الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة31 أغسطس 2025 12:48
للمشاركة:

الردع النووي والعودة إلى مسار التنمية الاقتصادية: إيران أمام ثلاثة خيارات؟

ناقش الباحث الإيراني في مجال السياسة الخارجية وشؤون الشرق الأوسط مصطفى نجفي معضلة الأمن والبقاء التي سيطرت على التفكير الاستراتيجي الإيراني طوال القرنين الماضيين، وكيف أنها جعلت التنمية الاقتصادية أسيرة للهواجس الأمنية. 

وفي مقال نُشر على موقع “ديبلماسي ايران” عرض الباحث الإيراني تتبع تاريخي وتحليل واقعي للبيئة الإقليمية والدولية، ليطرح بعد ذلك ثلاثة خيارات كبرى أمام إيران، مع التركيز على خيار الردع النووي باعتباره آخر الخيارات المتاحة لحل معضلة البقاء والانطلاق نحو التنمية الاقتصادية.

وفي هذا السياق يقول نجفي: تعد إيران دولة ذات موقع جيوسياسي واستراتيجي متميز وفريد، وقد واجهت على الدوام أزمات وتحديات متزايدة في بيئة الشرق الأوسط المضطربة والمليئة بالنزاعات. وإذا ما ألقينا نظرة على مئتي سنة من تاريخ هذا البلد، نجد أن إيران واجهت معضلتين أساسيتين: الأولى هي التنمية الاقتصادية، والثانية هي الأمن.

ومن الواضح أن التنمية الاقتصادية في إيران لم تدخل خلال القرنين الماضيين في مسار ثابت وواضح، بل بقيت رهينة معضلة الأمن والبقاء. وإذا كان لا يمكن فصل الأمن عن التنمية الاقتصادية، فإن الحقيقة أنه لم تكن هناك خارطة طريق أو خطة عملية ومستقلة للتنمية الاقتصادية بعيدا عن هاجس الأمن. ما غلب على الرؤى والبرامج والسياسات كان دائما هو معضلة الأمن والبقاء.

لقد جعل وقوع إيران في مدار تنافس القوى الكبرى، خصوصا خلال مراحل الانتقال والتحولات في النظام الدولي، البلاد عرضة للتهديدات والاعتداءات المتواصلة. وبناء على ذلك، ظلت فكرة “الأمن” و”الحفاظ على البقاء” هي المسيطرة على عقول صانعي القرار الإيرانيين. غير أن هذه العقلية الأمنية لم تتمكن من معالجة الأزمات الاقتصادية، بل أبعدت إيران عن مسار التنمية الاقتصادية، ليبقى الهاجس الاقتصادي دائما في الهامش مقابل الأولوية الأمنية.

وكما أشار جون هرتز عند طرحه لمفهوم “معضلة الأمن” عام 1950، فإنها حالة من القلق الدائم لدى الدول والجماعات من أن تتعرض للغزو أو السيطرة من الآخرين. وبناء على ذلك، فإن تغليب الأمن المفرط في الداخل والخارج لم يزيل معضلة البقاء لدى صناع القرار الإيرانيين، بل بقيت الأزمة الأمنية حادة وعصية على الحل.

معضلة البقاء

السؤال الجوهري: كيف يمكن لإيران أن تحل معضلة البقاء؟ وبمعنى آخر، أي استراتيجية يجب أن تعتمدها للخروج من مأزق الأمن والبقاء الحاد؟

الجواب كما يرى الكاتب: لا بد من تحول جذري وشجاع في الاستراتيجيات الأمنية الوطنية. فاستراتيجيات الردع التقليدي أو الدفاع الهجومي غير المتكافئ لم تعد كافية لحل معضلة البقاء. واليوم، في ظل مرحلة انتقالية خطيرة يشهدها النظام الدولي، تبدو الحاجة ماسة إلى خيار تاريخي يضع حدا لهذه المعضلة.

  • الخيارات الثلاثة أمام إيران:

1- الاستمرار في النهج الحالي والاعتماد على الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي

هذا المسار هو ما سارت عليه إيران منذ انتصار الثورة، حيث تمكنت البلاد من تحقيق ردع تقليدي. لكن رغم ذلك، لم تستطع التغلب على معضلة الأمن، وبقيت التهديدات مستمرة، الأمر الذي أبعد إيران عن مسار التنمية الاقتصادية. وبالتالي، ورغم كل الإنجازات العسكرية ورفع مستوى الردع على مدى 42 سنة، فإن معضلة البقاء ما زالت بلا حل.

2- التحول الجذري في الاستراتيجية الخارجية والتحالف مع قوة كبرى

الخيار الثاني هو الابتعاد عن “الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي” والانتقال إلى “التحالف الاستراتيجي” مع قوة كبرى في النظام الدولي. هذا الخيار له مؤيدون كثر داخل الأوساط السياسية والأمنية-العسكرية، لكن لا يوجد توافق حول أي قوة يجب أن تكون شريكا استراتيجيا لإيران. هذه المعضلة ليست جديدة، بل رافقت السياسة الإيرانية منذ قرنين، حيث انقسمت النخب بين “الموالين لروسيا”، و”الموالين لبريطانيا”، وحديثا “الموالين للصين”. وبدلا من حل مشكلة الأمن، أدى هذا الانقسام إلى تعزيز النزاعات الداخلية وإضعاف الثقة المتبادلة بين إيران والقوى الكبرى.

إن مراجعة تحالفات إيران مع القوى العظمى خلال القرنين الماضيين تثبت هذا الافتراض، مما يجعل هذا الخيار عاجزا عن حل معضلة البقاء، بل يزيد من الانقسامات داخل النخب السياسية.

3- الردع النووي

فيما يخص البرنامج النووي، تملك إيران ثلاثة مسارات محتملة:

  • التخلي الكامل عن البرنامج النووي.
  • الاستمرار في المفاوضات النووية الحالية.
  • الانسحاب من المفاوضات والسعي لامتلاك السلاح النووي.

الخيار الأول غير واقعي وغير قابل للتوصية، إذ إن التخلي عن البرنامج النووي لن يزيل المخاوف الأمنية بل سيضاعفها. أما الخيار الثاني، وهو الاستمرار في المفاوضات التي امتدت لنحو عقدين، فلا يقدم أي أفق واضح لحل معضلة البقاء، بل يزيدها حدة في ظل غياب الإجماع الوطني حولها.

يبقى الخيار الثالث، وهو الردع النووي، كخيار نهائي وأخير أمام إيران. ورغم أنه لا يحظى بتأييد علني واسع في المواقف الرسمية، إلا أنه يمكن اعتباره الخيار الوحيد المتاح لحل معضلة البقاء، والدخول في مسار التنمية الاقتصادية. ومع ذلك، فإن تبني هذا الخيار سيواجه تحديات هائلة ويطرح أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابات واضحة، من بينها:

ما هي التحديات والمقاومات التي ستواجهها إيران في سبيل امتلاك الردع النووي؟

ما هي الاستراتيجيات الضرورية لتجاوز هذه التحديات؟

ما النتائج المترتبة على امتلاك إيران للردع النووي؟

هل سيكون النموذج الإيراني مشابها لنموذج كوريا الشمالية أم نموذج الهند؟

كيف سيتغير السلوك الخارجي لإيران بعد امتلاك السلاح النووي؟ هل ستندمج في النظام الدولي القائم أم ستدخل في مواجهة معه؟

وهذه أسئلة أساسية تحتاج إلى دراسة وربما يتحدث عنها الكاتب في مقالات لاحقة.

يخلص الكاتب إلى أن معضلة البقاء في إيران ما زالت التحدي الأكبر الذي يقف أمام أي مسار للتنمية الاقتصادية. وأن الخيارات الثلاثة المطروحة – الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي، التحالف مع قوة كبرى، والردع النووي – جميعها مليئة بالتحديات. لكن يبدو أن خيار الردع النووي، رغم صعوباته وتعقيداته، هو الخيار الأكثر جدية لحسم المعضلة الأمنية وفتح الطريق نحو التنمية الاقتصادية. ويبقى السؤال: هل سيقود هذا الخيار إيران إلى الاندماج في النظام الدولي أم إلى مزيد من العزلة والصدام؟ هذا ما ستكشفه التطورات المقبلة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: