الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة22 سبتمبر 2025 04:21
للمشاركة:

البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (4\4)

في الجزء الرابع والأخير من الدراسة، يعدّد أساتذة العلاقات الدولية مصطفى نجفي، ولي غُل محمدي، مسعود موسوي شفائي ومحسن إسلامي عواقب ونتائج البراغماتية الاضطرارية، ويخلص بحثهم إلى أنه لا يُمكن تقييم نموذج سلوك إيران في النزاعات بناءً على إحدى نظريّات ومناهج العلاقات الدولية فحسب، بل لا بدّ من استخدام نموذج مفاهيمي آخر يُقدّم تقييمًا أدقّ لنموذج سلوكها في النزاعات.

في ما يلي، الترجمة الكاملة للجزء الرابع والأخير من هذه الدراسة من “الجادة”:

إنّ أهم نتائج نموذج البراغماتية الاضطرارية هي المرونة العالية في عمليّات صنع القرار، التغيير المستمرّ في التكتيكات، السلاسة في العمل والاستجابة للمتطلّبات الأمنية المتناسبة مع كل بؤرة نزاع.

وذلك ما يمنح إجراءات إيران العملية قدرة عالية على المناورة في حالات النزاع.

  • تحقن البراغماتية الاضطرارية  الصبر والحذر في عملية صنع القرار والقسم العملياتي الإيراني في النزاعات. بناءً على ذلك، تتجنّب الجمهورية الإسلامية الإجراءات التي يمكن أن تحمّل البلاد أزمات كبرى مثل الحروب.
  • تعدّل البراغماتية من إلحاح السياسات الأيديولوجية التي قد لا تتوافق مع الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية في مناطق الصراع. في الواقع، في الصراعات، تُفسح المثالية والتفضيلات الأيديولوجية المجال للبراغماتية التكتيكية والالحاح الأمني.
  • إنّ البراغماتية الاضطرارية  تؤدي إلى تعزيز قدرة إيران على الصمود في الصراعات، تآكل بيئة الصراع وإضعاف القدرات السياسية والعمليّاتية للمنافسين في مناطق الصراع.
  • نتيجة أخرى للبراغماتية الاضطرارية هي قدرة إيران على لعب دور في بؤر نزاع متعدّدة ومختلفة في وقت واحد. في الواقع، أصبحت إيران لاعبًا مؤثّرًا في النزاعات وفترات عدم الاستقرار.
  • إنّ براغماتية الاضطرار تجعل سلوك إيران غير قابل للتنبّؤ به بالنسبة للمنافسين والأطراف المتحاربة، مما قد يؤثّر على حساباتهم ضد إيران.
  • يخلق نموذج البراغماتية الاضطرارية في إيران رسائل سلبية عديدة، من أهمّها تزايد تأثير الاستراتيجيات على التكتيكات، مما يؤدّي إلى إهمال الاستراتيجيات الكلية للسياسة الخارجية، والاعتماد المفرط على المبادئ والتوجهات التكتيكية.
  • النتيجة الثانية هي تأثّر توجّه السياسة الخارجية للبلاد بشدّة بالأزمات والصراعات. في الواقع، ركّزت استراتيجيات البلاد وتوجّهها الرئيس على إدارة الصراعات وحلّها، مما يجعل الدبلوماسية الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية أقرب إلى دبلوماسية إدارة الصراعات منها إلى دبلوماسية ضمن إطار استراتيجيات السياسة الخارجية الكلية.
  • كانت النتيجة الثالثة تفوق الفعل على النظرية في السياسة الخارجية، السياسات الاقليمية ونمط سلوك إيران في النزاعات. وقد أبرز ذلك دور الميدان والبيئة العملياتية على الدبلوماسية في إدارة النزاعات، على الرغم من أنّ الدبلوماسية والميدان يكمّلان بعضهما البعض في إدارة النزاعات وتعزيز السياسة الخارجية.
  • النتيجة الرابعة هي تعدّد مناطق النفوذ بدلًا من تحديدها. وقد وضعت جمهورية إيران الإسلامية في أجندتها، واستجابةً لحالات الطوارئ الأمنية، خوض صراعات متعدّدة بهدف كسب النفوذ أو احتواء التهديدات. وقد أدّى هذا النهج إلى إرباك منظومة صنع القرار في السياسة الخارجية للبلاد، من خلال قضايا ومشاكل متعدّدة، وتشتّت وتوزّع القوات الميدانية – العملياتية، وإرهاق الدبلوماسية. ومع ذلك، فقد أتاح لإيران أيضًا فرصًا للمشاركة الفعّالة في الصراعات.
  • ومن النتائج الأخرى أنّ إدارة إيران لتوجّهاتها في الصراعات، في ظلّ حالة الطوارئ، تطغى على مصالحها الأخرى، بما في ذلك المصالح الاقتصادية، وتصبح الاعتبارات الأمنية أكثر بروزًا. ولهذا السبب، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية فاعلًا في فترات عدم الاستقرار أكثر منها في فترات الاستقرار، وبعد انتهاء نزاع ما، ليس لديها استراتيجية واضحة ومحدّدة لتعظيم المصالح وتحويل المكاسب الأمنية – العسكرية إلى مجالات أخرى، بما في ذلك الاقتصاد والتجارة. ويؤكد هذا الكلام مكانة إيران في اقتصاد سوريا.
البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (44) 1

النموذج المفاهيمي للبراغماتية القائمة على الضرورة

المصدر: كاتب البحث

الخاتمة

كما ذُكر، لا يُمكن تقييم نموذج سلوك إيران في النزاعات بناءً على إحدى نظريات ومناهج العلاقات الدولية فحسب. ولتحليل نوع سلوك إيران في النزاعات التي تلعب فيها دورًا مباشرًا أو غير مباشر، لا بدّ من استخدام نموذج مفاهيمي آخر يُقدّّمُ تقييمًا أدقّ لنموذج سلوكها في النزاعات.

تُقدّم هذه الدراسة مفهوم “براغماتية الاضطرار” كتفسير لسلوك إيران. بالإضافة إلى الافتراضات التي تُسلّم بها مناهج العلاقات الدولية الأخرى، فقد قدّم هذا المفهوم مؤشراتٍ، تتجاوز غيرها من المناهج، يُمكنها أن تُقدّم تفسيرًا أفضل لسلوك إيران المُوجّه نحو النزاعات في المنطقة.

ومن الجدير بالملاحظة في هذا الصدد، أنه في المؤشّرات السبعة التي تمّ فحصها في مراكز الصراع – التي تمّ فحصها في نموذج البراغماتية الطارئة – فإنّ القرارات والتوجّهات العسكرية، الأمنية والسياسية لإيران في حالة الطوارئ الأمنية، وبناءً على المتطلّبات الفورية والظرفية المتشكّلة في كل بؤرة نزاع، ونوع التعامل والتفاعل والحضور الإيراني في كل بؤرة نزاع إقليمي، كانت انعكاسًا لإدراك التهديد الواسع، إلحاحية التهديدات وأولوية الدفاع على الهجوم.

بشكل عام، تُعدّ براغماتية الاضطرار النمط السلوكي الفريد لإيران في الصراعات الاقليمية والدولية، والذي يُميّز سلوك إيران مقارنةً بالجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى.

هذا المبدأ من الواقعية الهيكلية، الذي تُظهر فيه الحكومات سلوكًا مشابهًا تجاه التطوّرات في البيئة المحيطة بسبب الضغط النظامي، يُشكّك في مبدأ الواقعية العدوانية، الذي يُشكّل أساس سلوك السياسة الخارجية وعمل الدول لاكتساب القوة وتعظيمها، لأنّ إيران لا تسعى إلى تعظيم القوة، بل إلى ضمان الأمن، الحفاظ على الإنجازات وصدّ التهديدات المباشرة والمتغيّرة.

وكما تقول البنائية، لا تُحدّد إيران إطارها السلوكي بناءً على المعايير، الهوية أو الأيديولوجية فقط، ولكن ما هو أكثر حسمًا من المعايير هو إدراك النخبة الإيرانية وإدراكها لمستوى التهديدات ومدى استصواب الفرص.

على هذا الأساس، يمكن ملاحظة براغماتية الاضطرار في مواقفهم التصريحية وأفعالهم الكلامية، وكذلك الاستراتيجيات العملياتية والدبلوماسية لإيران. فكما قال مؤسّس الثورة الإسلامية آية الله روح الله الخميني: “إنّ الحفاظ على النظام هو أوجب الواجبات”.

كما صرّح القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي عام 2013: “المرونة البطولية تعني المناورة الفنية لتحقيق الهدف؛ ويعني ذلك أنّ الساعي إلى طريق الله نحو المُثُل الإسلامية المتنوّعة والمختلفة، والذي يتحرّك بأي شكل وبأي طريقة، يجب أن يستخدم أساليب مختلفة لتحقيق الهدف”. إنه أحد أهم المواقف التي تشرح براغماتية الاضطرار في تفكير قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

على المستوى العمليّاتي، يمكن ذكر العديد من الحالات، مثل قبول القرار 598، تأسيس حزب الله في خضمّ الحرب مع نظام البعث العراقي، المساعدة في تشكيل قوّات الحشد الشعبي في العراق عندما اكتسبت داعش السلطة، والمفاوضات النووية مع الولايات المتحدة.

في براغماتية الاضطرار، ستكون التكتيكات بدلًا من الاستراتيجية هي أساس سلوك إيران. إنّ أحد أسباب عدم القدرة على التنبّؤ بسلوك إيران، وعدم فهمه بشكل كامل، هو طبيعة السلوك الإيراني التكتيكي، والغموض أو عدم وجود استراتيجية محدّدة على المستوى الكلي.

ولكي نفهم هذا المفهوم بشكل أفضل، ينبغي أن نقول إنه في البراغماتية، يتمّ ترجيح العمل على النظرية، أجندات الميدان على الدبلوماسية، التكتيكات على الاستراتيجية، الحفاظ على البقاء والأمن والمكاسب على تراكم القوة، الأهداف قصيرة المدى والمرحلية على الأهداف طويلة المدى والمستدامة، دبلوماسية حل النزاعات على الدبلوماسية التنموية، عقلية وإدراك القادة وصنّاع القرار على العمليّات، الأدوار على الهياكل، وتعدّد مجالات النفوذ على تحديدها.

البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (3\4)

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: