففي حين أصبحت جيرانها في الخليج مراكز عالمية للمال، النقل والتكنولوجيا، بدّدت إيران ثروتها على مغامرات اقليمية فاشلة، وبرنامج نووي لم يجلب سوى العزلة، وكل ذلك فيما كانت تقمع وتهدر أعظم مصادر ثروتها: شعبها.
ولا تزال البلاد تملك الموارد الطبيعية ورأس المال البشري اللذين يؤهّلانها للتموضع بين الاقتصادات الرائدة في العالم. لكن ما لم تتعلّم طهران من أخطائها وتُعدّل سياستها، فسيظلّ مسارها مسار تراجع لا تجدّد. والسؤال ليس ما إذا كان التغيير سيأتي، بل ما إذا كان سيجلب أخيرًا ربيعًا طال انتظاره — أم مجرّد شتاء آخر.
إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجادة وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

