الاتفاق النووي.. من الولادة العقيمة إلى إعلان الوفاة
عرف الاتفاق النووي مسارًا طويلًا قبل أن يُبصر النور، والكثير من التعنّت والتوتّر بين الأطراف المعنية، وما إن دخل حقبة الانفراج حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
بدأ مسار المفاوضات النووية بشكل جدًي بين إيران والدول الغربية – بما فيها الولايات المتحدة – منذ عام 2003، حيث انعقدت في مدن مختلفة، وذلك بهدف حلّ المسائل المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات عن طهران.
وجرت هذه الاجتماعات بحضور ممثّلي إيران ومجموعة (5+1) (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين وألمانيا إلى جانب الاتحاد الأوروبي)، أو بصيغة ثنائية، وفي بعض الأحيان بصورة مباشرة، بين إيران والولايات المتحدة.
في ما يلي أبرز المحطّات التي عرفها الاتفاق النووي الإيراني، منذ جولاته الأولى وحتى وصوله اليوم إلى إعلان الوفاة.
طهران، إيران 2003
بدأت رحلة المفاوضات النووية بين إيران والقوى العالمية في طهران، تحديدًا في مجمع سعد آباد، عام 2003، بحضور وزراء خارجية بريطانيا (جاك سترو)، فرنسا (دومينيك فيلبان)، ألمانيا (يوشكا فيشر)، وكل من الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حسن روحاني وسفير إيران لدى الأمم المتحدة محمد جواد ظريف.
وسبق هذه المفاوضات الكشف عن منشأتَيْ نطنز وآراك النوويّتين، وسط مخاوف دولية متزايدة، وقد أفضت إلى اتفاق مؤقّت لتعليق تخصيب اليورانيوم في إيران، لكنّها توقًفت لاحقًا بسبب خلافات عادة.
بروكسل
وخلال الفترة الممتدّة بين 2003 و2005، انتقلت المفاوضات إلى بلجيكا، واستُكملت بحضور ممثّلي الدول الأوروبية الثلاثة مع مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، بينما رأَسَ روحاني فريق التفاوض الإيراني.
وأفضت المباحثات إلى وقف تصنيع واختبار أجهزة الطرد المركزي المتقدّمة في إيران، لكنها عادت وتعثّرت بسبب عدم الاتفاق على بعض التفاصيل.
جنيف
وما بين 2006 و2013، كانت جنيف أحد المراكز الرئيسية للمفاوضات. في هذه الفترة، تشكّلت مجموعة (5+1) (E3 إضافةً إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين)، حيث دخلت الولايات المتحدة مباشرةً في المسار الجديد.
مثّل كل من علي لاريجاني (2005-2007)، سعيد جليلي (2007-2013) ومحمد جواد ظريف (من 2013 حتى توقيع الاتفاق عام 2015) إيران خلال هذه الفترة ككبار المفاوضين، بينما مثّلت الاتحاد الأوروبي تباعًا كاثرين أشتون وفيديريكا موغيريني، في حين مثّل جون كيري الولايات المتحدة كوزير للخارجيّة، ومثّل سيرغي لافروف موسكو كوزير للخارجية أيضًا، بحضور وزراء خارجية الدول الأخرى في مجموعة (5+1).
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وقّعت الأطراف المفاوضة “خطة العمل المشتركة المؤقتة” (JPOA) في جنيف.
اسطنبول
وشهدت مدينة إسطنبول التركية بين 2010 و2012 مفاوضات تصاعدت فيها التوتّرات بين إيران والغرف.
وجرت هذه المفاوضات بين إيران ومجموعة (5+1)، لكنها لم تُحرز تقدّمًا يُذكر، بسبب الخلافات بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم والعقوبات الاقتصادية على إيران.
بغداد – موسكو – ألماتي
وشهدت بغداد وموسكو محاولاتٍ متواصلة عام 2012 لحلّ الخلافات في الملف النووي الإيراني.
وأدى تشدّد الأطراف المعنية، بالإضافة إلى بدء تطبيق عقوبات دولية قاسية على إيران، إلى عدم التوصلّ لنتائج ملموسة.
ثمّ انتقلت المفاوضات عامَيْ 2012 و2013 إلى مدينة ألماتي الكازاخستانية، بهدف خفض التوتّر والبحث عن حلول.
وفي سبيل تحقيق ذلك، قدّمت مجموعة (5+1) مقترحات، لكنّ إيران لم تقبل بها.
