كيف تتحرَك الدبلوماسية الاقتصادية الإيرانية من شانغهاي إلى القاهرة؟
تعيش إيران في السنوات الأخيرة في ظروف تتّسم بتحوّلات دولية، وضغوط ناجمة عن العقوبات، بما في ذلك تهديد عودة آلية "سناب باك"، مما جعل بيئة اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي في طهران أكثر تعقيدًا.
ويظهر في هذا السياق التوجّه نحو الشرق، تطوير العلاقات الإقليمية والحضور الفعّال في المنظّمار والمحافل الدولية، كجزءً من استراتيجية إيران لتقليل آثار العقوبات وإيجاد مسارات جديدة في الدبلوماسية الاقتصادية.
وتقدّم الزيارات الأخيرة للوفود الإيرانية إلى الصين والمشاركة في قمّة منظمة شنغهاي للتعاون ومؤتمر تيانجين، بالتوازي مع الزيارات السياسية ـ الاقتصادية الروسية إلى طهران، والتفاهمات الإقليمية مثل اتفاق القاهرة، صورة واضحة عن هذه السياسة متعدّدة الأبعاد.
شانغهاي ومؤتمر تيانجين
لا تقتصر عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون على البعد السياسي، بل يُؤمل أن تحمل طاقات اقتصادية كبيرة للبلاد. وتضمّ هذه المنظمة الصين، روسيا، الهند ودول آسيا الوسطى، مما يفتح أمام إيران سوقًا واسعًا. كما تعكس المشاركة في مؤتمر تيانجين – أحد أهم الفعاليات الاقتصادية في الصين – سعي طهران للاستفادة من هذه الإمكانات.
ووقعت الصين قبل سنوات اتفاق شراكة استراتيجي مع إيران، حيث يمثّل مشروع “الحزام والطريق” جوهر السياسة الخارجية لبكين، ويمكن أن يتكامل بشكل كبير مع مشاريع إيران ذات العلاقة بالممرات البرية.
ويُنظر للحضور الإيراني النشط في هذه الفعاليّات على أنه يحمل رسالة واضحة: السعي إلى ترسيخ الموقع في الخريطة الاقتصادية الجديدة للعالم، والاستفادة من الشرق لتجاوز الضغوط الغربية.
وبعد زیارة الصين، قال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده: ” تمّ التوصل إلى اتفاقات جيّدة مع الصين على الصعيدين الاقتصادي وغير الاقتصادي. إنّ هذه اتفاقات هي اتفاقات قيّمة في القطاعات الاقتصادية المختلفة.. فيما تتابع مجموعة عمل مشتركة عملية تطبيق هذه الاتفاقات”.
وأضاف أضاف مدني زاده أنّ الاتفاقات تغطّي مجالات واسعة في التجارة والاستثمار والتمويل.
ممر شمال – جنوب ركيزة التجارة المستقبلية
بالتوازي مع تحركات شانغهاي وتيانجين، أعادت زيارة المسؤولين الروس إلى إيران موضوع ممر الشمال–الجنوب إلى صدارة الاهتمام. فهذا الممر، الذي يهدف إلى ربط الهند بروسيا وأوروبا الشمالية عبر إيران، يُعد من أكبر المشاريع الممرّية في أوراسيا.
وبالنسبة لإيران، فإن هذا المسار ليس مجرد مشروع نقل، بل فرصة لتحقيق عوائد ترانزيتية مستدامة، وجذب استثمارات، والتحول إلى شريان حيوي في التجارة الدولية. ويُعدّ خط سكة حديد رشت–آستارا، وتطوير الموانئ الجنوبية، وربطها بميناء تشابهار، عناصر أساسية في هذا المشروع. أما بالنسبة لروسيا، فبعد حرب أوكرانيا يبدو أن حساباتها باتت تولي أهمية أكبر لهذا الممر، باعتباره مساراً بديلاً لتجاوز العقوبات.
من هذه الزاوية، تتلاقى مصالح طهران وموسكو في تعزيز هذا الممر. وزيارة الوفد الروسي إلى طهران تظهر حسب التوقعات أن التعاون بين البلدين تجاوز الجانب السياسي ليتخذ أبعاداً اقتصادية وجيو-اقتصادية.
آلية الزناد وردود إيران في مجال الاقتصاد السياسي
اعتُبرت آليّة “السناب باك” التي طرحها الغرب في إطار الاتفاق النووي أداة للضغط على إيران. فعودة العقوبات، أو حتى التهديد بها، يتركان آثارًا نفسية واقتصادية ملحوظة. ومع ذلك، تحاول إيران عبر تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الشرق والمنطقة تقليص فعاليّة هذه الضغوط.
ويرى مراقبون أن أي توسيع لعلاقات إيران مع الصين، روسيا وسائر أعضاء منظمة شنغهاي سيشكل عمليًا ردًا اقتصاديًا ـ دبلوماسيًا على الضغوط، بحيث تتحوّل السياسة الخارجية الإيرانية من حالة دفاعية إلى صياغة مبادرات اقتصادية جديدة.
تفاهم القاهرة والأبعاد الإقليمية للاقتصاد الإيراني
تشير التطورات الأخيرة في علاقات إيران مع الدول العربية، ولا سيما في إطار تفاهمات القاهرة، إلى تحوّل لافت في مقاربة طهران الإقليمية. فعلى الرغم من أن هذه التفاهمات لم تنجح في منع إعادة فرض العقوبات الدولية عبر “آلية الزناد”، إلا أنها أظهرت مسعى إيران إلى إعادة تموضعها من خلال الانفتاح على العواصم العربية. فمبادرة القاهرة، التي رعت الاتفاق بين طهران والوكالة الدولية، لا تُسهم فقط في خفض منسوب التوترات السياسية حسب ما تأمل طهران، بل تفتح كذلك آفاقًا واسعة للتعاون الاقتصادي، ما يجعلها خطوة مزدوجة الأبعاد تجمع بين تثبيت الاستقرار السياسي واستكشاف فرص النمو.
وتمثّل الاستثمارات المشتركة، الارتباط بشبكات الطاقة وإنشاء ممرّات نقل إقليمية، بعضًا من الفرص التي يمكن أن تنبثق من هذه التفاهمات. ومع موقع إيران الجغرافي الاستراتيجي، يمكن للتعاون مع الدول العربية أن يشكّل الحلقة المكمّلة في سياسة تحقيق التوازن الاقتصادي المرجو، وهي سياسة حسبما تأمل طهران تمكنها من عدم الاعتماد على الشرق فقط، بل إعادة بناء الموقع الاقتصادي في المنطقة.
التطوّرات المتتالية تشير إلى أنّ الدبلوماسية الاقتصادية الإيرانية تقوم اليوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:
- الشرق (الصين ومنظمة شنغهاي): نافذة إلى أسواق واسعة ومشاريع بنى تحتية.
- الشمال (روسيا والممرات المترابطة): منصّة للاتصال بأوراسيا وأوروبا.
- المنطقة (تفاهمات مع الدول العربية): مجال للاستثمارات المشتركة وتعزيز التوازن الإقليمي.
بهذه المسارات الثلاثة مجتمعة تتطلع طهران للتقليل من كلفة الضغوط الغربية، وخاصة آلية “سناب باك”. لكن مستقبل الاقتصاد الإيراني وفق المختصين يعتمد أكثر من أي وقت مضى على سرعة ومرونة استغلال هذه الفرص. وإذا ما اتسمت السياسات الداخلية والخارجية بالانسجام، قد تكون إيران قادرة على تثبيت موقعها الجيو-اقتصادي، وفتح طريق جديد نحو التنمية والنمو الاقتصادي عبر الشرق والمنطقة.

