عوامل المفاجأة الإسرائيلية وخطأ الحساب لدى إيران
استعرض الباحث الإيراني مسعود رضائي عوامل المفاجأة الإسرائيلية في حربها الأخيرة ضد إيران. وفي مقال له نشره مركز البحوث العلمية والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط، ناقش رضائي أيضًا الأخطاء في الحسابات الإيرانية في هذا الشأن، خالصًا إلى أنّ الردع يعتمد اليوم بشكل أساسي على القدرات الاستخبارية ومواجهة الاختراق الأمني.
تعاني جمهورية إيران الإسلامية في مجاليَ الاستخبارات والاختراق الأمني من تحديات ومشكلات جدّية. على سبيل المثال، في 7 حزيران/ يونيو 2025، أعلن وزير الاستخبارات الإيراني اسماعيل خطيب في مقابلة عن “الوصول إلى كنز المعلومات والعمليّات والاستراتيجيات لدى الكيان الصهيوني”.
واستنادًا إلى هذا الوعد نفسه، صرّح القائد العام للحرس الثوري آنذاك حسين سلامي في 11 حزيران/ يونيو 2025: “في هذه القضية الخاصة بالملحمة الاستخبارية، أظهرت وزارة استخبارات جمهورية إيران الإسلامية قابلية الاختراق وتآكل منظومة الأمن لدى الكيان الصهيوني. كما كشفت عن الاقتدار الاستخباري ويد إيران العليا استخباريًا. وذلك أيضًا مثال على انتصارنا في الحرب الاستخبارية”.
لكن بعد ذلك بساعات، أي فجر 12 حزيران/ يوميو 2025، قامت إسرائيل – مع احتلالها لسماء إيران – بجعل البلاد هدفًا موحّدًا لهجمات ضارية إلى حدّ لم تُختبر أبعاده حتى خلال السنوات الثمانية للحرب بين إيران والعراق.
ومع ذلك، لم تكن مفاجأة إيران في الحرب ذات الـ12 يومًا نتيجة خطأ تكتيكي واحد؛ بل كانت ذروة نقائص بنيوية عميقة في ميدان التكنولوجيا، الاستراتيجية، القيادة والسيطرة، الاستخبارات وكذلك القيود الإدراكية بفعل سنوات من اللامبالاة بالعلوم الاجتماعية.
وعلى الرغم من كثرة الغموض بشأن الأبعاد الواسعة لهذا الحدث الخطير، ومضيّ أكثر من شهرين عليه، لم تشكّل أي من المؤسّسات المسؤولة عن أمن البلاد أو مجلس الشورى حتى الآن لجنةً تحقيقيةً مستقلّة بهدف إعداد تقرير شامل ومؤقّت (على غرار لجنتَيْ أغرانات وفينوغراد) عن أسباب المفاجأة والإخفاق الأمني – العسكري لجمهورية إيران الإسلامية في الحرب ذات الاثني عشر يومًا.
وبالنظر إلى هذا التقاعس، وإلى القلق المضاعف بشأن احتمال شنّ إسرائيل مجدّدًا حربًا وتكرار الأخطاء السابقة، تضع هذه المقالة، بمحاكاة تقرير سياساتي، أبعاد وعوامل الإخفاق الأخير لجمهورية إيران الإسلامية – بوصفه نقطة تحوّل تاريخية في مصير البلاد، وبغرض إرساء ثقافة تحمّل مسؤولية الخطأ والاعتبار من دروسه – موضع النقاش.
من الدين الحربي إلى التهديد الوجودي
خلال العقود الثلاثة الماضية، أدرجت طهران بصراحة شعار “محْو إسرائيل من على وجه الأرض” في استراتيجيتها الكبرى وثقافتها الاستراتيجية، وطبّقته عمليًا، وعدّت طرد الولايات المتحدة من المنطقة “حتميًا”. ومع ذلك، لم تتحوّل هذه التهديدات يومًا إلى اختبار حقيقي للمواجهة المباشرة.
في أدبيات الردع، عندما يهدّد فاعلٌ مرارًا، لكنه يُحجمُ عن الدخول في مواجهة مباشرة، يتراكم ما يُسمّيه باروخ فريدمَن “دَيْنٌ حربي”. ينبغي تسوية هذا الدين في مرحلةٍ ما، لأنّ مصداقية الردع من دون خبرة واقعيةٍ للقتال المباشر تبقى غامضة وهشّة.
منذ نشر لجنة فينوغراد بعد حرب الـ33 يومًا عام 2006، التي عزت أخطاء الحساب وإخفاقات الجيش الإسرائيلي في مواجهة حزب الله إلى فجوات معرفية، ضعف اتخاذ القرار وعدم التناسق بين الأهداف والأدوات، سعى الجيش الإسرائيلي إلى سدّ نقاط الضعف هذه عبر إجراء إصلاحات بنيوية في المجالات الثلاثة، وإعداد نفسه للقتال مع إيران.
مهّد هجوم “حماس” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 الأرضية لهذه المهمة الكبرى، وبحسب تعبير النخب الأمنية الإسرائيلية، بعد إضعاف “حماس” بشكل جدي وإبادة أهل غزة، وانهيار بنية القيادة والسيطرة لدى حزب الله وسقوط بشار الأسد، حان وقت “اختبار تسييل دين إيران”.
على الرغم من كل المؤشرات، وتحذير بعض الدول لطهران بشأن التموضع الهجومي للجيش الإسرائيلي، لم تستطع إيران التنبّؤ بوقت التعرّض للهجوم، ولا مدى الأهداف، ولا شدّة ونوع الهجوم المركّب.
نتيجةً لذلك، كشف الهجوم الاستباقي لإسرائيل في حزيران/ يونيو من هذا العام هذه الحقيقة المرّة بوضوح أمام أعين النخب السياسية والعسكرية لجمهورية إيران الإسلامية: إذا كانت القوّات المسلّحة لبلدٍ ما تفتقر إلى التجهيزات العسكرية المتقدمة، الدعم الاستخباري اللازم والتحليل الدقيق للبيانات المتناثرة، فإنّ القادة السياسيين – الدينيين، الهرم القيادي العسكري، التنظيم القتالي والأسلحة الهجومية والدفاعية يصبحون بسهولة في مرمى نيران العدو، ويغدون عرضةً للضرر، وبالمقدار نفسه يصبح بقاء المنظومة السياسية ووحدة الأرض في مواجهة “تهديد وجودي”.
يعتقد المفكرون السياسيون بحق بأنّ “سبب وقوع أي حرب، قبل كل شيء، ناجم عن المفاجأة الاستخبارية والأخطاء الاستراتيجية في زمن السلم”.
وبسبب هذا الضعف الجذري، احتفل النخب الأمنيون والعسكريون في إسرائيل بعد انتهاء الهجوم على إيران وطلب وقف إطلاق النار، بشيءٍ اعتبروه نجاح الجيش وميزة أجهزة الاستخبارات الخارجية لبلادهم.
قبل ساعات من إرسال 200 مقاتلة إسرائيلية، جرى اغتيال أعلى القادة العسكريين وعدد كبير من العلماء النوويين الإيرانيين، في سلسلة من العمليّات الأمنية شديدة التعقيد والدقة. وتاليًا، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية صورًا تُظهر – بحسب ادعائها – عناصر الموساد في أعماق إيران وهم يقومون بتركيب صواريخ ومسيّرات انتحارية بغرض الهجوم على شخصيّات ومنظومات الدفاع الجوي في مدن مختلفة من البلاد.
لقد بلغت الدقة في التعرّف على الأهداف وتعقّبها آنيًا، سرعة الإجراء، مدى التخفّي والسيطرة على السرية، وكذلك الشدّة وتوزّع عمليّات إسرائيل في عمق الأراضي الإيرانية، حدًّا مُذهلًا وخطرًا لدرجة أنّ إيران احتاجت إلى ما لا يقل عن 12 ساعة للخروج من صدمة الهجوم الأوّلي وأزمة اختراق أنظمتها، وإدراك عمق انعدام الأمن الفيزيائي والتهديد الوجودي إدراكًا صحيحًا.
على مدى نحو 70 عامًا من عمليّات جهاز الموساد السرية (لا سيما منذ عملية داموكليس عام 1962)، حقّق الجهاز نجاحات كثيرة عبر التعرض لأراضي الدول، وذاع صيته في الحرب الاستباقية، عمليّات التجسّس الجريئة، الابتكارات التكنولوجية، الاغتيالات القاسية وأعمال العنف الوحشية.
منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حين وسّعت جمهورية إيران الإسلامية نطاق أنشطتها في لبنان وسوريا، وأدخلت شعار “حذف إسرائيل من صحن التاريخ” عمليًا في استراتيجيتها الكبرى؛ أمضت المؤسّسات والجهات الإسرائيلية الاستخبارية والأمنية (مثل الموساد، الشاباك، أمان والوحدة 8200) معظم وقتها في عمليّات التجسّس، الأنشطة السيبرانية، التفجيرات، التخريب الصناعي، الهجمات الجراحية، تعقّب مصدر شراء وبيع السلع والمعدّات المتجهة إلى إيران وعكسها، المهام الدبلوماسية المضادّة لإيران، تقديم معلومات مُلفّقة لوسائل الإعلام وصنّاع القرار في الدول الغربية عن ديناميات السياسة الداخلية، تعزيز قدرات النزعات الانفصالية وتحريض التيارات القومية في المناطق الحدودية أو تخريب العلاقات التجارية والعسكرية لإيران.
كان مدى هذا التأثير واسعًا ومعقّدًا، إلى درجة أنّ أغلب العلاقات الثنائية لطهران في ميدان السياسة الخارجية والدفاع (حتى في ما يتعلّق ببكين وموسكو) أصبحت ثلاثية منذ عام 2006 فصاعدًا، وبسرد الخصم (إسرائيل والولايات المتحدة) في تشكيل صورة إيران، بوصفها فاعلًا مناهضًا للنظام ومزعزعًا للاستقرار في المنطقة، اكتسبت هذه الصورة شرعية.
من الدور الفريد للّوبي الإسرائيلي في فرض قانون داماتو، إلى تأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تحريض الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، ونجاحه مرّةً أخرى في إقناع ترامب بالهجوم على المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، نشهد مثالًا صارخًا وواضحًا على هذه الحقيقة المرّة الواضحة.
في ظل هذا المناخ واستمراره، فإنّ الضربات الأمنية التي وُجّهت إلى البلاد منذ بدء اغتيال العلماء النوويين، والتخريب الصناعي المتعدّد، وتفشّي الحرائق المتعمّدة، والهجمات السيبرانية الواسعة، والتفجيرات ذات التوقيتين، واختراق الأنظمة وسرقة أكثر الوثائق سريةً من البرنامج النووي، وصولًا إلى اغتيال قادة فيلق القدس والمستشارين الإيرانيين في مواقع داخلية وإقليمية مختلفة، وتحديد مكان إقامة إسماعيل هنية واغتياله في يوم مراسم تنصيب رئيس الجمهورية، و”بيجرات” حزب الله المفخّخة، والأهم من ذلك، القصف العنيف لمقرّ السيد حسن نصر الله وإزالة هرم قادته البارزين، وتيسير سقوط بشار الأسد، ومن ثم الضربة الموجّهة إلى سلسلة مراتب قيادة القوات المسلّحة الإيرانية والمتخصّصين النوويين البارزين، وتدمير عدد كبير من منظومات الرادار، وتحديد وقصف أجزاء مختلفة من البرنامج الصاروخي، وقمع منظومات الدفاع الجوي، والأضرار المتعدّدة لحرب الاثني عشر يومًا، ورصد وقصف مكان انعقاد اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي وإخلاء العاصمة – كل ذلك دقّ ناقوس الخطر لطهران وعرّض أداء المجتمع الاستخباري والعسكري للبلاد لأهم اختبار وطني بعد الحرب مع العراق.
جعل هذا التحوّلُ في خطوته الأولى التغيير والتحوّل البنيوي في المجلس الأعلى للأمن القومي وتشكيل مجلس للدفاع أمرًا لا مفرّ منه. في هذا السياق، وإن كانت مفاجأة إيران وتعرّضها في مواجهة إسرائيل لها أسباب متعدّدة، إلا أننا نكتفي هنا بخمسة عوامل رئيسية:
فجوة التكنولوجيات العسكرية: شكّلت الحرب ذات الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران نقطة تحوّل في عرض فاعلية “الحرب الشبكية” والدمج الكامل للتكنولوجيات متعدّدة الأبعاد في ميدان القتال.
في المجال الهجومي، أعادت مكانة التفوّق الجوي الإسرائيلي الشكوك بشأن نهاية عهد المقاتلات المأهولة إلى الهامش. استخدمت إسرائيل أسطولًا رشيقًا من مقاتلات F-35I Adir ذات القدرة المتقدّمة على التخفّي والاندماج المباشر في شبكة البيانات، وكذلك أسرابًا قوية من مقاتلات F-15EI Ra’am للضربات بعيدة المدى، وF-16I Sufa للمهام متعددة الأغراض.
وتمكّنت هذه الطائرات – باستخدام طيّارين ماهرين وذخائر موجّهة مثل SPICE-1000 وJDAM – من تنفيذ أكثر من 1000 طلعة جوية، وضرب نحو 900 هدف محدّد بدقة. لكنّ نقطة التمايز الأساسية كانت الدور الواسع للمسيّرات الإسرائيلية. فقد استُخدمت مسيّرات Heron TP كسقائف استطلاع وحمل ذخائر، ومسيّرات عائلة Orbiter وHermes للمراقبة المستمرّة وجمع المعلومات، وبالطبع المسيّرات الانتحارية Harop التي أصابت مباشرة منظومات الرادار والدفاع الجوي الإيراني بالتعاون مع عناصر بشرية للاختراق.
أنشأ الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب الشبكية – بالاعتماد على قدرات الأقمار الصناعية الاستطلاعية والاتصالية من عائلة Ofek، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر AWACS Eitam/EL/M – بنية معلوماتية وعمليّاتية منسجمة.
في هذه البنية، تُجمَع البيانات اللحظية من مجالات ISR وSIGINT، وتُدمَج في شبكة قيادة ذكية لتُستكمل “دورة الاكتشاف – الاستهداف – التدمير” خلال دقائق. وبهذه الطريقة تمكّنت إسرائيل – بالاعتماد على التفوّق الجوي والذكاء الاصطناعي والمعلومات – من جعل سرعة رد الفعل ودقّة الضربات تُبطلان فعليًا التفوّق العددي والجغرافي لإيران.
أما في البعد الإسنادي والدفاعي، فأظهر الجيش الإسرائيلي – رغم عبور بعض الصواريخ الباليستية الإيرانية – كيف أنّ الطبقات الدفاعية والحرب الالكترونية تُكمل التفوّق الهجومي. وفي هذا الإطار، قامت منظومات Arrow 2/3 وDavid’s Sling مع دعم THAAD الأميركي وسائر المنظومات الأوروبية باعتراض عدد كبير من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مبرزةً مرونتها في القيادة والسيطرة، فيما قامت منظومات قصيرة المدى مثل Iron Dome بتحييد التهديدات التكتيكية.
أدّى هذا التدرّج الدفاعي، إلى جانب عمليّات حرب سيبرانية واسعة، إلى اضطراب في منظومات القيادة والاتصال لدى إيران، ضَمِن إلى حد كبير قابلية بقاء وتواصل العمليات الجوية الإسرائيلية. والأهم من ذلك، إنّ الاستخدام المركّب لصواريخ جو – بالستية، مثل عائلة Sparrow وRampage أو Lora ذات التكنولوجيا المتقدّمة والمسار غير القابل للتنبّؤ، وإلى جانبها صواريخ كروز مثل Delilah وGolden Horizon، أتاح لإسرائيل توجيه ضربات قاتلة للأهداف داخل البلاد من مسافة آمنة، ومن دون الحاجة الفورية والدائمة للدخول المباشر إلى عمق سماء إيران. في هذا الإطار، كانت المسيّرات تجمع بيانات الأهداف، وتراقب الأقمار الصناعية ومنظومات SIGINT اتصالات إيران، وتنفّذ المقاتلات الهجوم بدعم الصواريخ الدقيقة.
وهكذا بيّنت الحرب أنّ التفوّق في القرن الحالي هو نتاج معماريّة متكاملة من القوة الجوية، والمسيّرات، الصواريخ، الاستخبارات والدفاع، معمارية لم ترفع فقط القدرة الهجومية إلى مستوى غير مسبوق؛ بل ضمنت أيضًا المرونة والبقاء في مواجهة قوة الصواريخ الباليستية الإيرانية، عبر الاعتماد على الدفاع متعدّد الطبقات، الإنذار المبكر والملاجئ الآمنة.
تُقدّم هذه التجربة نموذجًا واضحًا للمحلّليو وصنّاع السياسات الأمنية في جمهورية إيران الإسلامية: إنّ الانتصار في حروب المستقبل لا يكمن في القوة العسكرية الخام، بل في القدرة على مزج وتآزر تكنولوجيّات متنوعة ضمن “نظام بيئي عسكري واستراتيجي”.
وفي ضوء هذه البصيرة، أكّد العميد أحمد وحيدي – مستشار القائد العام للحرس – في مقابلة على هذه الفجوة، حيث قال: “أكثر من الاختراق، كانت التكنولوجيا العامل الأكثر أهمية في نجاح إسرائيل باغتيال القادة العسكريين والمتخصّصين النوويين”.
وإن كان هذا السرد الغالب في طهران يخالف التقليد القديم المتمثّل في التقليل من شأن الأعداء، تقليص عرض الواقع والاعتراف المتأخّر بقوة وفاعلية نظام إسرائيل في الأحداث الأمنية والتحولات الإقليمية؛ فإنه لا ينبغي نسيان أنّ هذا الأمر وحده لم يكن له دور محوري في مفاجأة الحرب، وأنَ جرأة إسرائيل، بمعزل عن الأسلحة الهجومية والدفاعية المتقدّمة، والتقدّم في مجالات ISR/ SIGINT/ COMINT/ ELINT/ HUMINT/ OSINT ومعالجة المعلومات العسكرية، هي حصيلة سنوات من التدريب المهني، الانضباط النظامي والابتكارات التكتيكية.
وقد بلغ هذا التفوّق مرحلة النضج في ضوء تعمّق مشكلات إيران الداخلية، وبالطبع قيودها العسكرية التي تشمل غياب قوة جوية رشيقة، وفراغ الدفاع الجوي المحمول جوًا، وعدم كفاءة الدفاع الأرضي، وضعف الدفاع السلبي، وفقدان منظومات الإنذار المبكر، وكذلك الإصرار على التكتيكات القتالية التقليدية حتى بعد الحرب (كما في المناورة الصاروخية الأخيرة للقوة البحرية للجيش في 20 آب/ أغسطس 2025).
تسييس المعلومات: إذا خضعت المعلومات التي تصل إلى المسؤولين والقادة لمصفاة الاعتبارات السياسية والفئوية، وتمّت رقابة التقارير الخام، فإنّ ذلك يُفضي إلى صناعة قرار غير مُرضٍ في مجال الأمن القومي. يحدث ذلك عندما يكون هناك أوّلًا تعارض جدّي بين المؤسسات والتيّارات النافذة عن تعريف المصالح الوطنية وصياغة استراتيجية الأمن القومي (كظهور مفهوم “الميدان” والدبلوماسية).
في مثل هذه الظروف، قد تُقدَّمُ المعلومات بطريقة تعكس التفضيلات السياسية، ولا تمثّل بالضرورة الفرص والتهديدات الحقيقية للبلاد. ويعني ذلك أنّ جمع البيانات، تحليلها وتقديمها، بدلًا من اتباع المعايير المهنية والحياد، يقع تحت ضغط أو توجيه الاعتبارات السياسية والفئوية، ويعطّل في النهاية صناعة القرار الأمني القومي.
عندما يتحوّلُ خط سياسة أو شعار كلي (مثل حذف إسرائيل من صفحة الأيام وطرد الولايات المتحدة من المنطقة) إلى ثقافة استراتيجية، قد تقوم المؤسّسات الأمنية والعسكرية – بوعي أو من دونه – بانتقاء المعلومات والوقائع البيئية، أو تفسيرها بما ينسجم مع تلك السياسة؛ حتى لو كانت البيانات تشير إلى خلاف ذلك.
وتتمثّل نتيجة هذا التوجّه في فجوة بين التهديد الحقيقي والصورة الذهنية لدى متّخذ القرار، فتغدو الاستجابات للتهديد غير واقعية ومتأخّرة. علاوةً على ذلك، بدلًا من تقييم المعلومات بصورة مستقلّة، تتحوّل إلى أداة سياسية لتأكيد السرديات الداخلية أو الدعاية الخارجية. تجلّت آثار هذا الوضع ومظاهره منذ عام 2007، من المستويات العليا الوطنية والإقليمية إلى المنظمات الدولية وإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. وقد ظهر هذا الانحراف في الموارد التحليلية بعد سنوات قليلة في حادثة الهجوم السيبراني “ستاكسنت”؛ إذ لم تُؤخذ المؤشّرات الفنية لخلل أجهزة الطرد المركزي، وتحذيرات الخبراء المستقلّين للأمن على محمل الجد، بسبب حساسية الملف النووي سياسيًا، فجاء الرد متأخّرًا وكلفته عالية.
كان لتسييس المعلومات ثمن باهظ حتى في مجال الحماية الفيزيائية. فبعد موجة اغتيال العلماء النوويين من 2006 إلى 2013، وُضعت التحذيرات بشأن استمرار هذا الجانب من التهديد على الهامش؛ لكنّ انخفاض أولويته والتركيز على الحرب النفسية ومنازعات السلطة الداخلية، هي عوامل مهّدت بعد سنوات طريق الانفجارات المتعدّدة في المنشآت الحسّاسة واغتيال محسن فخري زاده.
إنها الفجوة نفسها بين التهديد الحقيقي والصورة الذهنية، فجوة تجعل الاستجابة في الظروف الحرجة متأخّرة وغير منسجمة. وفي السياق نفسه، عندما تُنتَجُ المعلومات على نحو “موجّه”، يختلُّ التنسيق مع المؤسّسات العسكرية، فتقوم البرمجة العملياتية على بيانات ناقصة وأخطاء حسابية، تتمحور حول التفكير السائد بأنّ “العدو لا يجرؤ على الهجوم”، فتُختزل قابلية إسرائيل للاختراق إلى خيوط عنكبوت، ويُقلّل التموضع الهجومي للعدو إلى حرب نفسية.
ومع تعاظم هذا الإدراك، لا تستعدّ القوات المسلّحة للتهديد الحقيقي، ولا تتوافق المنظومات والعقيدة العسكرية مع الظروف الواقعية وحدود ساحة القتال، وتُفضي هذه الفجوة في الظروف الحرجة (مثل الهجوم الضاري لإسرائيل) إلى كارثة استشهاد القادة الخبراء، والمتخصّصين النوويين، وتدمير البنى التحتية الدفاعية والصناعية، وسقوط سمعة الردع، وفقاعة اتخاذ القرار، وتأخّر الرد المنسجم والمتناسق.
ولا يعني الإقرار بنقاط ضعف كثير من التقييمات الاستخبارية السابقة التقليل من شأن الاستخبارات أو إنكار دورها في أمن إيران. بل إنّ الاستخبارات لا تحتاج إلى أن تكون معصومة لتكون ذات قيمة؛ لكنّ اعتقاد المسؤولين رفيعي المستوى عسكريًا واستخباريًا بشأن عجز إسرائيل العملي، أو حفظ المصالح الاقتصادية والمنجزات السياسية الإقليمية، أدى إلى تجاهل الوقائع الميدانية على المستويات العليا السياسية.
وقد طرحتُ من قبل هذه المخاطر وتبعاتها تحت عنوان “فخ البلاسيبو”. إنّ هذا القدر من اليقين لدى المسؤولين السياسيين بشأن دقّة التقديرات، والقدرة على مواجهة التهديدات، أدى إلى تسويف السياسات المُثلى، ورفع مستوى توقّعات الأنصار (في إطار وعد الانتقام الصعب)، والإضرار بمصداقية الردع العسكري عند وقوع الحرب والأزمة. إنّ دراسةً أوسع لسوابق إجراءات إسرائيل ضد إيران خلال العقدين الماضيين تُظهر بوضوحٍ هذه الديناميكية الدقيقة.
وعليه، فإنّ التصوّر الشائع في البنية الرسمية، القائل إنّ إيران تمتلك “قوة كافية في مجال الردع الصاروخي والمسيّرات”، أدّى إلى الغفلة عن التهديدات الحقيقية، حساب خاطئ لقدرات إسرائيل الهجومية، والشكّ في عزم حكومة نتنياهو على اللجوء إلى هجوم استباقي.
وقد أظهر هجوم إسرائيل أنّ القيادة والسيطرة (C2)، الدفاع الفعّال والسلبي، منظومات الرادار والإنذار المبكر والتناسق المأمول بين المؤسّسات العسكرية والأمنية في إيران، هي عوامل لم تكن تتمتّع بالفاعلية اللازمة في ظروف الحرب الواقعية.
وبمعزلٍ عن ذلك، كانت التقييمات الاستخبارية والحسابية لإرادة إسرائيل السياسية في الدخول في حرب مباشرة مع إيران – بحكم ضيق مساحتها الجغرافية – متفائلة جدًا، وغالبًا قائمة على الشعارات، لا على الوقائع الميدانية والمعلومات الدقيقة.
وفي النهاية، بيّن هجوم إسرائيل أنه من دون مواءمة التقييمات الاستخبارية مع الواقع الميداني وتقليص المسافة بين البيانات الخام والقرار العمليّاتي، فإنّ الاتكاء على استراتيجية كمية الصواريخ والمسيّرات لن يكون قادرًا على منع المفاجأة العسكرية.
الخلل في المعلومات الاستراتيجية: تُقدِّم المعلومات الاستراتيجية فهمًا شاملًا لوضع البلد الراهن والمستقبلي، بما في ذلك الحالة والقدرة الدقيقة للمنافسين، التهديدات، الاتجاهات الاقتصادية والجيوسياسية، التحوّلات الأمنية الصامتة والاعتبارات السياسية – الاجتماعية الأوسع.
تُحوِّل المعلوماتُ الاستراتيجيةُ البياناتِ الخامَّ إلى بصائرَ ذات معنى، يمكن استخدامها لاتخاذ قرارات واعية وتنفيذ استراتيجيات فعّالة. إنّ فهمَ مساعي المنافسين لإنشاء ممرّات تجارية واتصالية، تحليلَ تقريرٍ حدودي، التنصّت على مكالمةٍ خارجية، وساطةَ الأعداء بين بلدين متجاورين لخفض التوتّر، شراءَ أو بيعَ منظومةٍ عسكرية، وتأسيسَ مصنع، توقيتَ مناوراتٍ عسكرية، رصدَ تراكم بعض المعدّات الخاصة في أحد موانئ الدول المجاورة، تحوّلًا صغيرًا في نمط الرحلات الجوية التجارية، ازدياد الهجمات السيبرانية على مؤسسةٍ ما، بل حتى تغريدةً أو خبرًا محليًّا، هي عوامل تكتسب – بعد المعالجة والتحليل والتركيب معًا – معنًى عملياتيًّا وفرصةً للانتهاز الاستراتيجي.
إنّ العملية التي تصل هذه البيانات المتفرّقة ببعضها عبر ارتباطاتٍ منطقية، زمانية، مكانية وسلوكية؛ واستخدامَ محلّلٍ بشري وخوارزميات تنقيب البيانات لتحديد أوجه الشبه أو التزامنات؛ وبناءَ رسمٍ شبكيٍّ للأشخاص والأماكن والأحداث والأشياء؛ والعثورَ على “العُقَدِ المفصلية” التي تصل بياناتٍ مبعثرة عدّة ببعضها على نحوٍ شبكي؛ وتحليلَ ما الذي تعنيه هذه الارتباطات على المستوى الكلّي: هل هي مجرّد مصادفات أم جزءٌ من مخطّطٍ أكبر للعدو؟؛ كلُّ ذلك يكتسب معنًى في رسم خريطةٍ كبرى.
بعبارة أخرى، إنّ المعالجة الدقيقة لهذه الأخبار والتحرّكات والوقائع، فهمَ علاقة هذه المتغيّرات بعضها ببعض والبلوغَ إلى نقطةٍ مشتركة في صورةٍ شاملة وواضحة للاتجاهات، هو وظيفةُ المعلومات الاستراتيجية التي – في غيابها – تعرّضت طهران – بثقتها برسالة دونالد ترامب وستيف ويتكوف بشأن الجولة السادسة من المفاوضات يوم الأحد 15 حزيران/ يونيو– فجرَ الجمعة (قبل موعد الجولة السادسة بيومين) لهجومٍ مفاجئ من إسرائيل. إنّ كونَ كثير من القادة والعلماء النوويين قد استُهدفوا في منازلهم الخاصة بهجماتٍ صاروخية ومسيّراتٍ، يعكس هذا الغفلةَ والخطأَ في الحساب.
كما تُقيَّم ضمن السياق نفسه اللامبالاةُ بنتائجِ حربِ القوقاز الثانية، والحضورُ المتزايد لإسرائيل في شمال البلاد وجنوبها. وعلى هذا الأساس، لو أنّ التركيز على البيانات المنفصلة كان قد تحوّل – بعد عبور مرحلة تحليل الارتباط الشبكي – إلى خريطة تهديدٍ منسجمة، لكانت طهران قادرةً عبر رسم نمطِ تعديلِ التهديدات، وإيلاءِ حساسيةٍ مضاعفة للأصول البشرية والمعدّاتية، وكذلك إعلانِ حالةِ الجهوزية الشاملة في الوقت المناسب، على تقليل القابليةِ للتعرّض للمفاجأة (على الأقل في مجال حماية القادة والشخصيّات).
بيد أنّ لأبعادِ مثل هذه الغفلة تاريخًا عريقًا. فعلى سبيل المثال، قبل اندلاع حرب إيران والعراق، وصلت إلى إيران بياناتٌ عديدةٌ محذِّرةٌ من تزايد إعلان مسؤولي العراق عدمَ رضاهم بشأن مراجعة أو إبطال اتفاقية الجزائر، زيادةِ مشتريات الجيش البعثي من الأسلحة، تحريكِ الوحدات قرب الحدود، وكذلك ازديادِ طلعات الاستطلاع العراقية.
ومع ذلك، عُدّت تقاريرُ الجيش “تهويلًا للتهديد”، أو حتى “مناورةً للعودة إلى السلطة”، وكان جزءٌ من بنية صنع القرار في طهران واقعًا تحت تأثير نظرةٍ ثوريةٍ وإيمانٍ سائد لدى بعض النّخب بأنّ “صدّام لا يجرؤ على الهجوم”، أو أنّ “شيعة العراق سينهضون ضده مع بدء الحرب”.
وبعد ستّ سنوات، في عملية كربلاء 4، جرى مرةً أخرى ترشيحُ المعلومات المتسرّبة إلى العدوّ، وتجاهُلُ مؤشراتِ استباقِ العراق في التحضير الدفاعي. ومع الإصرار على ضرورة العملية، أُهملت تبعاتُ الأخطاء.
ونتيجةً لذلك، أدّى غيابُ التحليل الشبكي للبيانات المتناثرة، وعدمُ كشف العُقَد المفصلية في مجرى المعلومات، إلى هزيمةٍ قاسيةٍ في هذه العملية.
وخلال العقدين من عام 200 إلى 2020، ساهم ضعفُ معالجة البيانات بفعاليةٍ، والعجزُ عن تحويلها، في كشف مشروع “آماد”، والمنشآتِ النوويةِ السرّية، وفي تحوّل كلِّ علاقات إيران إلى قضايا أمنية. وقد نُقلت معلوماتٌ مرارًا عن مستوى حساسية المجتمع الدولي تجاه الأنشطة النووية لإيران من قِبل وزارة الخارجية وبعض النخب. لكن جزءًا من الحكم عَدَّ هذه التحذيرات “تأثّرًا بالغرب”، أو “نهجًا تصالحيًا”.
في المقابل، جرى تقليلُ شأن التهديدات، وسيطر شعار “الغربُ لا يقدر أن يفعل شيئًا” على الفضاء الإعلامي الداخلي.
غير أنّ عصرَ ضعفِ المعلومات الاستراتيجية الإيرانية في القضايا الإقليمية ظهر بجدّية منذ انتخابات 2009، الانتخابات العراقيةِ المثيرةِ للجدل عام 2010 وإصرارِ طهران على إعادة تثبيت نوري المالكي رئيسًا للوزراء، تفاقم الحرب الأهلية السورية عام 2011 ودخولِ إيران إلى هذا الميدان، ازدياد احتمال هجومِ الولايات المتحدة وإسرائيل عام 2012، ظهورِ داعش عام 2014 وصلاتِ هذه الدوافع بسياسة “المرونة البطولية” والاتفاقِ النووي عام 2015.
وفي امتداد هذا المسار، لم تُعالَج معالجةً صحيحةً قطّ ميولُ إقليم كردستان العراق الواضحةُ نحو إسرائيل (انطلاقًا من دهوك وتلقّي مساعداتٍ إغاثيةٍ إسرائيلية تحت غطاء تعاون مع وكالة ONEXONE الكندية)، وحدوثُ “ثورة تشرين” في المناطق الشيعية من العراق (تشرين الأول/ أكتوبر 2019) بعد هزيمة داعش، وحتى إعلانُ بعض التيّارات الشيعية العراقية – مثل تيّار مقتدى الصدر– مواقفَ مناهضةً لإيران، مثلًا في الترابط مع “قانون قيصر” الأميركي (كانون الأول/ ديسمبر 2019) في سوريا، واغتيالِ الفريق قاسم سليماني عام 2020، وتحوّلِ دمشق التدريجي عن طهران منذ 2021 بسبب ضغط موسكو ونفوذها في عمليّات التنسيق الأمنية مع تل أبيب، بحيث يمكن – فورًا بعد الانتصارات العسكرية الظرفية على المستوى الاستراتيجي (كالقضاء على داعش في هذين البلدين وتعزيز حكومتيهما المركزيتين) – ترجمتُها إلى مكاسب اقتصادية وسياسية، وإجراءُ وتعديلٍ في الاستراتيجية الكلّية (مثل انتهاج سياسة درء الشرّ تجاه الولايات المتحدة وأوروبا، وطرح مشروع مدِّ خطِّ غازٍ إيراني إلى المتوسط)، قبل أن يُدفَع العراق وسوريا – بمساعي وضغوط المنافسين الإقليميين – إلى الخروج من محور المقاومة.
لقد حذّر الخبراءُ مرارًا من محدوديات قوة الجماعات المتحالفة مع إيران (مثلًا في سوريا أو لبنان) في مواجهة إسرائيل. لكنّ هذه التحذيرات أُقصيت أحيانًا سياسيًا بدعوى “التقليل من مكانة محور المقاومة”، وبنعوتٍ مثل ةعديمو البصيرة”، وفقدت معناها العمليّاتي من دون معالجةٍ وربطٍ شبكي.
وفي السياق نفسه، لو أُخضِعت أنماطُ السلوك العسكري، العقائدُ الأمنية لإسرائيل منذ عقودٍ (كعقيدة بيغن والحرب الاستباقية)، دروسُ تقرير لجنة فينوغراد بعد حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، عقيدةُ “الضاحية”، والاستراتيجيات الأمنية الأحدث لهذا الكيان – وخاصة منذ وصول نفتالي بينيت وما بعده (مثل استراتيجية الأخطبوط، و”مابام”، وألف طعنة سكين، واتفاقات إبراهيم، وغيرها) للقبول والمعالجة الدقيقة ضمن اعتبارات المعلومات الاستراتيجية، لما كانت طهران لتدعم صراحةً ومنذ البداية هجومَ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لحماس (حتى على فرض كونه مشروعًا إسرائيليًا)، ولما سمحت – بدافع البصيرة – بدخول حزب الله في حربٍ مع إسرائيل.
ذلك أنّ منطق تشكيل محور المقاومة، في الأساس، كان إبعادَ الحرب والتهديد عن الحدود الرسمية لإيران؛ بينما تمكّنت إسرائيلُ من تحويل القوى الوكيلة إلى كعبِ أخيل لطهران، ومنصّةٍ للهجوم على إيران. ونتيجةً لذلك، قاد الخللُ في المعلومات الاستراتيجية في طهران إلى “مشكلة أثر السهرة الليلية”، وزيادة احتمال الهجوم.
عدمُ تناسب الأهداف والموارد: بُنيت “الاستراتيجيةُ الكلّية لإيران” طوال العقود الأربعة الماضية – ولا سيّما بعد الثورة – هجوميًا على محورين، أيديولوجي وجيوسياسي: تدميرُ إسرائيل (بوصفها العدوّ الأيديولوجي والحليفَ الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة)، وطردُ الولايات المتحدة من الشرق الأوسط (بوصفها قوةً متدخّلة وتهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإيراني).
هذان الهدفان عمليًا هجوميّان، ويعنيان تحدّيًا مباشرًا لقوتين نوويتين في البيئة المحيطة. في المقابل، قدراتُ إيران العسكرية والاقتصادية محدودة، و”عقيدتها العسكرية” ذات طابعٍ دفاعي وردعيٍّ.
ولتعويض النواقص وتعديل الضعف العسكري – الاقتصادي، لم تؤدِّ سنواتُ الاتكال على توطينِ صناعة الصواريخ والمسيّرات، وتسليحِ شبكة القوى الوكيلة (حزب الله، الحوثيون فصائل المقاومة العراقية) في ظلّ غياب إمكانية إنشاء جيشٍ كلاسيكي، إلى دعمِ أهداف الاستراتيجية الكلّية.
إنّ تجنّب خوضِ حربٍ شاملة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى مع وجود الخسائر الناجمة عن استمرار استراتيجية “مابام”، وتطبيقِ الدفاع المتقدّم في المنطقة الرمادية بدلًا من اختيار الحرب على الحدود الرسمية، كان اعترافًا واضحًا بقوّة العدوَّين المتزايدة عسكريًا واستخباريًا واقتصاديًا.
وهنا ظهر التناقض: الاستراتيجية الكلّية لإيران هجومية وتستلزم إجراءاتٍ عالية المخاطر تهدّد مباشرةً مصالحَ وأمنَ القوى النووية؛ لكنّ الاستراتيجية العسكرية الإيرانية مصمّمة للحفاظ على الوضع القائم وتجنّب الاشتباك المباشر. هذا التناقض الواضح زاد كلفةَ الأمن، ووضع إيران في محور الشرّ، وعرّفها تهديدًا وجوديًّا، وأنتج “فجوةَ مصداقية” في فاعلية ردعها.
وحين تُدمَج الاستراتيجية الكلّية (كتدمير إسرائيل وضرب مصالح الولايات المتحدة) في العقيدة العسكرية، بينما الأدواتُ والتكتيكاتُ اللازمة لتحقيقها غيرُ كافيةٍ وملائمة، تهبط مصداقيةُ المقاومة باللجوء إلى استراتيجية موازنةِ التهديد. وفي ظلّ تعمّق الإكراه (أي فرض العقوبات وتصاعد أنظمة الأمن الدولية)، بات خصومُ إيران أكثر جرأةً تدريجيًا.
ثانيًا، تعاظمت دافعيةُ تحريض الخصوم على موازنةٍ مضادّةٍ وتعاونِ العرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكما يقول جون ميرشايمر: “كلُّ دولةٍ تُحدث تهديدًا وجوديًا لقوةٍ عظمى يجب أن تتوقّع ائتلافاتٍ ضدها”. جعل هذا التناقض إيران تُقدَّم في آنٍ واحد تهديدًا وجوديًا كبيرًا، لكنها لا تملك أدواتٍ كافيةً لمواجهة الائتلاف الناشئ.
ثالثًا، ابتلَت الاستراتيجيةُ العسكرية بتبعاتِ أزمةِ موارد جرّاء ضغط متطلّبات الاستراتيجية الكلّية (مثل الاشتباك بالوكالة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فرض العقوبات الاقتصادية، الضغط الدبلوماسي والعزلة، العمليّات التخريبية وتعزيز الحضور العسكري في البيئة المحيطة بإيران)، مما أفرز تضخّمًا متزايدًا، سقوط قيمة الريال، اضطراباتٍ اجتماعية، خروجَ نخبٍ من البلاد وإضعافَ استراتيجية التوطين والاكتفاء العسكري.
والخلاصةُ هي هزيمةٌ إدراكية، إذ عرّفت إيران – بغية أمنٍ طويل الأمد – أهدافَها الكلّية بصورةٍ هجومية، لكنها – للعجز النسبي عن تحقيقها – وُضعت عرضةً لفعلٍ استباقي، من دون أن تبلغ أهدافها حقًّا.
ومن هذا المنظور، ما دامت إيران متمسّكةً بأهداف هجومية في استراتيجيتها الكلّية، ولا تستطيع توفير الموارد العسكرية والاقتصادية المتناسبة مع تلك الأهداف المثالّية، فإنها ستواجه خطر هجوم خصومها.
وقد أظهر هجومُ إسرائيل والولايات المتحدة أنّ الأدواتِ والأهدافَ الإيرانية لم تكن في حالة توازن. وعليه، فعلى طهران إمّا أن تُعدّل الأهدافَ المدرجة في استراتيجيتها الكلّية لتتوافقَ مع قدراتها العسكرية ومواردها الوطنية؛ أو أن تُعزّز سريعًا قدرتها الدفاعية وتشنّ هجومًا استباقيًا على إسرائيل وتتحمّل تبعاته. وهذا أمرٌ – مع دعم الغرب الواسع وتواطؤ بعض الدول المجاورة مع إسرائيل وضغطِ العقوبات الاقتصادية الشاملة – من شأنه أن يستجلب ردًّا شديدًا من الائتلاف الغربي، وعجزًا في الموازنة، واضطرابًا داخليًا.
إنّ الإدراك المتأخّر لاستحالة تحقيق الخيارين الأولين دفع الجمهوريةَ الإسلامية إلى المسار الثالث: المفاجأةُ والعجزُ أمام هجومٍ استباقي للعدوّ.
اللامبالاة بالعلوم الاجتماعية: حين نتحدّث عن العلوم الاجتماعية، فإنّ المقصود هو الاهتمامُ بتخصّصاتِ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في ضوء فهم سلوك الدول، الائتلافات، طبيعة الحرب والسلام، الرأي العام الدولي وفهم عناصر القوّة الوطنية في بُعدَيها البرمجي (الناعم) والمادي (الصلب).
يعمل علمُ النفس الاجتماعي على إدراك التصوّرات الجمعية، مخاطر سوء الفهم، الأنماط الذهنية والسلوكية للمنافسين، المخاوف والآمال والحربِ النفسية. ويفحصُ الاقتصادُ السياسي مواءمةَ النفقات العسكرية مع القدرة المادية للبلد وفهمَ صمود المجتمع أمام العقوبات والحرب. وتُدخلُ السوسيولوجيا السياسيةُ إلى البحث تحليلَ متغيّراتٍ مثل الهوية، الدين والطبقة والبنية السياسية وتأثيراتها في الاستعداد وقدرة التعبئة الاجتماعية للدفاع عن الوطن والأرض.
لذلك، فالعلومُ الاجتماعية في مجال الدفاع والأمن ليست “معرفةً نظريةً” فحسب؛ بل أداةٌ لفهم موقع البلاد وقدرتها الحقيقية، صورةِ العدوّ الذهنية – السلوكية، المجتمع الدولي، الرأي العام وديناميات القوة السياسية – الاجتماعية. وإذا أُهملت، صارت الاستراتيجيةُ العسكرية والردعُ ناقصين وشديدَيْ القابلية للضرر.
لقد أدّت قلّةُ الاعتناء بالعلوم الاجتماعية في الجمهورية الإسلامية إلى عدم تقديم ردٍّ متناظر على رواية إسرائيل على الصعيدَيْن الإقليمي والدولي؛ وإلى عدم التعرّف الصحيح على أنماط اتخاذ القرار الأمني الإسرائيلي (المعتمد كثيرًا على العلوم السلوكية وتحليل المخاطر)؛ وإلى عدم ترميم الفجوة بين المجتمع والحكومة والقوّات المسلّحة في الوقت المناسب (في ظلّ احتجاجات 2009 إلى 2023)، وهو أمرٌ برز – مع تغيّر السردية الاستراتيجية الوطنية وتآكل الردع الاجتماعي – في غضبٍ عامٍّ وزيادةِ قابليةِ المجتمع للاختراق التجسّسي لصالح إسرائيل، مما خفّض الصمودَ الداخلي في مواجهة صدمة الهجوم.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ استبعادَ حكومة نتنياهو – على الرغم من قدرة جيشها – استهدافَ البنى التحتية الحيوية والطاقة في إيران (بما يشمل محطّات الكهرباء والمصافي والصناعات الأمّ) من أهداف المهمة في الحرب الأخيرة؛ ينبغي أن يُرى – أكثر من كونه خشيةً من قدرة إيران الصاروخية على الردّ (مثلًا بضرب مصفاة حيفا) – في ترابطٍ مع سياسةٍ قديمةٍ لهذا الكيان بشأن ضرورة استقطاب الرأي العام الإيراني. لذا يُقال إنّ العلوم الاجتماعية تُشكّل قواعدَ المعلومات الاستراتيجية لكي تُرى التهديداتُ على حقيقتها، وتُقرع أجراسُ الإنذار في الوقت المناسب.
ومن تبعاتِ عدمِ اعتناء مؤسّساتِ صنع القرار بالعلوم الاجتماعية أيضًا، النظرُ إلى العلاقات الدولية من منظور المعارف الإسلامية، وتقليلُ الحرب من ظاهرةٍ استراتيجية إلى شأنٍ لاهوتي – سماوي.
وقد جعل هذا المنظورُ الغالبُ – لسنوات – تأثيرَ التيّارات السياسية المناهضة لإيران في واشنطن، والقوّةَ العسكرية لإسرائيل بأرقامها وتحليلاتها العسكرية، واللوبي الإسرائيلي القوي في الغرب، والمصالحَ المشتركة للدول العربية وإسرائيل في دعم الوجود العسكري الأميركي في المنطقة في ترابطٍ مع إضعاف إيران، مجرّد قضايا قليلة الأهمية، ونظرت نخبُ الجمهورية الإسلامية السياسية – بمنظورٍ أحادي – إلى قوة إسرائيل وفاعليّتها بمعيار حجمها الجغرافي وافتقارها إلى عمقٍ استراتيجي، وكأنها ظاهرةٌ مستقلّة عن الغرب.
وقد أسفر ذلك عن غياب فهمٍ صحيح لحسابات الكلفة – الفائدة لدى إسرائيل، وإقصاءِ المبادئ الواقعية، مثل “تقييم موازين القوة” و”القدرات الفعلية للمنافس”.
وأدّت هذا الفجوةُ النظرية إلى أن تتبدّى المفاجأةُ الاستراتيجية لا كحادثةٍ عابرة، بل كمنتَجٍ بنيوي، ونتيجةٍ لانحيازاتٍ معرفية.
خلاصةَ القول، حين تُقيِّد الفرضياتُ السياسية أفقَ إدراك صانع القرار وتُضيّقُه، فهنا بالتحديد يجب أن تعمل “العلوم الاجتماعية والاستراتيجية”: تحويلُ الأهداف السياسية إلى معاييرَ قابلةٍ للقياس للنجاح أو الفشل، تعريفُ مساراتٍ بديلة وإيجادُ آليةٍ للمراجعة المستمرّة.
وفي غياب مثل هذا الإطار والآلية، تبقى فجوةُ “الهدف – المورد” مستترةً؛ ويخلطُ صانعُ القرار بين “شدّة الفعل” و”تناسب الأداة”، ويتهيّأ مهادٌ للمفاجأة.
يعني ذلك أنه إذا شوهدَت دورةُ “الملاحظة – التوجّه – القرار– الفعل” (OODA) بوصفها فنيةً صرفًا، ولم يكن لها ملحقٌ اقتصادي، استخباراتي، استراتيجي، اجتماعي ونفسي، فإنّ إيران ستقع باستمرار في فخِّ الدخول في حروبٍ يريد خصومُها أن تشارك فيها.
يخلص المقال إلى أنّ مفاجأة إيران في حرب الـ12 يوما الأخيرة لم تكن طارئة أو ناتجة عن خطأ تكتيكي معزول، بل كانت حصيلة فجواتٍ بنيوية متراكمة في التكنولوجيا والقيادة والسيطرة والاستخبارات، إضافةً إلى تسييس المعلومات والابتعاد عن بوصلة العلوم الاجتماعية.
ولتقليص مخاطر المفاجأة مستقبلًا، يقتضي الأمر مواءمةً واقعية بين الأهداف والموارد، وبناء منظومة معلومات استراتيجية مهنية عابرة للتحزّبات، وتحديثًا متكاملًا في البنية الدفاعية وفق منطق “النظام البيئي العسكري – الاستراتيجي”.

