الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة14 أكتوبر 2025 15:20
للمشاركة:

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش

في لحظة إقليمية مثقلة بالحروب والتهديدات، تغيب إيران — كحياة يومية وتجارب إنسانية — عن التغطية الإعلامية الدولية. في الصحف الكبرى والمواقع العالمية، تبدأ القصص عادة بوزير يفاوض، أو مسؤول يلوّح بالعقوبات، أو دبلوماسي يلمّح إلى تسوية. لكن أين الإيرانيين أنفسهم؟

هذا التحقيق يسلط الضوء على طبقتين من المعالجة. الأولى هي الموضوعيّة التي بنتها مبادرة «أنماط» على قاعدة بيانات واسعة تضم موادّ دولية منشورة بين 2023 و2024، حيث تم تصنيف كل مادة تبعًا لـ«موضوعها» الرئيس: مفاوضات نووية، عقوبات / دبلوماسية، ضربات / اشتباكات أمنية، احتجاجات داخلية، أو موضوعات أخرى. هذا التصنيف لا يحكم اللغة، بل يحدّد ببساطة عمّ تتحدث القصة.

الطبقة الثانية تصرّفنا في إنتاجها، وهي طبقة لغويّة / سرديّة، وتسأل: من الذي يتكلم أولًا في كل قصة؟ أخذنا الجملة الافتتاحية من النصوص باعتبارها مؤشرًا عمليًا لـ«الصوت الأوّل»، ثم صنّفناها إلى خمسة ألسنة محتملة: سياسي / دبلوماسي، أمني / عسكري، مدني / حقوقي، وصفي غير مسنَد، ومصدر مجهّل. عند قولنا مثلًا «في المفاوضات النووية يبدأ نحو 60% بلسان سياسي»، فنحن نجمع بين الطبقتين معًا: موضوع مستمدّ من تصنيف أنماط، وطريقة افتتاح مستمدّة من قراءة الجملة الأولى التي قمنا بها.

لا يعني «غير مسنَد» غموضًا مقصودًا أو تجهيلًا للمصدر، بل غالبًا ما تكون افتتاحيةً تقريرية أو مشهدية بلا اقتباس مباشر، أو اقتباسٌ يأتي متأخرًا في المتن. ولهذا قمنا بتفكيك هذا الحقل داخليًا إلى وصفٍ بحت مقابل «اقتباس متأخر»، للتأكد من أن ندرة المجهّلات حرفيًا ليست حيلةً لغوية. وعلى امتداد العمل أجرينا تدقيقًا يدويًا على عيّنات موزونة من المواد لضبط العتبات وتثبيت الاتساق، مع توحيد المسميات بصيغتها الواضحة للقارئ: سياسي / دبلوماسي، أمني / عسكري، مدني / حقوقي، وصفي غير مسنَد، مجهّل.

تبقى لهذه المنهجية حدودها: نحن نصف «من يمسك بالميكروفون في السطر الأول»، لا نُصدر أحكامًا على النبرة أو الموقف التحريري في كامل النص؛ والقاعدة المعتمدة دوليّة الطابع وليست مرآةً شاملة لكل ما يُنشر داخل إيران أو بالفارسية. مع ذلك، فإن اقتران الموضوع بالافتتاح اللغوي يكشف، بثباتٍ عبر الزمن والمنصّات، عن اختيار سرديّ متكرر: حين تُروى إيران، تتقدّم السياسة إلى الواجهة، ويتأخر البشر.

الأرقام تتكلّم… والنصوص تشهد

عبر تحليل أكثر من 6,600 مادة بين 2023 و2024 نخلص إلى أن المواطن الإيراني العادي يكاد لا يظهر في النصوص. حتى حين ينفجر الشارع بالاحتجاجات أو حين تهز البلاد انفجارات دامية، يتصدر المشهد تصريح سياسي أو بيان رسمي. النتيجة واضحة: إيران تُختزل في السياسة، الأمن يُدفع إلى الهامش، والناس يغيبون تمامًا.

المفارقة أن الأصوات المدنية القليلة التي رُصدت لم تأتِ من طهران أو أصفهان أو مشهد، بل من خارج إيران: امرأة إسرائيلية تتحدث عن خوفها من صواريخ إيرانية، أو أسرة فلسطينية في مخيم لبناني تتأثر بصراع تُتهم طهران بالضلوع فيه. أما الإيراني نفسه — من يعيش الواقع يومًا بيوم — فلا يحضر.

هذه الصورة الرقمية لا تعكس ميلاً عابرًا، بل تكشف عن نمط ثابت: الإعلام الدولي يتعامل مع إيران كملف تفاوضي ودبلوماسي، لا كبلد يعيش فيه ملايين البشر. إيران في الأخبار ليست سوى وزراء يجتمعون وساسة يصرّحون… بينما يظل الأمن على الهامش والناس خارج المعادلة.

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش 1

ليس هذا انطباعًا عابرًا. بل نتاج تحليل قاعدة بيانات ضخمة انتجتها مباردةأنماط، فعبر تحليل نحو 6,665 مادة منشورة بين 2023 2024 يُظهر أن ستًة من كل عشرة نصوص عن إيران تبدأ بصوت سياسي / دبلوماسي، بينما لا يتجاوز الصوت الأمني 6.5%، والمدني 2.5% فقط. وعند تشديد الفلترة إلى المواد التي تجعل إيران هي مسرح الحدث داخل البلاد، يصبح المشهد أكثر فجاجة: صفر حضور لمدنيين إيرانيين في الافتتاحيات، وهيمنة شبه كاملة للسياسي والأمني، فيما المصادر المُجهّلة تكاد تنعدم (حالة واحدة تقريبًا في كل ألف نص). وما يُصنَّف “غير محدد” ليس غموضًا مهنيًا بقدر ما هو افتتاح وصفي بارد بلا صوت بشري واضح.

هذه الصورة الرقمية تجد صداها مباشرة في لغة المواد. حين تتصاعد التوترات، كثيرًا ما يُفتتح الخبر بجملة تقريرية عامة تحشد سياقًا جيوسياسيًا دون أيّ صوت بشري في السطر الأول:

“After weeks of regional fears about a broader war…”
 هذه الجملة الافتتاحية (وصولًا إلى فقرات كاملة أحيانًا) تُعرِّف المشهد، لكنها تؤجّل الشخص إلى لاحقٍ مجهول.

وحين يظهر الصوت، فهو غالبًا سياسي / دبلوماسي. داخل مادة تحليلية مطوّلة عن حسابات طهران وردودها، تبرز عبارات محورية تؤكّد احتكار التصريح من أعلى الهرم السياسي والديني:

Ayatollah Ali Khamenei: “No barrier” to renewing negotiations over Iran’s nuclear program.


 Mohammed Ali Shabani: “The Iranians keep dropping hints about striking a target with precision.”

هذه ليست شذرات معزولة؛ إنها مثال نموذجي لكيفية تأطير الملف الإيراني كملف تفاوضي ولغة عواصم: تصريحات عن مفاوضات، إشارات محسوبة لـ”الردّ الدقيق”، وتقييمات لميزان الردع، وكلها تُروى بألسنة سياسيين ومحللين ومبعوثين.

حتى عندما نتوقع غلبةً للصوت الأمني / العسكري —في أخبار الاغتيالات والضربات وتبادل النيران— يبقى الأمن في خلفية المشهد، ويأتي صوته أقل حضورًا من السياسي. ومع ذلك، حين يظهر، فهو يظهر على هيئة تعهدٍ أو وعيدٍ رسمي يُقرأ من فوق المنصّة لا من قلب الشارع:

“Hossein Salami (IRGC): “You will hear good news about revenge, God will”

بين هاتين الضفتين—افتتاح وصفي بلا شخص، وتصريحات سياسية / عسكرية من علٍ— يغيب الإنسان الإيراني. المفارقة أن القلة النادرة من الأصوات المدنية التي نعثر عليها في التغطيات المرتبطة بإيران تأتي من خارج إيران: امرأة إسرائيلية تتحدث عن خوفها من الصواريخ، أسرة فلسطينية تُجلي يومياتها في مخيم لبناني، شهودٌ مدنيون من ساحاتٍ مجاورة. أمّا المدني داخل إيران—الطبيب، الأسرة، الطالبة، المحامي—فلا يطلّ في السطر الأول، ولا يكاد يُرى في بدايات القصص التي تصنع الانطباع وتوجّه الفهم.

هكذا تتسق البيانات مع اللغة: نسبٌ تُثبت احتكار السياسة وضمور الأمن، وشواهد نصّية تكشف كيف تُروى إيران من فوق— من بيانٍ إلى بيان— فيما يظل الناس خارج اللقطة.

مفارقة الصوت المدني: حاضرٌ… من خارج إيران

في شقّة صغيرة بإحدى ضواحي القدس المحتلة، تحكي امرأةٌ إسرائيلية كيف صارت حقيبة الإسعافات جزءًا من الأثاث. الهاتف لا يفارق الطاولة، تطبيقات التحذير مفّعلة دائمًأ، وعلى الشرفة بطّانيةٌ مشدودة تُصلح ملجأً مؤقتًا للأطفال. ليس في كلامها سياسة، بل إيقاع يوميّ من توقّع الانفجار: أن تُغلق النوافذ قبل منتصف الليل، وأن ينام الأطفال بثياب الخروج. يظهر هذا الصوت المدني بقوة في مادةٍ عن احتمال جولة صواريخ إيرانية جديدة، لكن المفارقة أن القصة التي تُحكى باسم “إيران” لا تقول شيئًا عن مدنيّي إيران أنفسهم. (مصدر: Newsweek)

بعد بضعة أسطر، نغادر القدس إلى مخيّمٍ فلسطينيّ في لبنان. خلال مساءٍ رطب داخل برج البراجنة، تتوقف عائلةٌ فلسطينية داخل المخيم عن تناول العشاء حين تنهمر إشعارات الأخبار على شاشات الهواتف: خرائط، أسهم، خطوط حمراء. الأب يهدّئ الصغار، والأم تحسب المسافة إلى أقرب ملجأ. الحديث عن إيران في النصّ يجيء سياسيًا وتحليليًا—إلى أي مدى قد يمتدّ الصراع؟—لكن الحياة تُدار هنا، في الهامش الجغرافي من عنوانٍ يُفترض أنه إيراني. (مصدر: The Guardian)

في الحالتين، المدني حاضر، لكنه خارج حدود إيران. أمّا الداخل، فله سردٌ آخر.

عند انفجارات كرمان الدامية، التي حصدت عشرات الأرواح قرب ضريح قاسم سليماني، تفتتح التغطيات بالأرقام والاتهامات الرسمية ووعود الردّ. تتوالى تصريحات المسؤولين: “سنتعقّب”، “سندفع الثمن”، “سنغلق الحساب”. ما لا نجده في السطر الأول هو ما بوسع الصحافة أن تنتزعه حين تتاح لها الأرض: اسمٌ من بين الضحايا، غرفة طوارئ، أمٌّ تضع هاتفها قرب سرير ابنها. تُختزل الواقعة في معادلات تنظيم ومسؤولية وردع، ويؤجَّل البشر إلى الداخل—إن وُجدوا أصلًا في متنٍ يعلوه ضجيج السياسة. (مصدر: BBC)

بهذه الثلاثية—مدني حاضر خارج إيران، ومدني غائب داخلها، وسطرٌ أولٌ سياسيٌّ يبتلع الفضاء—تتشابك الأرقام مع اللغة: نسبةٌ تُثبت احتكار السياسة، ونصوصٌ تكشف كيف تُروى إيران إما من الخارج، عبر إسرائيلي في القدس المحتلة او فلسطيني في مخيم، وإما من فوق، من بيانٍ حكومي إلى تصريح دبلوماسي .

كيف تُوزَّع الهيمنة السردية عبر الموضوعات؟

حين نضع الموضوعات الكبرى تحت المجهر، يتضح أن احتكار السياسة لا يتبدّد بتبدّل العناوين، بل يلبس أقنعة مختلفة. في ملفات المفاوضات النووية وما يتفرّع عنها من عقوبات ودبلوماسية، تتقدّم اللغة السياسية إلى الواجهة بلا منازع تقريبًا: في التغظية الغربية لإيران، يبدأ نحو ستين في المئة من المواد بلسان وزير أو متحدث أو مبعوث، بينما يتقلّص الهامش المدني إلى هامش لا يكاد يُلحظ. هنا تُدار القصة كأنها محضر جلسة: منسوب من التصريحات والإحالات والهوامش القانونية، لا يترك مكانًا لنبض الناس داخل إيران.

وحين ننتقل إلى الضربات والاشتباكات الأمنية، ننتظر – منطقيًا – أن يرتفع صوت الأمنيين والعسكريين. لكن ما يحدث في الواقع أن السياسة تبقى هي المتحدّث الأول في نصف القصص تقريبًا، ويظهر الصوت الأمني بنسبة محدودة، فيما تُفتَتح مواد كثيرة بوصفٍ عامّ لا يُسند إلى أحد. هذه ليست مصادفة، إنها إشارة متكررة إلى أن سرد إيران يُروى من زاوية القرار والقراءة العليا لا من زاوية الميدان. تتكثّف المصطلحات التقنية: “ردّ محسوب”، “رسالة ردعية”، “نافذة تفاوض”، وتنسحب أسماء البشر إلى الداخل، بعيدًا عن السطر الأول.

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش 2

الاستثناء الجزئي الوحيد يلوح في ملفات الاحتجاجات والداخل الاجتماعي. هنا يرتفع حضور المدنيّ الإيرانيّ قليلًا، لكنه لا يهدّد عرش السياسي. يظهر صوت طالبة أو محامٍ أو طبيب في متن بعض القصص، غير أن المطلع الأول يظل محفوظًا لبيان أو تقييم رسمي. حتى حين يهتف الشارع، يعلو فوقه صوت من يشرح الشارع ويؤطّره ويضعه في سياق صفقات أكبر. هكذا تبقى إيران، حتى في لحظات أكثرها بشرية، مُصاغة بلسان السياسة.

من يتكلّم أكثر؟.. اختلافات المنصّات والزمن واحد

عبر المنصّات الكبرى التي راجعناها في قواعد بيانات مبادرة أنماط  تتشابه القاعدة أكثر مما تختلف: السياسي هو صوت الافتتاح في جميع المنصّات الرئيسية تقريبًا، فيما يبقى الأمني حضورًا مساعدًا لا يعتلي السطر الأول إلا في سياقات محدودة (ضربة/ اغتيال/ مواجهة قصيرة)، ويظلّ المدني هامشيًا أو غائبًا. المنصّات التي تُنتج نشرات سريعة ومتابعات آنية ترفع قليلًا حضور الأمنيين في أخبار الاغتيالات والضربات، لكن هذا الارتفاع لا يتحوّل إلى هيمنة: ما إن نخرج من خبر عاجل إلى تقرير أو تحليل، يعود السياسي ليتكلّم أولًا.

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش 3

يمكن رؤية ذلك في النبرة الافتتاحية نفسها. عندما ترتفع المخاوف من توسّع الحرب، تبدأ المواد بجُمل تقريريّة واسعة، تضع القارئ مباشرة داخل عدسة السياسة العليا قبل أيّ إنسان أو شاهد من الميدان: صحيفة الواشنطن بوست مثلًا تفتتح تغطياتها العاجلة غالبًا بصياغات تحمل الطابع المؤسسي الأميركي:

“U.S. officials said they are weighing options for retaliation after a deadly drone attack by Iran-backed groups in Jordan.”

في المقابل، البي بي سي تميل إلى الافتتاح بالرقم والحدث، لكن سرعان ما تربطه بموقف رسمي:

“At least 84 people were killed in twin blasts in Iran… Iranian state media blamed terrorist groups as officials vowed retaliation.”

أما الغارديان، فهي تُدخل عنصر التحليل منذ البداية، لكنها تبقى في إطار السياسة:

“Iran’s attack on Israel tested the country’s defences but also reshaped diplomatic calculations in Washington.”

هذا التنويع في الأسلوب لا يغيّر جوهر القاعدة: مهما كان الحدث — قصف، تفجير، مفاوضات — فإن الافتتاح محجوز للسياسة. حتى حين يتعلّق الأمر بملف الاحتجاجات داخل إيران، حيث يتوقّع القارئ أن يسمع صوت المتظاهر أو الشارع، تبدأ النصوص عادةً برؤية خارجية تضع الاحتجاج في سياق أكبر:

“Iran’s domestic unrest comes at a critical moment for nuclear talks, Western diplomats said”

هذا ليس تفصيلاً أسلوبيًا. إنّه نمط منصّيّ سرديّ غربيّ. في محور المنصّات من قاعدة البيانات، يتجاوز نصيب الافتتاح السياسي نصف المواد في أغلب محتوى الناشرين الكبار، بينما يبقى الأمني رقمًا أحاديًا أو على عتبة العُشري في أحسن الأحوال، ويرسو المدني عند مستويات هامشية عبر معظم المنصات. المنابر التي تميل إلى التحليل المطوّل (Analysis/ Explainers) تُضيف صوت الخبراء بوصفه ميكروفونًا ثانيًا للسياسة، لا بديلاً عنها، أي أننا لا نغادر الحقل السياسي بل نُثبّته بصوتٍ شارح.

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش 4

زمنيًا، تُظهر خطوط time_lead_lines أن المشهد يتماوج مع الذروات الإقليمية: قفزة سياسية عند محطات كبرى (ضربة دمشق على محيط السفارة الإيرانية / الاشتباك المحدود مع حزب الله / مواقيت التفاوض والعقوبات)، يتبعها ارتفاع في الافتتاح غير المسنَد  خلال أيام الضباب والغموض حين تُكتَب الجُمل الأولى بصياغات عامة من قبيل “بعد أسابيع من المخاوف الإقليمية…”. حتى هنا، لا يتحوّل الأمني إلى راوٍ أوّل، رغم أن حضوره يزداد قليلًا في ذروة الحدث، لكنه يبقى أقل من السياسة، وكأن الميدان يُروى من منصّة الإحاطة لا من الشارع. وفي الفترات الفاصلة، يعود المنحنى إلى قاعدته: السياسة تتكلم أولًا.

ما يلفت أن الاستثناء الوحيد جزئيّ ومؤقّت: عند الاحتجاجات الداخلية في إيران، يرتفع نصيب المدني قليلًا في المتون، لكنه نادرًا ما يقتحم سطر الافتتاح. هناك دائمًا صوتٌ أعلى يُعيد ترتيب المشهد: وزير، متحدث، خبير، صوتٌ يشرح الناس بدلًا من أن يُسمِعهم. والنتيجة التي تثبتها الجداول والاقتباسات معًا واضحة: اختلاف المنصّة أو توقيت النشر لا يغيّر هوية “المتكلّم الأوّل”: السياسة تُمسك بالميكروفون منذ الجملة الأولى، فيما الأمن يلوّح من الخلف، والناس — في الداخل الإيراني تحديدًا — يبقون خارج الكادر.

صوت الأمن في الهامش أيضًا

على الورق، يبدو الأمن عنوانًا طبيعيًا لأي قصة عن إيران: حرسٌ ثوري، مناورات، اغتيالات، واشتباكات ظلّية تمتد عبر أكثر من جغرافيا. لكن حين نفتح النصوص نفسها، لا نجد الأمن يتصدر المشهد كما يوحي الواقع، بل يُستدعى في الغالب كصدى متأخر لقراءةٍ سياسية سبقتْه. في التوزيع العام، لا يتجاوز الصوت الأمني في افتتاحيات تغطية إيران نحو 6.5% فقط، وحتى داخل قصص «الضربات والاشتباكات»، حيث نتوقع تقدّم الميدان، يبقى السياسي هو الراوي الأول في قرابة نصف المواد، فيما يُدفَع الأمن إلى الخلف، ويُترك للقارئ افتتاحٌ وصفي بلا إسناد مباشر في نسبة معتبرة من النصوص.

هذه المفارقة لا تُرى في الأرقام وحدها، بل في الإيقاع اللغوي للجمل الأولى. حين تتصاعد المخاوف من توسّعٍ إقليمي، لا تُفتَح المواد على لقطات من الميدان أو روايات شهود من الداخل الإيراني، بل على محاضر موقف: تقييمات لعواقب التصعيد، إشارات إلى «نافذة تفاوض» أو «رسالة ردعية»، وعبارات محسوبة من عواصم القرار. وحين يحضر الأمن أخيرًا، يحضر غالبًا من المنصّة: تعهدٌ عام بالردّ، إنذارٌ بعودة التوازن، توصيفٌ لعمليةٍ «محسوبة» لا نرى تفاصيلها. يصبح العسكري ضرورة وظيفية تتكئ عليها السياسة، لا فاعلًا سرديًا يقود القصّة.

ما يكرّس هذا الهامش أن التغطية تميل إلى تشريح «منطق الردع» أكثر من الإنصات لصوت الميدان. نقرأ عن «ضربة دقيقة» و«حسابات كلفة» و«تجنّب حرب شاملة»، لكننا نادرًا ما نجد افتتاحًا يَسرد كيف بدا الليل في مدينةٍ حدودية، أو ماذا فعل انفجار قرب مشفى، أو كيف حَسبَت عائلةٌ إيرانية مسار حياتها على وقع تهديدات متبادلة. حتى في ذروة حدث أمني كبير، تُروى إيران غالبًا من فوق: وزيرٌ يقدّر، ومسؤولٌ يُطمئن، ومبعوثٌ يفسّر— ثم يأتي الأمن تعقيبًا لا افتتاحًا.

ليس معنى ذلك أن الصوت الأمني غائب. إنه موجود، لكنه محكوم بإيقاعٍ سياسي يسبقه ويؤطّره ويُعيد كتابته. وحين يُستحضَر الأمن كافتتاح، يكون ذلك في أخبار خاطفة عن اغتيالٍ بعينه أو انفجارٍ محدّد، لكنه لا يتراكم ليفرض هيمنة سردية. هكذا تستقرّ الصورة التي ترسمها القاعدة: إيران تُقدَّم إلى القارئ كملفٍّ قابل للضبط السياسي قبل أي شيء آخر؛ حتى أمنها، حين يتكلم، يتكلم من وراء الستار.

المقارنة مع الضفة: موازين أصوات مختلفة… ونهاية واحدة

حين نخرج من إيران إلى الضفة الغربية يتبدّل ملمس التغطية، لكن النتيجة التحريرية تظل متقاربة على نحوٍ لافت. في الضفة، البداية غالبًا من الميدان: مداهمة فجراً، اشتباك خاطف، جنازة مزدحمة، أو نقطة تفتيش مشتعلة. هذا القرب من الحدث يمنح الأمنيين والحقوقيين هامشًا أوسع للظهور مقارنة بإيران، لكنّه لا يطيح بالسياسي من صدارة السطر الأول. في الصورة العامة، تبدو الضفة أقرب إلى قصة ميدانية تُحكى بأصوات متعددة، بينما تُروى إيران كملف تفاوضي من وراء الطاولة.