لوزان
تمكّنت مفاوضات لوزان في آذار/ مارس من التوصل إلى تفاهم على شكل إطار الاتفاق النهائي للاتفاق النووي المُرتجى، وبالتالي صار بين أيدي الأطراف المعنية أساسًا للاتفاق الشامل.
مثّل إيران آنذاك وزير الخارجية محمد جواد ظريف، رئيس منظمة الطاقة الذرية علي أكبر صالحي ونائب وزير الخارجية عباس عراقتشي.
الولادة الرسمية للاتفاق
في 14 تموز/ يوليو 2015، تمّ إقرار خطة العمل الشاملة المشتركة بعد مفاوضاتٍ طويلة بين وزراء خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، بريطانيا وألمانيا) روسيا، الصين، الولايات المتحدة ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
بعد ذلك مباشرة، وبعد ستة أيام، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2231، مؤكّدًا إلزامية “الاتفاق النووي”، وطالب جميع أطراف هذا الاتفاق بالوفاء الكامل بالتزاماتهم الواردة فيه.
الانسحاب الأميركي من الاتفاق
وفي 8 أيار/ مايو 2018، أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب رسميًا الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، وذلك في خطاب مدّته 11 دقيقة، أكد فيه إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية عن طهران، التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق النووي.
وصرّح ترامب: “بالنسبة إليّ، من الواضح أننا لا نستطيع منع إيران من صنع قنبلة نووية في ظلّ البنية الفاسدة والمتداعية للاتفاق الحالي.. سيقول قادة إيران حتمًا إنهم لن يقبلوا باتفاقٍ جديد، لكنّ الحقيقة أنهم سيسعون للتوصل إلى اتفاقٍ جديد، وإذا كانوا مستعدّين فسأرحّب بذلك”.
وردّ الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني على ترامب بالتالي: “شهدنا الليلة تجربةً مهمّة، وبلغنا النتيجة ذاتها التي شهدناها خلال 40 سنة ماضية؛ وهي أنّ إيران تلتزم بتعهّداتها، وأنّ الولايات المتحدة لم تلتزم يومًا بتعهّداتها.. أمرتُ وزارة الخارجية بأن تدخل خلال الأيام القليلة المقبلة في محادثاتٍ مع الموقّعين الأوروبيين، وكذلك الصين وروسيا. إن توصّلنا خلال هذه المدّة القصيرة إلى اتفاقٍ مع هؤلاء الشركاء بشأن الاتفاق النووي فسنواصل تنفيذ الاتفاق، وإلا فسنتّخذ قرارًا جديدًا”.
وتابع روحاني: “أنا سعيد لأنّ عنصرًا مُعطِّلًا خرج من الاتفاق النووي”.
بدوره، كتب وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف على تطبيق “إكس”: “ردًّا على انتهاكات رئيس الولايات المتحدة وانسحابه غير القانوني من الاتفاق النووي، سأُطلق – بتكليفٍ من الرئيس روحاني – جهودًا دبلوماسية للتحقّق مما إذا كان باقي شركاء الاتفاق النووي قادرين على ضمان المنافع الكاملة لهذا الاتفاق لإيران. ردّنا رهنٌ بنتيجة هذا التحقّق”.
وخلال أكثر من عامَيْن من رئاسته بعد الانسحاب، حاول ترامب دفع إيران إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على اتفاقٍ جديد، إلا أنها رأت أنها لن تعود إلى التفاوض بشأن قضايا سبق أن تم الاتفاق عليها.
الوضع الاقتصادي الإيراني قبل الاتفاق النووي وبعده
وفق بيانات البنك الدولي، دخل الاقتصاد الإيراني في حالة ركود تحت ضغط العقوبات الاقتصادية في عامَيْ 2012 و2013. وكان نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في 2013/ 2014 (سنة 1392 الإيرانية) صفرًا أو حتى سلبيًا، بينما شهد عام 2014/ 2015 نموًّا بنحو 3% مع الاتفاق المؤقّت (JPOA)، وكان التضخّم في مسار تراجعٍ، حيث انخفض من نحو 45% في خريف 2015 إلى نحو 12–13% بين أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2017.
وبعد رفع العقوبات في شتاء 2015–2016، قفز نمو سنة 2016/ 2017 بشكل ملحوظ (وفق تقرير البنك المركزي الإيراني)، فقد بلغ النمو حتى نهاية 2016 نحو 13.4%، مع توقّع لمتوسّط النموّ خلال
العامين 2016/ 2017 – 2018/2019 نحو 4.5–4.6%.
وفي شتاء 2015/ 2016، والثلث الأوّل من ربيع 2016، تمّ الإبلاغ عن نمو سنوي بنسبة 7.4%، مدفوعًا أساسًا بزيادة إنتاج وتصدير النفط، في حين كان نمو القطاع غير النفطي أقل من 1%. وانخفض التضخّم في 2016/ 2017 لأوّل مرة منذ أكثر من عقد إلى نحو 8–9%، مع توقّع البقاء في نفس النطاق خلال عام 2017.
وتحسّن رصيد الحساب الجاري إلى +3.9% في 2016/ 2017، وبلغ عجز الموازنة نحو 2.2% من الناتج المحلّي الإجمالي.
ورغم أنّ النتائج الإيجابية لتنفيذ الاتفاق النووي كانت واضحة، يعود جزء كبير من النمو بعد الاتفاق للتعافي السريع لإنتاج وتصدير النفط؛ أما القطاع غير النفطي، فبقي ضعيف النمو ومتقلّبًا بسبب عدم تنفيذ جميع التزامات الطرف الغربي، ومخاوف الشركات الخاصة.
ولم يصلح توقيع الاتفاق النووي المشكلات البنيوية لاقتصاد إيران، مثل الطابع الحكومي، ضعف النظام المصرفي، العقوبات غير النووية والفساد الواسع.
وبسبب عدم تهيئة بيئة الاستثمار الأجنبي، صار الانسحاب من الاتفاق منخفض التكلفة، وسهلًا نسبيًا للدول.
مع ذلك، كان تأثير الاتفاق النووي على السياسة الداخلية أكبر من أثره الاقتصادي. ففي انتخابات الرئاسة 2017، لعب الاتفاق دورًا رئيسيًا في تعزيز فوز حسن روحاني؛ وبحسب استطلاعات جامعة ماريلاند، اعتقد كثيرون بأنّ فوز روحاني في 2017 كان تعبيرًا عن التأييد لسياساته الخارجية وللاتفاق النووي (JCPOA)، حتى لو كان أثر الاتفاق الاقتصادي محدودًا.
وكانت قرابة ثلثَيْ الناخبين مؤيدة للاتفاق، وبلغت هذه النسبة بين أنصار روحاني نحو 80%. وخلال الحملة الانتخابية، تجدّد ارتفاع التأييد للاتفاق النووي ولسياسته في الانخراط مع الغرب.
وبلغت نسبة المشاركة نحو 72%، ما عُدّ دعمًا واسعًا للحكومة، وقد فاز روحاني بنحو 58% من الأصوات، وهي نسبة أعلى من الأصوات التي حصل عليها في الدورة السابقة.
وبعد انتخاب ترامب رئيسًا عام 2016، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في 2018، عاد الاقتصاد الإيراني إلى هشاشته السابقة للاتفاق.
فبعد الانسحاب الأميركي، وبحسب البنك الدولي، واجه الاقتصاد مجدّدًا أزمة ارتفاع تضخّم الأسعار من نحو 10% في شتاء 2017–2018 إلى 22.4% في خريف 2018، وهو أعلى معدّل تم تسجيله للتضخّم خلال 16 عامًا.
وتراجعت نسبة كفاية رأس المال (CAR)، وارتفعت القروض المتعثرة (NPL)، واضطربت أوضاع المصارف، وفي النهاية أدت حملة الضغط الأقصى الأميركية ضدّ إيران إلى هبوط نموّ الناتج المحلّي الإجمالي.
كما تراجعت الإيرادات النفطية بشدّة، حيث كان الإنتاج النفطي قبل الانسحاب نحو 3.8 مليون برميل يوميًا، ثم هبطت الصادرات لاحقًا إلى أقل من 0.5 مليون برميل يوميًا. وانخفضت السيولة الحكومية، وتفاقم عجز الموازنة (مع أن نموًّا إيجابيًا أُبلغ عنه في بعض فترات 2019–2021، لكنه كان مدفوعًا في الغالب بصادرات النفط إلى الصين وبأسعار النفط العالمية، فيما ظلت القطاعات الأخرى ضعيفة).
وتشير تحليلات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إلى زيادة عدد الفقراء، الانخفاض الحاد في قيمة الريال (من نحو 3,300 تومان مقابل الدولار الواحد إلى أكثر من 40,000 تومان في 2024)، تضخّم رسمي وغير رسمي يفوق 40%، اتساع الفقر الغذائي وتآكل القدرة الشرائية.
وبعدما كان نمو إيران خلال تنفيذ الاتفاق النووي إيجابيًا (12.5% في 2016/ 2017 و3.7% في 2017/ 2018)، انكمش منذ 2018/ 2019 بنحو 5.4% في 2018/ 2019، و7.6% في 2019/ 2020.
وقفز التضخّم الذي كان قد هبط دون 10% في سنوات الاتفاق إلى 23.1% في 2018/ 2019، وإلى 41.4% في 2019/ 2020؛ وكان متوقّعًا أن يبقى في 2020 قرابة 34.7%.
وتفاقم الدين الحكومي والاعتماد على النفط، مع خسارة يُشار إلى أنها قاربت 200 مليار دولار من عوائد النفط. كما ارتفعت نسبة السكّان تحت خط الفقر بشدة (بين 27% و50%)، واستشرى عدم الاستقرار المعيشي.
وطال التضخّم المرتفع، تراجع القدرة الشرائية الحاد ونقص الأدوية والسلع الأساسية معظم السكّان، فاندلعت احتجاجاتٌ شعبية مرارًا، بعضها كان بسبب ارتفاع أسعار الوقود أو السياسات الاقتصادية.
رد فعل إيران بعد الانسحاب الأميركي
ردّت إيران سريعًا برفع مستوى تخصيب اليورانيوم. فحتى 2021 – 2022، أوصلت مستوى التخصيب إلى 60%. واتجهت علاقات إيران نحو تعاونٍ استراتيجي مع روسيا والصين؛ وتحرّك اتفاق الـ25 سنة مع الصين وبدأ الاقتراب من أعضاء منظمة “بريكس”.
وفي أيار/ مايو 2019، أعلنت إيران عن نيّتها رفع مخزونات اليورانيوم المخصّب والماء الثقيل. وفي تموز/ يوليو 2019، رفعت مخزون اليورانيوم المخصّب إلى أكثر من 300 كلغ (سقف الاتفاق النووي). وفي آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 2019، تجاوزت في منشأة “فوردو” النووية الإيرانية نسبة 3.67% (حدّ التخصيب في الاتفاق النووي). وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، شغّلت طهران أجهزة الطرد المركزي IR-4 وIR-6. وبحلول كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 وكانون الثاني/ يناير 2020، تجاوزت إيران كلّ القيود التشغيلية في التخصيب، المخزون، البحث والتطوير.
واستندت هذه الخطوات على المادتين 26 و36 من الاتفاق النووي، حيث أكدت طهران أنّ هذه الخطوات قابلة للرجوع عنها، وأنها ستعود لالتزاماتها إذا رُفعت العقوبات وتحقّقت منافعها الاقتصادية.
ووفي شباط/ فبراير 2020، أعلنت إيران إنها لم تعد تلتزم بأي قيود على السعة، مستوى التخصيب، المخزونات، البحث والتطوير، مع استمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإبداء الاستعداد للعودة عند رفع العقوبات.
وبعد خروج ترامب من البيت الأبيض وانتخاب جو بايدن رئيسًا، بدأت إيران جولةً أخرى من المفاوضات بهدف عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق.
الوضع الداخلي في إيران بعد الانسحاب الأميركي
أثّر خروج الولايات المتحدة وفشل الوصول إلى اتفاقٍ نووي بشكلٍ ملموس على انتخابات الرئاسة الإيرانية في حزيران/ يونيو 2021. أُجريت الانتخابات بمشاركةٍ متدنّية مقارنةً بالانتخابات التي سبقها، بلغت نسبة 48.5%، وكانت تلك أوّل انتخابات رئاسية تقلّ فيها المشاركة عن 50%. واعتُبر نحو 13% من الأصوات في تلك الانتخابات باطلة، كفعلٍ احتجاجي على تضييق خيارات المرشّحين.
وتسلّم إبراهيم رئيسي وفريقه في السياسة الخارجية زمام الأمور، ومع اندلاع حرب أوكرانيا، والتُّهم التي وُجِّهت لإيران، سُدّ طريق أي اتفاق جديد أو إحياء للاتفاق الممزّق.
ومع اندلاع الاضطرابات الداخلية عقب وفاة مهسا أميني، تعثّر إحياء الاتفاق النووي من جديد بسبب التهم الغربية لإيران. ومع الانتخابات الرئاسية المبكرة عام 2024 وفوز مسعود بزشكيان، والدور البارز لجواد ظريف في ذلك، تولّد انطباعٌ بأنّ الأخير – إلى جانب عباس عراقتشي الذي أصبح وزيرًا للخارجية – سيُعيدان فتح مسار مفاوضاتٍ نووية فعّالة مع أطراف الاتفاق النووي، خاصة أنّ بزشكيان كان قد خاض الانتخابات بوعد تحسين علاقة إيران مع العالم.
المفاوضات والحرب
رغم خروج ظريف المبكر من الحكومة، فقد انطلقت منذ أواخر 2024 – مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض – جولةٌ جديدة من المحادثات للتوصّل إلى اتفاق.
وفي أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2025، عُقدت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في عُمان وإيطاليا؛ ركّزت على الشفافية والتحقّق من البرنامج النووي الإيراني، ووضع مخزونات اليورانيوم المخصّب، ومستقبل التخصيب، وبالتوازي رفع العقوبات عن إيران.
وطالبت إيران بضماناتٍ أمنية ضدّ هجماتٍ محتملة على منشآتها النووية، وبإلغاء العقوبات النووية، فيما شدّدت الولايات المتحدة على وجوب وقف إيران للتخصيب. وبينما كانت المفاوضات جارية، أدّى هجومٌ عسكري إسرائيلي – أميركي على إيران، وتدمير منشآت نووية إيرانية، إلى جعل جزءٍ كبير من موضوعات الاتفاق النووي بلا معنى.
وردًّا على ذلك، أقرّ البرلمان الإيراني في 25 حزيران/ يونيو 2025 مشروعًا لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي 2 تموز/ يوليو 2025، أصدر بزشكيان أمر تعليق التعاون مع الوكالة، وغادر مفتّشو الوكالة إيران في 4 تموز/ يوليو 2025 . وقد أثّر هذا التعليق للتعاون مباشرةً على مسار التحقّق، وأضعف ثقة المجتمع الدولي، وخاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بإيران.
إثر هذه التطوّرات، واجهت مفاوضات إحياء الاتفاق النووي تحدياتٍ كبيرة، حيث توقّفت المحادثات غير المباشرة التي بدأت في أيار/ مايو 2025 في مسقط بعد الهجمات على المنشآت النووية. كما وصلت المفاوضات مع الأوروبيين (E3) إلى طريقٍ مسدود بسبب تصاعد التوتر وغياب النتائج الملموسة.
وبعد تعليق التعاون مع الوكالة، هدّدت بريطانيا، فرنسا وألمانيا بتفعيل آليّة “السناب باك”، أو آليّة الزناد، إذا لم تعد إيران إلى التزاماتها.
وردًا على ذلك، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية إنّ تفعيل الآلية هو بمثابة هجوم عسكري، ويُعدُّ عملًا عدائيًا قد يُفقد أوروبا دورها البنّاء في أي مفاوضاتٍ لاحقة.
وفي حال تنفيذ “السناب باك”، ستعود إيران إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي؛ لكن هذه المرّة – رغم زيادة المعرفة الفنية مقارنةً بـ 2015 – فإنّ جزءًا كبيرًا من منشآتها النووية قد دُمّر في الحرب.
وقد يؤدّي تفعيل آليّة الزناد إلى تصاعد التوتر بين إيران وأوروبا، حيث شدًد عراقتشي على أنّ تطبيق “السناب باك” سيُنهي دور أوروبا في الملف النووي الإيراني.
المحاولة الأخيرة لإحياء “الاتفاق النووي”
في 26 أيلول/ سبتمبر 2025، اعترض ممثّلو روسيا والصين في اجتماع مجلس الأمن – المخصّص لبحث مشروع استمرار رفع العقوبات عن إيران قبل نهاية مهلة 30 يومًا لآليّة العودة التلقائية – على خطوة الدول الأوروبية الثلاث، واعتبروها متسرّعة؛ بينما برّرت بريطانيا وفرنسا خطوتيهما ضد إيران. وبتسع أصوات رافضة، رُفض قرار تأكيد التزام إيران بتعهّداتها النووية، ودخلت عملية عودة العقوبات حيّز التنفيذ.
ونتيجةً لذلك، ستُفعَّل عقوبات الأمم المتحدة اعتبارًا من 27 أيلول/ سبتمبر الساعة 8 مساءً بتوقيت نيويورك، لتنتهي بذلك كل مفاعيل الاتفاق النووي.

