البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (2\4)
يدرس أساتذة العلاقات الدولية مصطفى نجفي، ولي غُل محمدي، مسعود موسوي شفائي ومحسن إسلامي في الجزء الثاني من بحثهم سلوك إيران الإقليمي المتأثّر بإحساسها بالخطر أو بالأمن، في ظلّ سعيها الدؤوب لتصبح قوة إقليمية.
ويشرح أساتذة العلاقات الدولية في الدراسة التي نشرتها مجلّة العلاقات الخارجية الإيرانية التابعة لمعهد الدراسات الاستراتيجية مفهوم الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية بما يتعلّق بالسياسات الإيرانية، عارضين احتمالات فهم الباحثين لهذه السياسات. في ما يلي الترجمة الكاملة للجزء الثاني من الدراسة:
تُعدُّ إيران من الفاعلين المؤثّرين في المجمع الأمني للشرق الأوسط، حيث لعبت دورًا فعّالًا مباشرًا وغير مباشر في عمليّات إدارة الأزمات الإقليمية.
تمتلك طهران دوافع وإرادة كافية للتدخّل في الأزمات والنزاعات الإقليمية؛ كما تمنحها قدراتها الأمنية، مواردها وموقعها الجيوسياسي الفرصة لتحقيق رغبتها في لعب دور فعّال في الأزمات.
ومع ذلك، فإنّ النمط السلوكي لإيران في النزاعات ليس سهل التحديد، وهو إلى حد كبير لغز. وبناءً على ذلك، تُقدّمُ النظريات والمناهج المختلفة للسياسة الخارجية، العلاقات الدولية والباحثين المعنيين إجابات مختلفة عن طبيعة وأسباب النمط السلوكي لإيران في النزاعات.
تعيش إيران في بيئة غير مستقرّة، وتطمح إلى هدف صعب، وهو أن تصبح قوة إقليمية. تسعى البلاد إلى تحقيق طموحاتها الاقليمية من خلال اتباع برنامج أمني وسياسة خارجية، وفي نفس الوقت تحاول وضع سياسات دفاعية ضد الظروف غير المستقرّة والتهديدات الإقليمية.
غالبًا ما تكون هذه السياسات متناقضة مع بعضها البعض. في معظم الأحيان، تحاول الجمهورية الإسلامية الإيرانية التوفيق بين التوجهات الأيديولوجية والمصالح الوطنية. تمّ تصميم السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية للاستجابة لموازنة القوى ضد المنافسين العالميين و الإقليميين.
يخلق موقعها الجيوسياسي تهديدات أمنية وفرصًا استراتيجية. يُعدُّ سعي إيران لتصبح قوة إقليمية أحد أهمّ التطوّرات في القرن الحالي. ومع ذلك، فإنّ سلوك إيران لا يتوافق مع القيود النظامية والإقليمية، وبالتالي لا تستطيع نظرية الواقعية الهيكلية تفسير سلوكها الإقليمي.
ولضبط نفسها بشكل مختلف، يجب على الدولة أن تفهم وتقيّم البيئة الحقيقية التي تواجهها. يجب على البلاد قياس بيئتها الجيوسياسية لتقرّر أين وكم تتراكم القوة. في الواقع، على عكس ما تقوله الواقعية الهيكلية، فإنّ السلوك الاقليمي لإيران منذ الثورة في كثير من الأحيان لا يتوافق مع الهياكل التي تحدّدها القوى الكبرى.
يمكن أن تخبرنا نظرية الواقعية الهيكلية لوالتز عن كيفية إنشاء هياكل مختلفة للضرورات والفرص، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا كيفية، مدى فعاليّة واستجابة وحدات النظام – مثل تلك الموجودة في إيران – لهذه السلوكيّات والفرص.
ومع ذلك، يؤكد والتز بشكل صحيح أنّ سلوك إيران – مثل الفاعلين الآخرين في النظام الدولي – يركّز على البقاء، ويهدف إلى الحفاظ على أمنها، وكانت حسابات القوة أساس صنع القرار.
يقدّم الواقعيون التكتيكيون في إطار نهجين، الواقعية التنافسية والهجومية، على الرغم من الافتراضات المشتركة مع الواقعية الهيكلية لوالتز، تفسيرات مختلفة للسلوك الإقليمي الإيراني.
ومع ذلك، فإنّ كلًّا من هذين النهجين لهما إجابات مختلفة في ما يتعلّق بكيفية تصرّف إيران في النزاعات والصراعات الإقليمية، والافتراضات التي تستند إليها سياسات إيران. يعتقد الواقعيون الهجوميون بأنّ الأمن نادر، ويجب تقييم السلوك الهجومي للدول وسعيها للهيمنة الدولية في هذا الإطار (Zakaria, 1998, P.3).
من وجهة نظر الواقعية الهجومية، القوة هي أهم أداة لتحقيق الهدف والوصول إلى موقع الهيمنة في النظام الدولي. يركّز أصحاب هذا الرأي بشدّة على القوّة العسكرية والاقتصادية، لأنه كلّما زادت القوة، الميزة والتفوّق العسكري لدولة ما عن الآخرين، زاد أمنها (Mearsheimer, 2001).
يركز هذا النوع من الواقعية بشكل أكبر على الدول الكبرى التي تحاول، من خلال تعطيل الوضع الراهن، تغيير الوضع الحالي، وتحقيق أهدافها الإقليمية. لذلك، لا يبدو أنّ ذلك يتوافق كثيرًا مع سلوكيّات إيران كقوة إقليمية؛ على الرغم من أنّ إيران كانت دائمًا تسعى إلى استخدام فراغ القوّة في المنطقة لتوسيع نفوذها، إلا أنّ تفسير سلوك إيران في الأزمات بناءً على المناهج الهجومية المرتكزة على القوة لا يتوافق كثيرًا مع الواقع.
في الواقع، من خلال دراسة الأهداف العامة للسياسة الخارجية الإيرانية والمبادئ الأيديولوجية التي تحكمها، قد نستنتج أنّ إيران تسعى إلى تعطيل النظام الأمني الحالي، والسياسات الهجومية، وتوسيع النفوذ لأهداف ثورية في المنطقة؛ ولكن نشهد في كثير من الأحيان سلوكيّات تعاونية لهذه الدولة في مواجهة الأعداء والمنافسين.
تمنح الواقعية الهجومية الأولوية لعرض القوّة، وتعتبرها الهدف الرئيسي للدول (Shojaie & Simbar, 2023, p.129). يقودنا ذلك إلى أنّ الأمن هو الهدف الأعلى وفقًا لوالتز.
من وجهة نظر الواقعيين الدفاعيين، يجب تقييم السلوكيّات الاقليمية الإيرانية والحضور النشط في النزاعات في إطار البحث عن الأمن والحفاظ عليه (keshavarz moghadam, 2025). تقول الواقعية الدفاعية بشكل صحيح إنّ هناك علاقة مباشرة بين شدّة التهديدات الخارجية في البيئة المحيطة والإقليمية لإيران، وحضور هذا الفاعل في النزاعات والقضايا الإقليمية. كلّما زادت التهديدات عبر الحدود، أصبح نهج إيران أكثر أمنيّةً وتدخّلًا.
في المقابل، مع انخفاض مستوى ونطاق التهديدات، يصبح نهج إيران أكثر تعاونًا. إنهم يقيّمون حضور إيران في أزمة مساعدة الحوثيين في حرب اليمن ودورها في أفغانستان على أساس التهديدات الأمنية ضدها.
أحد الافتراضات الرئيسية للواقعية الدفاعية هو أنّ الأمن وفير، ويمكن تحقيقه بسهولة، ويمكن للدول أن تزيده بناءً على الخبرة (Rose, 1998, p.149-150). ومع ذلك، على عكس ما يقوله الواقعيون الدفاعيون، لم يكن الأمن للجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة وفيرًا، ولا تحقّق بسهولة. لقد كان الأمن سلعة نادرة لإيران، مما وضعها أحيانًا في موقف دفاعي، وأحيانًا في موقف هجومي.
هنا تبرز أسئلة مثيرة للجدل، منها: “كيف يمكن تقييم الحضور النشط لإيران في النزاعات؟ هل تريد اكتساب المزيد من القوة كما تدّعي الواقعية الهجومية، أم أنها تهدف إلى ضمان أمنها كما تقول الواقعية الدفاعية؟” يخلق هذا السؤال معضلة في الذهن يصعب الإجابة عليها، وتشكّل تحديًا. ومع ذلك، يبدو أنّ سلوك إيران في النزاعات لا يمكن تفسيره في إطار النظريات الواقعية فقط، ويجب الاهتمام بنظريات ومناهج أخرى لتفسير أكثر دقّة.