الملف الإيرانيّ: احتكار سياسي للسرد… الأمن والناس في الهامش 5

الأرقام تُبرز هذا الفارق: في عيّنة الضفة، يبدأ نحو 18.6٪ من المواد بصوت سياسي / دبلوماسي، مقابل 13.9٪ بصوت أمني، و11.4٪ بصوت مدني / حقوقي، فيما تفتتح أكثر من نصف النصوص (56٪ تقريبًا) بوصف عام غير مسنَد (UNK). المقابل الإيراني أكثر حدّة: السياسة تتصدر 59.3٪ من الافتتاحيات، الأمن يتراجع إلى 6.5٪ فقط، والمدني إلى 2.5٪. الفارق الجوهري أنّ الضفة تُظهر تقاربًا نسبيًا بين الأمني والمدني والسياسي حول الحدث، حتى لو ظلّ الوصف العام يلتهم البداية؛ أما في إيران، فالصوت السياسي يبتلع المشهد من الأصل.

لكن ثمة تفصيل حاسم يبدّد ذريعة «استحالة الوصول» داخل إيران: أثناء موجات الاحتجاجات الشعبية ضدّ الحكومة الإيرانية، أثبتت الصحف الغربية قدرتها على الوصول إلى الشارع الإيراني ونقل رؤيته. في شريحة Domestic/Protest يرتفع صوت المدني في الافتتاح إلى قرابة 12.2% (مقابل 67.3% سياسيًا و16.3% افتتاحًا وصفيًا و4.1% أمنيًا). هذا لا يقلب الهرم—فالسياسي يظل في الصدارة — لكنّه يثبت أن الوصول إلى شهود وأطباء وطلاب وأسرٍ داخل إيران ممكن عندما تكون القصة مُصاغة من الأرض. ما إن ينتقل العنوان إلى المفاوضات النووية أو العقوبات / الدبلوماسية حتى ينهار حضور المدني مجددًا إلى 1.9–3%، ويستعيد السياسي 60–61% من الافتتاحيات؛ وحتى في الضربات / الاشتباكات الأمنية يبقى السياسي هو المتحدث الأوّل في نحو 51%، بينما يقفز «الوصف غير المسنَد» إلى 38% ويظل الأمني عند 7.7% فقط.

عمليًا، يتسرّب هذا الفارق إلى اللغة. في قصة الضفة، الافتتاح قد يكون صورة شارع: “اشتباكات في محيط جنين…”، ثم يظهر بعد أسطر قليلة متحدث عسكري أو محامٍ حقوقي أو سكان محليون، فينتقل القارئ سريعًا من البيان إلى الأثر. في قصة إيران، حتى عندما تكون الثيمة احتجاجية أو انفجارًا داخل المدن، يطغى سطر افتتاحي يضبط الإطار السياسي (مفاوضات/ عقوبات/ ردّ محسوب)، ثم يتوالى التصريح الرسمي أو تفسير الخبير، بينما يتأخر أثر الناس إلى الداخل، إن وُجد أصلًا.

النتيجة أنّ احتكار السياسة للسرد في إيران ليس مجرد رقم على الرسم البياني، بل اختيار سردي متكرر يضع صوت السياسي في مقدمة المسرح، ويترك المدني الإيراني خارج الكادر. أمّا في الضفة، فالقارئ يحصل على مشهد أكثر “اختلاطًا” للأصوات، لكنه يظل باهتًا بسبب وفرة الافتتاحيات الوصفية غير المُسنَدة. في الحالتين، يظل السؤال الصحفي مفتوحًا: كيف يمكن إعادة ترتيب أول سطر بحيث يمر عبر الإنسان قبل أن يستقر في بيان السياسة؟

————

أنماط (Anmat) هي مبادرة بحثية وصحفية تأسست عام 2023، وتهدف إلى تحليل التحيزات الإعلامية (Media Bias) داخل التغطيات الإخبارية الدولية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا خوارزميات التعلّم الآلي (Machine Learning) وتحليل القواعد الترابطية (Association Rule Mining – ARM).

تسعى المبادرة إلى تقديم مقاربة كمية (Quantitative) لفهم “التحيّز السردي” و“إطارات المعنى” في الأخبار، أي تحويل مفاهيم مثل الانحياز والفريمينغ إلى أنماط قابلة للقياس والمقارنة بين المؤسسات الإعلامية المختلفة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: