تقرير برلماني: ما هي التبعات الاقتصادية لآليّة الزناد على إيران؟
تناول تقرير صادر عن مركز الأبجاث البرلمانية الإيراني في صيف 2025 أبعاد تفعيل آليّة الزناد بعد عشرة أعوام على توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015)، والتداعيات المحتملة لهذه الآلية على الاقتصاد الإيراني.
واعتبرت الدراسة الموسّعة الصادرة عن مركز الدراسات في البرلمان الإيراني أنّ آلية الزناد التي تسعى بعض الدول الأوروبية لتفعيلها ضد إيران لا تمثّل تهديدًا اقتصاديًا غير قابل للإدارة، بل إنّ تبعاتها محدودة نسبيًا مقارنةً بالعقوبات الأميركية الشاملة والثانوية التي استهدفت مختلف أركان الاقتصاد الإيراني.
ورأت الدراسة أنّ قرارات مجلس الأمن – بخلاف العقوبات الأميركية – جاءت دائمًا ذات طابع موجَّهٍ ومحصور، وركّزت على منع انتشار التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج والأنشطة الصاروخية والتسليحية، ولم تمتدّ إلى قطاعات النفط والمال التي تُعدُّ العصب الأساسي لاقتصاد البلاد.
وأوضحت الدراسة إنّ تفعيل آليّة الزناد لا يعني بالضرورة إدخال إيران في نظام عقوبات أشدّ قسوة مما هو قائم حاليًا، وإنما يقتصر عمليًا على إحياء بعض القيود السابقة، مثل مراقبة الصادرات ذات الاستخدام المزدوج وبند تفتيش الحمولات، إلا أنّ هذه البنود تواجه صعوبات قانونية وعملية كبيرة تجعل آثارها محدودة وقابلة للإدارة. فآلية تفتيش السفن، على سبيل المثال، مشروطة بموافقة دولة العلم المالكة للباخرة، مما يجعل أي محاولة لفرض حصار بحري شامل على إيران غير ممكنة قانونيًا، فضلًا عن المخاوف الواقعية من ردود الفعل الإيرانية التي قد ترد بإجراءات مقابلة، مما يعزّز من قوّة الردع ويمنع أي مغامرة في هذا المجال.
وأضاف التقرير أنّ إدراج أسماء جديدة على لوائح العقوبات الأممية يواجه عقبات كبرى، إذ يشترط حصول إجماع داخل لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، وهو أمر شبه مستحيل في ظل وجود روسيا والصين اللتين يمكنهما تعطيل أي مسعى عدائي ضد إيران. وحتى في حال نقل الموضوع إلى المجلس للتصويت، فإنّ موسكو وبكين تملكان حق النقض، مما يجعل صدور أي قرار إضافي أمرًا بالغ الصعوبة. كذلك فإنّ إعادة تفعيل لجنة الخبراء أو مجموعة التقييم التي أُنشئت سابقًا تحتاج إلى قرار جديد من المجلس، وهو ما يمكن تعطيله بالفيتو الروسي أو الصيني.
وأكدت الدراسة أن الضغوط الأميركية على شركاء إيران التجاريين، ولا سيّما الصين، ليست مرتبطة مباشرة بآليّة الزناد، إذ إنّ واشنطن اعتادت استخدام أدوات ضغط مستقلّة، من قبيل التهديد بفرض رسوم جمركية أو تطبيق عقوبات ثانوية على المصارف والشركات الأجنبية. وبالتالي فإنّ عودة قرارات مجلس الأمن لن تضيف شيئًا جوهريًا إلى ما هو قائم، بل تبقى الأداة الأميركية المستقلّة هي المؤثر الحقيقي في حجم المعاملات الاقتصادية لإيران مع شركائها.
وفي مقارنةٍ تاريخية بين العقوبات الأممية والعقوبات الأميركية، خلص التقرير إلى أنّ الفارق جوهري وواضح، حيث أنّ العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن كانت دائمًا محدودة النطاق، وتستهدف أفرادًا ومؤسّسات بعينها، فيما أخذت العقوبات الأميركية منذ منتصف تسعينات القرن الماضي طابعًا شاملًا، امتدّ إلى النفط، البنوك، التجارة الدولية ونظام التسوية بالدولار.
وذكّرت الدراسة بأنّ التحوّل الأكبر وقع عام 2010، عندما انتقلت واشنطن من نموذج العقوبات القاعدية إلى العقوبات “المبنية على المخاطر”، وهي التي دفعت البنوك والشركات الكبرى في العالم إلى مقاطعة إيران بشكل شبه كامل، خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات.
وبيّنت الدراسة أنّ التجربة الاقتصادية الإيرانية في الفترة ما بين 2011 و2012 كانت نقطة التحوّل الأبرز؛ إذ مُنع البنك المركزي الإيراني من التعامل بالدولار، وفُصلت البنوك المحلية عن شبكة “سويفت”، مما تسبّب بأزمة عملة خانقة وانهيار قيمة الريال، وموجة تضخّمية عنيفة، رافقها ركود اقتصادي عميق.
وشدّدت الدراسة على أنّ هذه التداعيات لم تكن بفعل قرارات مجلس الأمن وحدها، بل كنتيجة مباشرة للقرارات الأميركية والأوروبية، فيما لم يكن للعقوبات الأممية قدرة على إنتاج مثل هذا الأثر بمفردها.
وأشار تقرير مركز الأبحاث البرلمانية إلى أنّ العودة المحتملة لقرارات مجلس الأمن في عام 2025، مع حلول الغروب العاشر للاتفاق النووي، لن تغيّر المعادلة بشكل جذري، حيث أنّ العالم بات اليوم مختلفًا بشكل جذري عن عام 2010، عندما كان بالإمكان حشد إجماع واسع لعزل إيران، بينما يشهد النظام الدولي الحالي حالة من التعدّدية القطبية وتراجع نفوذ المؤسّسات الأممية التقليدية. كما أنّ روسيا والصين لم تعودا مستعدّتين للتصويت أو المشاركة في عزل إيران، بل انحازتا علنًا إلى جانبها، مما ظهر في الرسالة المشتركة لوزراء خارجية الدول الثلاث التي اعتبرت الخطوة الأوروبية باطلة وعديمة الأثر.
وأضاف التقرير أن أيّ عودة غير قانونية للعقوبات لن تضفي شرعية على الإجراءات الأميركية، ولن تمنح واشنطن غطاءً دوليًا لممارساتها. فحتى لو استندت الأخيرة إلى مقولة “الإجماع الدولي”، فإنّ غياب الصين وروسيا عن هذا الإجماع يُسقط قيمته العملية. وبالتالي، يبقى التأثير الأبرز محصورًا في الجانب النفسي والإعلامي داخل الأسواق الإيرانية، أكثر مما هو في الواقع الاقتصادي الملموس.
ووفق الدراسة، فإنّ الأسواق الداخلية قد تشهد اضطرابات قصيرة المدى بفعل الخوف والتوقّعات السلبية، وليس بفعل الواقع الموضوعي للعقوبات. ومن ثمّ فإنّ حجم الخسائر سيعتمد على كفاءة إدارة الدولة إعلاميًا واقتصاديًا، من خلال طمأنة الرأي العام وامتصاص الصدمات. كما أوصت بضرورة التحرّك الاستباقي في المجال الإعلامي لشرح الفارق بين العقوبات الأممية والأميركية، وتوضيح أنّ صادرات النفط والقطاعات الحيوية لن تكون موضع استهداف مباشر في أي عودة محتملة للعقوبات الأممية.
وتابعت الدراسة باستعراض مسار العقوبات منذ عام 1979، مؤكدةً أنّ الاقتصاد الإيراني ظل قادرًا على التكيّف مع الضغوط حتى منتصف العقد الماضي، حين دفعت العقوبات الثانوية الأميركية الاقتصاد الإيراني نحو الركود والتضخّم. أما العقوبات الأممية، فقد ظلّت محدودة التأثير، إذ لم تحظر تصدير النفط ولم تمنع التجارة الخارجية بالكامل، بل اقتصرت على جوانب تقنية وتسليحية مرتبطة بملف الانتشار النووي والصاروخي.
وجاء في تقرير المركز البرلماني أنّ صادرات النفط تظل القناة الرئيسة التي تنتقل عبرها آثار العقوبات إلى التضخّم وسعر الصرف. ففي الفترات التي هبط فيها تصدير النفط الإيراني بشدّة، مثل عامَي 2012 و2018، كان السبب هو قرارات واشنطن وشركائها الغربيين، وليس قرارات مجلس الأمن، مما يعزّز الاستنتاج بأنّ تأثير العودة المحتملة لقرارات المجلس سيكون هامشيًا إذا لم تترافق مع خطوات أميركية جديدة.
إضافةً إلى ذلك، تفتقر عقوبات مجلس الأمن إلى أي آليّة تلقائية للتنفيذ أو العقوبة، فلا توجد سلطة دولية تُجبر الدول على التطبيق الفعلي، وإنما تبقى القرارات رهينة إرادة الحكومات. ومع التوازنات الجديدة في الساحة الدولية، فإنّ كثيرًا من الدول، خصوصًا القوى الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية، ليست بوارد التضحية بمصالحها التجارية مع إيران استجابة لضغوط أوروبية.
وأورد التقرير أنّ الفارق بين عالم 2010 وعالم 2025 هو فارق أساسي، حيث كان في الماضي بالإمكان عزل إيران بسرعة عبر قرارات مجلس الأمن، نظرًا للتماسك الغربي والدولي، بينما يعاني النظام الدولي اليوم من انقسامات حادّة، فضلًا عن تراجع شرعية الأمم المتحدة كمظلّة جامعة. كما أنّ تعدّد الأزمات الدولية، من الحرب في أوكرانيا، إلى النزاعات في الشرق الأوسط وصعود الصين كلاعب اقتصادي وعسكري، كلّها عوامل تجعل من الصعب حشد الإجماع السابق ضد إيران.
وختم التقرير بأنّ المخاطر الاقتصادية لعودة العقوبات الأممية تظلّ قابلة للإدارة، ولا تضع إيران أمام تهديد وجودي، لكنها تتطلّب يقظة حكومية في المجالين الاقتصادي والإعلامي، داعيًا إلى تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين الرافضين لسياسات الغرب، توسيع آليّات التسوية المالية خارج النظام المالي الغربي والعمل على تحويل التحدي السياسي إلى فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
وجاء في خلاصة الدراسة أنّ معركة آليّة الزناد ليست في جوهرها معركة اقتصادية بحتة، بل سياسية وإعلامية بالدرجة الأولى، حيث أنّ التحدّي الأكبر لا يكمن في نصوص القرارات، وإنما في توظيفها الدعائي والنفسي لزعزعة الثقة بالاقتصاد الوطني.