السؤال هو هل التيّار الرئيسي المنافس للواقعية، أي الليبرالية، يمكن أن يفسّر سلوك إيران في النزاعات؟ الجواب على هذا السؤال ليس واضحًا كما هو الحال مع المناهج الواقعية. على عكس النظرية الواقعية، يفتح الليبراليون الصندوق الأسود للدولة، ويسلّطون الضوء على كيفية تأثير الأفكار، المصالح والمؤسّسات على سلوك الدول.
السمة الرئيسية للليبرالية هي دمجها مع المفاهيم الحديثة للسياسة الخارجية المثالية. وفقًا لذلك، في سياسة خارجية مثالية، يجب اعتبار حماية الحياة والممتلكات من خلال الحفاظ على الموارد والسلامة، وحلّ النزاعات سلميًا كمهام رئيسية للسياسة الخارجية الليبرالية.
لذلك، في نظام دولي ليبرالي، يجب على الدول الحفاظ على السيادة ودعم حقوق الإنسان وتوسيعها. ومع ذلك، فإنّ النقاش الرئيسي هو ما إذا كان ينبغي للسياسة الخارجية الليبرالية تطوير استراتيجية تنافسية أو هجومية لتحقيق هذه القيم.
يرفض الليبراليون المثاليون استراتيجية الدولة الهجومية، ويسعون إلى نشر السيادة وحقوق الإنسان عبر الطرق السلمية. يختارون سياسة خارجية لا تدعو للتدخّل، ويحترمون سيادة الدولة وحقوق الأفراد في عيش حياتهم من دون تدخل خارجي.
ولا يدعم الليبراليون المثاليون استخدام القوّة في العلاقات الدولية إلا كملاذ أخير. إذا اعتُبر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ضروريًا، خاصة لأسباب إنسانية، يصرّون على أن يتمّ ذلك عبر الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الأخرى (Doyle, 2008, p. 50).
في ضوء ما قيل، لا يبدو أنّ الليبرالية وأشكالها المختلفة يمكنها تفسير السلوك الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. وفي النمط السلوكي للفاعلين الشرق أوسطيين، خاصة في بؤر النزاع، تهيمن المواجهة على التعاون، ولعبة محصّلتها صفر على لعبة محصّلتها إيجابية، والمصالح النسبية على المصالح المطلقة، والهياكل غير الديمقراطية على الهياكل الديمقراطية، والدول على المؤسّسات والأفراد.
هنا، يتم طرح النهج البنائي لتفسير السلوك الإقليمي الإيراني في النزاعات. يعتقد البنائيون بأنّ جزءًا كبيرًا من السلوك الإقليمي الإيراني تجاه الغرب والدول المحافظة في المنطقة نابع من الهوية التي تعرّفها هذه الدولة لنفسها؛ لا تقوم هذه الهوية على هياكل مادية، ولكن على التسامح، المعايير، القيم، الثقافة، الأيديولوجيا والمعتقدات الأساسية.
كما أنهم يعتبرون الأيديولوجيا عاملًا تبحث إيران في إطاره عن مصالحها الوطنية. كان دور الأيديولوجيا في سياسة إيران باتجاه الشرق الأوسط هو التعبئة الوطنية لمواجهة التهديدات التي تعرّض دائمًا نظامها للخطر (Byman-Chobin-Ehteshami, 2001, p. 99))
صحيح أنّ جزءًا من توجهات السياسة الخارجية والسلوكيّات الإقليمية الإيرانية مستمدٌّ من المعايير والهوية المحدّدة للجمهورية الإسلامية، ومع ذلك، فإنها وفي مواجهة الأزمات والمنظمات والتحديات الأمنية الإقليمية، لم تتصرّف فقط على أساس المبادئ الأيديولوجية التي تحكم سياستها الخارجية.
هناك براغماتية ملحوظة في سياسات إيران الإقليمية، وتضع أمن النظام كهدف. هنا، تكون البراغماتية ومحاولة تعديل القرارات الأيديولوجية في بيئة غير قابلة للتنبّؤ مهمة للغاية، لأنّ التوتّرات الهويّاتية بين الفاعلين المهمين يمكن أن تتحوّل إلى توترات خطيرة بين البلدين.
في هذا الصدد، فإنّ صياغة الخطط في إطار ربط قيم محدّدة بالمُثُلِ العليا إلى جانب الأهداف البراغماتية، هي من توجهات أجهزة صنع القرار في المعادلات والنزاعات الإقليمية.
البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (1\4)

