البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (1\4)
يدرس أساتذة العلاقات الدولية مصطفى نجفي، ولي غُل محمدي، مسعود موسوي شفائي ومحسن إسلامي النمط السلوكي الإيراني في النزاعات الإقليمية، حيث يرون أنّ إيران تصرّفت أحيانًا بناءً على براغماتية تحكمها الضرورة، وليس الحسابات الاستراتيجية.
وفي الدراسة التي نشرتها مجلَة العلاقات الخارجية الإيرانية التابعة لمعهد الدراسات الاستراتيجية، يلاحظ الأستاذة أنّ إيران ترفض عقد حلف أمني استراتيجي مع أي قوة دولية متدخّلة، بينما تفضل إنشاء شبكة علاقات مع لاعبين غير حكوميين. “الجادة” تقدم لقراءها ترجمة هذه الدراسة على عدة أقسام.
يُظهر تاريخ تحوّلات الشرق الأوسط في العقود الأخيرة أنّ توفير الأمن والاستقرار كان الأولوية الرئيسية لدول هذه المنطقة والقوى الخارجية، وإيران واحدة من هؤلاء اللاعبين. فكما أنّ الشرق الأوسط هو نقطة تقاطع تلاقي أوراسيا – أفريقيا، فإنّ إيران هي نقطة اتصال الشرق الأوسط.
تستند الجغرافيا إلى حقيقة أنّ إيران – في سياق تطوّر الأزمات، الصراعات والحروب في الشرق الأوسط – هي دولة محورية (kaplan, 2002, p.228). ومن ناحية أخرى، فإنّ التدخّل في الأزمات الإقليمية أمرٌ لا مفرّ منه بالنسبة. في الواقع، الموقع الجيوسياسي الفريد والنظام الإقليمي السائد في المنطقة هو مثل المغناطيس الذي يجذب إيران إلى قضاياها وأزماتها.
من ناحية أخرى، يبدو أنّ الخلفية التاريخية وإرث إيران وثقافتها الاستراتيجية المشتقّة منها، هي عوامل تدفع هذه الدولة إلى القضايا الإقليمية. الثقافة الاستراتيجية الإيرانية قائمة على الكرامة والاعتزاز الوطني – الشيعي، مما ينعكس في السياسة الخارجية والسلوك الإقليمي. تعود جذور هذه الثقافة إلى ما قبل الثورة الإسلامية، حيث كانت موجودة في العصر الصفوي، وتعزّزت بعد وقوع الثورة الإسلامية.
وذلك بينما لا تزال أولويات المصالح الوطنية للإيرانيين لا تحدّد بشكل أساسي من خلال الاقتصاد، بل من خلال الاعتبارات المذهبية والوطنية (Khodadi, 2018, p.33). بناءً على هذه السياسة، نرى أنّ النظام البهلوي اعتبر نفسه مضطرًا للتدخل إقليميًا (مثل التدخل المباشر في قمع انتفاضة ظفار في عمان) وحتى خارج الإقليم (حرب فيتنام)، وجمهورية إيران الإسلامية، بشكل أوسع، تعتبر الدور في معظم الأزمات الإقليمية ضروريًا ومرتبطًا بها.
بالإضافة إلى الجغرافيا، أو الموقع الجيوسياسي والثقافة الاستراتيجية للسعي إلى المكانة لدى إيران، تجب الإشارة أيضًا إلى نمط النظام الأمني في الشرق الأوسط القائم على توازن القوة، أو “توازن التهديد”1. في مثل هذه البيئة، كان بناء التحالفات دائمًا استراتيجية لتحقيق الموازنة. على الرغم من أنّ معظم اللاعبين الاقليميين يعتبرون التحالف مع قوة دولية واحدة استراتيجية مهم لخلق التوازن، إلا أنّ القوة المتدخّلة لخلق هذا التوازن تُعتبر في حد ذاتها مصدر تهديد قوي في المنطقة، وفي نفس الوقت حافزًا لدعم المنافسات والصراعات المحلية، وهي أكثر من أن تلعب دورًا موازنًا، وتنشر
عدم الاستقرار، وتعطّل توازن التهديد وتعقّده. من ناحية أخرى، مع إضعاف الولايات المتحدة وإعادة توزيع القوّة على المستوى الدولي، لا يمكن للنظام الدولي والترتيبات الإقليمية – بما في ذلك في الشرق الأوسط – أن تتشكّل حول محور قوة واحدة. يؤدّي هذا التعدّد إلى تغيير في ترتيبات القوة وتشكيل القوى، ونتيجة لذلك، موازنات جديدة (Nouri, 2002, P.86).
في هذه الأثناء، تواجه إيران على المستوى الإقليمي قيودًا هيكلية واستراتيجية كبيرة في تشكيل تحالفات مع الوحدات السياسية الرسمية، ومن ناحية أخرى، ترفض أي تحالف سياسي – أمني مستقرّ مع قوة دولية متدخّلة، لذلك أصبح التحالف مع لاعبين دون الوطنيين وغير حكوميين أحد أهمّ أجنداتها السياسية والأمنية.
بدأت هذه الاستراتيجية منذ حرب نظام البعث العراقي ضد إيران، وبلغت ذروتها عام 2011، بالتزامن مع التحوّلات المسمّاة الصحوة الإسلامية، أو “الربيع العربي”. بإدراكها منطق التحالفات في المنطقة، وهو مؤقّت وغير متوازن، ويعتمد على القوى التدخلية المعادية، شكّلت إيران نموذجًا جديدًا من بناء التحالفات غير الحكومية القائمة على الشبكات في المنطقة، حيث عرفت جميع مكوّناتها تهديدات ومصالح مشتركة مع بعضها البعض، وأصبح النموذج أداة فعّالة وموازنِة لإيران في النظام الأمني الإقليمي.
إنشاء شبكات أمنية مع لاعبين غير حكوميين هو جزء من استراتيجية “الردع غير المتكافئ” التي تبنّتها إيران تحت تأثير الضغط الهيكلي، الناتج عن استراتيجية الاحتواء الأميركية ضدها (Azizi and et al., 2020). والأهم أنّ شبكة التحالفات غير الحكومية الإيرانية تشكّلت بدافع الهوية والأيديولوجيا؛ بينما يعتقد العديد من محلّلي العلاقات الدولية بأنه لا توجد هوية جماعية في الشرق الأوسط يمكن أن تؤدّي إلى تحالفات كبيرة ومستدامة مثل أوروبا (kaplan, 2002, P.228)، إلا أنّ إيران تمكّنت – بإدراكها لقيودها – من إنشاء تحالف قائم على الهوية، بالاعتماد على لاعبين غير حكوميين، وبهدف تعزيز قدرتها الردعية الدفاعية في المنطقة (Hazinia, Nezamipoor, Kalantari, 2005, P.159).
في نفس الوقت، نظرًا لمستوى التهديدات، وتأثير كل أزمة على موازين القوى وتوازن التهديد في الإقليم، القرب أو البعد الجغرافي، الردع، الضغوط النظامية الاقليمية والدولية وعقلية صانعي القرار، قد تظهر جمهورية إيران الإسلامية أنماط سلوك مختلفة من أزمة إلى أخرى. في الواقع، إنّ رغبة إيران في تحمّل تكاليف السياسة الخارجية في الأزمات ليست موحّدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
اعتبرت إيران الحرب الأهلية في سوريا مهمة جدًا لمصالحها الوطنية، وبالتالي كانت مستعدّة لتحمّل التكاليف المادية والاقتصادية اللازمة للحفاظ على النظام السياسي السوري. ومع ذلك، على عكس استعدادها لتحمّل الخسائر الناجمة عن الأزمة في سوريا، في مناطق مثل اليمن، قامت بالحدّ من تدخّلها إلى مستشاري حزب الله اللبناني وعناصر من فيلق القدس الذين يقودون العمليّات العسكرية (Deep, 2018). أيضًا، قد تتبع إيران سلوكًا مختلفًا في لبنان مع مراعاة الخصوصيّات السياسية لهذا البلد، أداء حزب الله، الاستراتيجيات الأمنية للكيان الصهيوني، الولايات المتحدة واللاعبين الإقليميين، مثل السعودية. على مستوى أدنى، كان نمط سلوك إيران خاضعًا لاعتبارات مختلفة تتعلّق باستراتيجية الولايات المتحدة في هذا البلد.
وسط هذه الروايات والأطر النظرية بشأن السياسة الخارجية، وبشكل خاص السلوك الإقليمي لإيران، تُطرح أسئلة: أي منها يتطابق مع واقع سلوك إيران في الشرق الأوسط؟ كيف تصرّفت إيران في الأزمات؟ هل كانت الأيديولوجيا أساس سلوكها أم الحسابات الاستراتيجية العقلانية؟ ما النمط الذي تتبعه إيران في العمل والتفاعل مع النزاعات المجاورة مثل سوريا، لبنان، اليمن، العراق وأفغانستان؟
تلك أسئلة غالبًا ما تكون محور النقاش. من ناحية أخرى، سؤال آخر مهم هو: إلى أي درجة يتأثّر النمط السلوكي لإيران في النزاعات (المتغيّر التابع) بتغيّرات البيئة الديناميكية والمحفّزات (المتغيّر المستقل) مثل دخول لاعب خارجي، التطوّرات الأمنية – العسكرية مثل الحرب العراقية المفروضة على إيران، حرب الخليج، هجوم الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان والربيع العربي، وإلى أي درجة يتعلّق بإدراك صانعي السياسات الإيرانيين للفرص والتهديدات في البيئة الإقليمية (المتغيّر الوسيط).
هنا نصل إلى السؤال الرئيس للبحث، وهو: ما العناصر والمكوّنات التي يستند إليها النمط السلوكي لإيران في النزاعات الإقليمية؟ يختبر هذا البحث الفكرة الرئيسية القائلة إنّ السلوك الإقليمي لإيران يمكن تقييمه وتفسيره بناءً على مفهوم يُسمّى “البراغماتية الاضطرارية “.
في الواقع، كان السلوك العملي لإيران في النزاعات منذ مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية حتى الآن قائمًا على البراغماتية؛ لكنّ براغماتية الجمهورية الإسلامية يجب أن تسمّى براغماتية اضطرارية، حيث يتمّ تقييم النمط السلوكي لإيران في النزاعات وإدارة الأزمات بناءً على الضرورة، وليس الاستراتيجية متعدّدة الأوجه. النمط السلوكي الاضطراري له جذور في الفكر الإسلامي والشيعي، وفي عملية الحكم الإيراني، وبشكل عام في الثقافة الاستراتيجية لإيران، وفي ديناميكيات البيئة الجيوسياسية.
براغماتية الجمهورية الإسلامية الاضطرارية لها طبيعة تكتيكية، دفاعية، أمنية وموجّهة نحو البقاء، التكيّف والمصلحة. يسبق الفعل النظرية في البراغماتية الاضطرارية، وحتى على مستوى أعلى من إدارة النزاع، في تنظيم العلاقات مع الدول، يتمّ تعريف العلاقات الخارجية حسب الضرورة والاضطرار. في هذه السياسة، كانت دبلوماسية وسياسة إيران الخارجية خلال 40 عامًا مضى قبل كل شيء دبلوماسية لحل النزاعات والاضطرار.
يمكن النظر إلى البراغماتية الاضطرارية في السياسة الخارجية الإيرانية بوصفها نهجًا قائمًا على الظرفية. فبدلًا من اتباع خط استراتيجي ثابت وواضح، خصوصًا في السياسات الإقليمية، تعتمد طهران مقاربة تفاعلية تتكيّف مع الظروف المتغيّرة، وتستجيب لها بما يتناسب مع السياق (Takeyh, 2019).
فعلى سبيل المثال، في ظلّ العقوبات الاقتصادية الواسعة والضغوط الدبلوماسية المتزايدة، حافظت إيران على التزامها بالمبادئ العامة للنظام السياسي، وفي الوقت نفسه، عزّزت قدرتها على الانفتاح والتعاون الإقليمي والدولي.
ويظهر هذا التوجه الظرفي بوضوح في الملفّات الحسّاسة، مثل البرنامج النووي، العلاقات مع الدول المجاورة والتعامل مع القوى العالمية الكبرى. إذ تبنّت إيران، وفقًا للمتغيّرات الدولية والإقليمية، مزيجًا من السياسات الصارمة، وأخرى دبلوماسية تقوم على التفاوض (Alfoneh, 2016). وقد سمحت هذه المرونة لها بالحفاظ على مصالحها الوطنية في بيئة سياسية وأمنية غير مستقرّة، وصعبة التنبؤ.
كما تأخذ السياسة الخارجية الإيرانية بعين الاعتبار العوامل الداخلية، بما في ذلك التغيّرات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، بهدف صياغة استجابات مناسبة للضغوط الخارجية مع ضمان استقرار النظام (Lynch, 2018). ويؤكد هذا النهج على أهمية تقييم الموقف باستمرار واتخاذ قرارات استراتيجية تتلاءم مع الظرف، مع الالتزام بالأهداف والمبادئ العامة، واستخدام المرونة كأداة رئيسية لتعزيز الأمن والحفاظ على التفوّق الإقليمي.
________________
1. Balance of threat
البراغماتية الاضطرارية.. إطار لفهم نمط إيران في النزاعات الإقليمية (2\4)

