خطاب قاسم تجاه السعودية: منابر إيرانية ترى تحولًا استراتيجيًا وردود متباينة على المنصات
تصدّر خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم واجهة الإعلام الإيراني خلال الأيام الماضية، بعدما دعا المملكة العربية السعودية إلى "فتح صفحة جديدة" في العلاقات، مؤكدًا أنّ "أسلحة المقاومة موجّهة فقط ضد العدو الإسرائيلي".
وفي السياق، نشرت وكالة “إيسنا (ISNA)” تقريرًا بعنوان: “دعوة حزب الله السعودية للحوار”، معتبرةً أنّ خطاب قاسم الموجّه حمل بعدًا تطمينيًا مباشرًا للرياض.
بدوره ركّز موقع “خبرآنلاین” على الطابع الدبلوماسي للخطاب، وقال إنّ “حزب الله يحاول من خلال هذه المبادرة الإشارة إلى أنه شريك محتمل في مواجهة الخطر الإسرائيلي المشترك، وليس عبءًا أمنيًا على دول الخليج”.
وفي السياق، جاء في تقرير لصحيفة “وطن امروز” الأصولية بعنوان “نزع سلاح المقاومة؛ أبعد من أي وقت”، أنّ خطاب قاسم يمثّل “رسالة استراتيجية إلى السعودية”، وأنه يعكس “تحوّلًا في قواعد اللعبة، حيث باتت مشاريع نزع سلاح حزب الله غير واقعية، خصوصًا بعد الأحداث الإقليمية الأخيرة”.
وأوضح التقرير إنّ “المعادلة الأمنية تغيّرت؛ حيث أنه بعد ضربة قطر، لم يعد من الممكن لدول الخليج الاعتماد على واشنطن أو على سياسة تطويق المقاومة”.
واستنتجت “وطن امروز” أنّ هذه الدعوة تبرز مؤشّرات تقارب بين السعودية والحزب، مدفوعةً بتهديدات مشتركة وجهود دبلوماسية إيرانية، وهي تحوّلٌ لافت في خطاب الحزب،ك لاقى صدى إيجابيًا في الأوساط العربية، مشيرةً إلى أنّ هذا الموقف جاء بعد جولات قام بها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت والرياض، حيث ركّز على اعتبار المقاومة “رأسمالًا وطنيًا”، وضرورة مواجهة التوسّع الإسرائيلي.
وبرأي الصحيفة، فإنّ الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 أيلول- سبتمبر، الذي استهدف قيادات من “حماس” وأثار خشية من انتقال الخطر إلى السعودية، شكّل نقطة تحوّل دفعت الرياض إلى مراجعة مسار التطبيع، والتأكيد في قمّة الدوحة على وحدة الصف ضد إسرائيل.
وختمت “وطن امروز” بأنّ هذه التحوّلات تجعل الخطة الأميركية لنزع سلاح حزب الله غير واقعية، إذ تحوّل السلاح من “موضع نزاع” إلى “ضمانة أمنية”، مشدّدةً على أنّ المنطقة تدخل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تفرضه مواجهة “العدو المشترك”.
أما موقع “إیلنا” (ILNA)، فقد نقل عن موقع “النشرة” اللبنانية أن دعوة قاسم “تندرج في إطار التقارب التدريجي بين طهران والرياض”، مضيفًا أنّ “إيران تدفع حلفاءها – وفي مقدمتهم حزب الله – إلى إظهار مرونة خطابية، لتهيئة الأرضية أمام تفاهمات أوسع”. وتابع: “تجد الرياض نفسها أمام خيار صعب: الاستمرار في مسار العداء، أو الانفتاح على معادلة إقليمية جديدة”.
تأثير قصف قطر
ونظرت معظم وسائل الإعلام الإيرانية لحادثة القصف الإسرائيلي على الدوحة في ٩ أيلول/ سبتمبر كخلفية مهمة لفهم خطاب قاسم.
وكتبت صحيفة “كيهان” بدورها أنّ “الهجوم على قطر أظهر أنّ إسرائيل لا تفرّق بين دولة وأخرى، وأنّ الدور قد يصل إلى السعودية، تركيت تركيا أو مصر”، مستشهدةً بعبارة قاسم نفسه: “سيأتي الدور على السعودية، تركيا وغيرها”. ووصفت الصحيفة هذا الخطاب بأنه “يعزّز وحدة الموقف العربي – الإسلامي ضد التوسع الصهيوني”.
من جهته نقل موقع Vista News تقريرًا تحليليًا من صحيفة “البناء” اللبنانية جاء فيه أنّ خطاب قاسم شكّل حدثًا مهمًا، خصوصًا بدعوته إلى بدء حوار مع السعودية، مشدّدًا على أنّ الأوضاع بعد الهجوم على قطر لم تعد كسابق عهدها، وأنّ مشروع “إسرائيل الكبرى” يستهدف الجميع ولا أحد في مأمن من تداعياته.
وذكر الموقع إنّ الموقف الذي أعلنه قاسم يأتي مكمّلًا للمساعي الإيرانية الرامية إلى فتح قنوات علنية للحوار مع السعودية.
ولاحظ التقرير أنّ الاتصالات بين الرياض وطهران سبقت جلسة مجلس الوزراء اللبناني المثيرة للجدل في 5 أيلول/ سبتمبر، حيث وفّرت الأرضية اللازمة لوصول حزب الله والسعودية إلى مرحلة فتح صفحة جديدة وتجاوز الخلافات القائمة.
وكشفت الصحيفة اللبنانية، كما نقل Vista News أنّ واشنطن أوصت الحكومة اللبنانية بعدم المبالغة في الضغط على حزب الله أو البيئة الشيعية، محذّرة من أنّ ذلك قد يقود إلى انفجار شعبي، سياسي وأمني داخل لبنان.
وبحسب التقرير، فإنّ أوساطًا دبلوماسية عربية رأت في خطاب قاسم تأكيدًا على دور إيجابي للسعودية، وهو ما تنظر إليه الدوائر العربية بعين إيجابية، متوقّعةً أن تنعكس هذه المواقف بنتائج أوضح في المرحلة المقبلة.
شبكات التواصل
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اعتبرت وكالة فارس أنّ “خطاب نعيم قاسم أثار موجة من ردود الفعل السعودية الحادّة، حيث شنّت حسابات محسوبة على الأجهزة الأمنية والإعلامية في الرياض حملة اتهامات ضد حزب الله”. واعتبرت فارس أن “حدّة هذه الحملة دليل على أنّ الرسالة وصلت إلى دوائر حسّاسة داخل المملكة”.
في المقابل، تداول محلّلون إيرانيون عبر منصة “إكس” مقاطع من الخطاب، مع تعليقات لافتة.
وغرّد افشين ارجمندي: “لقد أجرى الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، اتصالًا هاتفيًا مع مسؤولين سعوديين. ويُعدّ هذا أول اتصال مباشر بين الفاعلين الاقليميين بعد سنوات من انقسام السعودية وابتعادها عن المقاومة. وجاءت هذه المكالمة بعد لقاء لاريجاني مع القادة السعوديين”.
وتساءلت السيدة ماهبانو: لماذا لا يفهم الشيخ نعيم قاسم أنّ السعودية أصبحت كافرة، قاتلة وصهيونية؟ ولا تريد أن تكون مع أي شخص على الإطلاق، داعية قاسم للكفّ عن التحدث مع السعوديين.
اما مصطفى نجفي فقال: “لقد جاءت تصريحات الأمين العام لحزب الله في لبنان الشيخ نعيم قاسم، اليوم، بشأن استعداد الحزب للحوار وحل الخلافات مع السعودية، في أعقاب زيارة لاريجاني للرياض. وتُعدّ السعودية الطرف الرئيسي في التطوّرات في لبنان، بتوجيه من الولايات المتحدة. ومن غير المرجح أن يتوقّف السعوديون عن إضعاف حزب الله! إلا إذا شعروا بتهديد جدي من إسرائيل، ولم يكونوا متواطئين مع تل أبيب خلف الكواليس”!
انعكاسات على ملف لبنان والمقاومة
وربطت الصحف الإيرانية أيضًا خطاب قاسم بالوضع الداخلي اللبناني. ففي مقال مطوّل لصحيفة “وطن امروز”، جاء أنّ “دعوة حزب الله للحوار مع السعودية تجعل الحديث عن نزع سلاح المقاومة بلا معنى، لأنّ السلاح اليوم هو الضمانة الوحيدة في مواجهة المشروع الإسرائيلي”.
وتابع المقال: “السعودية التي كانت من أبرز الداعمين لفكرة نزع سلاح حزب الله تجد نفسها اليوم مضطرّة للتعاطي مع هذا السلاح كرصيد اقليمي، وليس كتهديد مباشر”.
ويظهر من رصد الإعلام الإيراني أنّ خطاب قاسم قُدِّمَ كجزء من معادلة استراتيجية جديدة، حيث تعامل إيران معه كأداة لإعادة صياغة التحالفات: أي عدو مشترك واحد هو إسرائيل، بينما المقاومة يمكن أن تتحوّل من خصم إلى شريك أمني محتمل في حسابات السعودية.
وفي ظل التحوّلات الأخيرة، يبدو أنّ طهران تسعى لتثبيت سردية مفادها بأنّ “المعادلة تغيّرت”، وبأنّ أي انفتاح سعودي على المقاومة سيكون مكسبًا استراتيجيًا يُربك المشروع الإسرائيلي – الأميركي في المنطقة.

