مقابلة مع «فورين بوليسي».. ظريف يكشف رؤيته لمستقبل إيران
في مقابلة خاصة نشرتها مجلة "فورين بوليسي" الأميركية وأجراها رئيس تحريرها رافي أغراوال ضمن برنامج FP Live، تحدّث وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف ـ الذي شغل لاحقًا منصب نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية قبل أن يستقيل في آذار/مارس الماضي ـ عن رؤيته لمستقبل إيران وعلاقاتها الدولية.
ظريف اعتبر أنّ “السلام هو التهديد الوجودي لإسرائيل”، مؤكّدًا أنّ بلاده ليست فريسة سهلة رغم حرب الـ12 يومًا في حزيران/يونيو وما خلّفته من خسائر بشرية وعسكرية. كما حمّل أوروبا مسؤولية فشلها في الالتزام بتعهداتها ضمن الاتفاق النووي، مشدّدًا على أنّ الدبلوماسية لا تزال ممكنة إذا ما بُنيت العلاقات الدولية على الفرص بدلًا من التهديدات. وخلال الحوار الذي ترجمه موقع “الجادة”، أكد أن حماس لم تتلق أوامر من طهران وأنها حركة مقاومة مواجهة للاحتلال، وحذّر من أنّ سياسات المواجهة والعقوبات الأميركية لن تُضعف إيران بل ستدفعها لتعزيز قدراتها.
الترجمة الكاملة للمقابلة:
على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، كان محمد جواد ظريف الوجه الأبرز للدبلوماسية الإيرانية. كوزير للخارجية بين عامي 2013 و2021، تفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة أيضًا باسم الاتفاق النووي الإيراني، ومثّل فصيلًا في طهران رأى بعض الفوائد في الدبلوماسية مع الغرب.
لكن اليوم، أصبح الاتفاق النووي في حالة يُرثى لها، وعانت إيران من هجمات مهينة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في حزيران/ يونيو الماضي، وتمّ قطع رؤوس الجماعات الوكيلة مثل “حماس” وحزب الله.
ما الذي يجب أن تُظهره طهران في سياستها الخارجية؟
في الحلقة الأخيرة من برنامج FP Live، تحدثت مع ظريف، وهو الآن محلّلٌ مستقل. وكان ظريف يشغل مؤخّرًا منصب نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، لكنه استقال من منصبه في آذار/ مارس.
رافي أغراوال: اسمحوا لي أن أبدأ بما يُسمّى بحرب الـ12 يومًا في حزيران/ يونيو. للتلخيص، شنّت إسرائيل سلسلة من الهجمات على المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، مما أسفر عن مقتل العديد من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين. ثم انضمّت الولايات المتحدة وقصفت ثلاثة مواقع نووية. وكان رد طهران صامتًا تمامًا. لم تكن في الحكومة عندما حدث ذلك، لكنك بالطبع على اتصال جيد بالسياسة الإيرانية. من وجهة نظري، بدت الحرب التي استمرّت 12 يومًا مدمّرة للغاية لإيران. هل كان كذلك؟
محمد جواد ظريف: وقعت حرب الـ12 يومًا قبل يومين فقط من الموعد المقرّر لذهاب أصدقائي في وزارة الخارجية لإجراء جولة جديدة من المفاوضات مع نظرائهم الأميركيين. لقد خلقت صورة في إيران بأنّ المفاوضات مع الولايات المتحدة كانت مجرّد ذريعة لشن هجوم، وهو أمر مدمّر للغاية. من وجهة نظري، أنا أؤمن بالدبلوماسية. وكان ذلك مدمّرًا للغاية للدبلوماسية بشكل عام.
ثانيًا، كان هجومًا متعمّدًا، ليس فقط ضد أهداف عسكرية ونووية، بل أيضاً ضد مدنيين أبرياء. قُتل العديد من المدنيين الأبرياء. لم يتم استهداف القادة العسكريين في مكاتبهم أو على جبهات الحرب، بل تم استهدافهم في منازلهم، عندما كانوا ينامون مع أطفالهم وأزواجهم. وبحسب ما أعرفه عن القانون الدولي، فإنّ ذلك يشكل جريمة حرب. لقد قُتل العلماء النوويون، وغيرهم من العلماء، فقط لأنهم علماء. وهذه سابقة خطيرة للغاية أن يتم قتل هؤلاء الأشخاص.
أغراوال: لكن مع احترامي لردّكم، فهو لا يجيب على سؤالي. ما مدى الضرر الذي لحق بإيران؟
ظريف: لقد تضرّرت إيران. لقد كان هذا عدوانًا، وكل الاعتداءات عادة ما تلحق الضرر بالضحية. لكن أسطورة إسرائيل التي لا تقهر تحطّمت. تخضع إيران للعقوبات منذ 40 عامًا؛ لا أحد يبيع لإيران أي معدّات عسكرية. ولكن مع كل ذلك، كانت إيران قادرة على كسر ما يُسمّى بالقبّة الحديدية الإسرائيلية، وتمكّنت من مهاجمة أهداف عسكرية إسرائيلية فقط بصواريخها وطائراتها المسيّرة.
لقد تضرّرنا، لكننا أظهرنا شيئًا واحداً مهمًا يجب أن يفهمه الجميع: إيران ليست فريسة سهلة. اجتمعت إسرائيل والولايات المتحدة – القوّتان المسلّحتان نوويًا – لمهاجمة إيران، وفي نهاية المطاف، كانت إيران واقفة شامخة. وهذا إنجاز كبير جدًا لإيران.
أغراوال: أخبرني كيف تفسّر إيران على أنها “تقف شامخة” بعد أن تعرّضت منشآتها النووية للضرر، أو حتى للتدمير، كما يقول البيت الأبيض. لقد تم إخراج الدفاعات الجوية الإيرانية من اللعبة بشكل أساسي. لقد قُتل الكثير من العاملين النوويين، العسكريين والسياسيين.
ظريف: من الواضح أننا كنا ضحية لهجوم غير مبرّر، لعدوان، هجوم مفاجئ في الأساس. لقد تضررنا، لكن هذا ليس الهدف. النقطة هي أننا استجبنا. لقد أظهرنا أنه لا يمكن استهدافنا، وأنّ المعتدي يواجه العواقب. وحتى الولايات المتحدة كانت مقتنعة بأنّ إيران لن تقبل ذلك ببساطة. وأشار الرئيس ترامب نفسه إلى أنهم يفهمون أنّ إيران سترد. ولهذا السبب، أفرغوا كل الثكنات في منطقتنا. وهذه نقطة مهمة يجب ملاحظتها للمستقبل: التعامل مع إيران بهذه الطريقة لن يحل مشكلتك، ولن يحل مشكلة الولايات المتحدة، ولن يحل مشكلة أي أحد.
أغراوال: هناك شيء واحد لا أفهمه حقًا. ومن المعروف أنّ إيران تموّل جماعات مثل “حماس” وحزب الله والمتمرّدين الحوثيين. وفي الوقت نفسه، مع كل الاحترام، تحوّل الاقتصاد الإيراني من سيّء إلى أسوأ. لديك نسبة بطالة تصل إلى 60% بين الإيرانيين في سنّ العمل؛ ويبلغ معدل التضخّم 35%؛ لقد أصبح نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي نصف ما كان عليه في عام 2012. وكانت إيران امبراطورية عظيمة؛ اقتصادها اليوم أصغر من اقتصاد بنغلادش أو تشيلي. كيف يمكن أن يكون أي من هذا في مصلحة طهران الاستراتيجية؟ إشرح لي ما الذي ستستفيده إيران من صراعها مع إسرائيل أو تصوّر أنها تسعى إلى إنتاج قنبلة نووية، وهو ما يؤدي إلى هذا النوع من الرد من الغرب.
ظريف: لدينا عملية أمنية تتبعها إسرائيل، وخاصة نتنياهو، ضد إيران منذ التسعينيات. إذا استمعت إلى نتنياهو، فإنه قال في منتصف التسعينيات إنّ إيران على بعد ستة أشهر من الحصول على قنبلة نووية. لقد مرّت علينا حوالي 30 سنة من ذلك الوقت، ولا نزال، على الأقل قبل القصف، على بعد بضعة أشهر من القنبلة. لذا، فإنّ إيران لا تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية. هذا ضجيج فقط. نحن لسنا مسؤولين عن الرواية التي تحاول إسرائيل خلقها.
واسمحوا لي أن أشير هنا إلى نقطة واحدة أعتقد بأنها مهمة. إنّ التهديد الوجودي لإسرائيل هو السلام. ولهذا السبب اعترضت على خطة العمل الشاملة المشتركة. وكان من شأن خطة العمل الشاملة المشتركة – التي تفاوضت بشأنها – أن تجعل من المؤكد والقابل للتحقّق أنّ إيران لن تنتج قنبلة نووية. لماذا اعترضت إسرائيل على ذلك؟ لأنه خلق الهدوء مع جيراننا.
أما بالنسبة للمجموعات التي تحارب إسرائيل، فلا ننسى أنها تحارب الاحتلال. إنهم يحاربون الطغيان. إنهم يحاربون الإبادة الجماعية؛ إنهم يحاربون المجاعة الجماعية. إنهم لا يقاتلون من أجل إيران. أستطيع أن أقول لكم إنه خلال 40 عامًا مضى من خبرتي كدبلوماسي، لم أرَ رصاصة واحدة تُطلقها هذه الجماعات لتعزيز المصالح الإيرانية. لقد كانوا يقاتلون من أجل حياتهم ومن أجل وطنهم.
أغراوال: كل ما تقوله هنا عن إسرائيل، سأتركه للإسرائيليين للدفاع عنه. لكن لنفترض أنك على حق بأنّ إيران لا تريد قنبلة نووية، وبأنها إذا أرادت قنبلة، فيمكنها الحصول عليها. إنّ التصوّر، بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر (عندما هاجمت حماس إسرائيل في عام 2023)، بأنّ إيران قامت بتمويل مجموعات وكيلة، هو أمر ضار. ماذا تستفيد إيران من ذلك؟ لأنّ نتيجة ذلك، كما تعترف بنفسك اليوم، هو أنّ الاقتصاد الإيراني يعاني؛ وقد واجهت إيران هذه الهجمات من الولايات المتحدة ومن إسرائيل.
ظريف: هل تسبّبنا نحن في ذلك؟ أنت تقوم باستبدال السبب والنتيجة. والسبب في كل ذلك هو الاحتلال. والسبب في كل ذلك هو الفصل العنصري. والسبب هو الإبادة الجماعية في فلسطين. نحن لم نتسبّب في ذلك. لم تتلقَّ حماس أوامر من طهران للهجوم أو الدفاع عن نفسها. كان الأمر في سياق تبادل الاتهامات الذي شهدناه منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
أنت تقول إنّ الاقتصاد الإيراني عانى. إنّ الولايات المتحدة وإيران منخرطتان في لعبة محصّلتها صفر، وفي لعبة محصّلتها صفر سيعاني الجميع. وكانت الولايات المتحدة قادرة، من خلال الضغط الأقصى الذي مارسه الرئيس ترامب، على إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الإيراني. لكن هل كان الهدف تدمير الاقتصاد الإيراني؟ وإذا كان هدفهم هو الحد من القدرات النووية الإيرانية، فقد نمت القدرات النووية الإيرانية عشر مرات بين الوقت الذي تولّى فيه الرئيس ترامب منصبه في المرّة الأولى وحتى الآن. لذلك، نحن نعاني في أهدافنا من النمو والتطوّر، لكنّ الولايات المتحدة عانت أيضًا.
قضيت أيامًا عدّة وشهورًا مع وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري في فيينا، من أجل التوصل إلى الاتفاق. ولم نخرق هذا الاتفاق. لقد انتهك شخص آخر هذا الاتفاق، لذا لا ينبغي لنا أن نتحمّل المسؤولية عن العواقب المترتبة على سوء نية شخص آخر.
أغراوال: ليس من وظيفتي الدفاع عن إدارة أميركية أو إسرائيلية. كمحلّل، انتقدت انسحاب إدارة ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة. ولكن مرة أخرى، في صلب هذا الأمر، لماذا يُعتبرُ وضع إيران الحالي في مصلحتها الاستراتيجية؟ ما تصفه بالإبادة الجماعية في إسرائيل، لنفترض أنّ كل ذلك صحيح. لماذا يجب أن يعاني الشعب الإيراني؟ لأنني لا أرى الشعب السعودي يعاني. لا أرى الشعب التركي يعاني. لا أرى أنّ المصريين يعانون. لا أرى العراقيين يعانون. قد نختلف عما إذا كانت إيران تصنع قنبلة وتموّل كل هذه الجماعات، لكن هذا التصوّر هو في نهاية المطاف ما يضرّ إيران. ولذلك يبقى السؤال لماذا لا نغيّر هذا التصور؟
ظريف: لقد كتبت في مجلّتك عن مستقبل مختلف ونموذج مختلف، لذلك أنا أؤيّد مستقبلًا مختلفًا.
ولكن دعونا نتحدث عن الماضي. من بدأ هذا؟ من الذي دمّر خطة العمل الشاملة المشتركة؟ لقد تفاوضنا بحسن نية. لقد أمضينا الكثير من الوقت. لقد كتب بنيامين نتنياهو أنّ مهمة حياته هي تدمير الاتفاق الذي أشاد به المجتمع الدولي بأكمله. والآن أصبح قادرًا على بيع كذبة للمجتمع الدولي. في عام 1990، عندما قرّرت إسرائيل بدء ما يسمى بعملية السلام – والتي لم تكن تنوي أبدًا أن تكون عملية سلام – مع العالم العربي، قرّرت أن توجد لها عدو جديد. وهذا العدو أصبح إيران. قبل ذلك كان العدو هو الفلسطينيين والإرهابيين والعرب. ثم فجأة، بدأ يشكل تهديدّا إيرانياً. حتى القصص المكتوبة تغيّرت، من كورش إلى أستير ومردخاي وبوريم. تم تقديم عيد المساخر باعتباره منظورًا تاريخيًا مناهضًا لإيران.
لماذا يمكن لشخص واحد أن يكذب على الشعب الأميركي، وعلى المجتمع الدولي، على حساب الولايات المتحدة وعلى حساب المجتمع الدولي فقط من أجل البقاء؟ نتنياهو يفعل ذلك فقط من أجل البقاء. يعتمد بقاؤه على عمليّات الإبادة والأزمات. ولهذا السبب، مباشرة بعد حرب الـ 12 يوما، بدأ الحرب ضد سوريا. مباشرة بعد الحرب السورية، بدأ الاحتلال الكامل لغزة. لقد رفض كل عرض للسلام.
أغراوال: دعنا ننتقل إلى أمر آخر. تتحدث ما تُسمّى بمجموعة الثلاثة -بريطانيا، فرنسا وألمانيا- عن فرض عقوبات سريعة من الأمم المتحدة على إيران. هل يمكن أن تكون هذه لحظة ربما يكون فيها الإصلاحيون في إيران في حالة صعود؟ فهل يكون الإيرانيون على استعداد للتحدث مع الولايات المتحدة مرّةً أخرى من أجل التوصل إلى اتفاق نووي آخر؟
ظريف: دعونا لا نخلط بين السياسة الداخلية والخارجية. أعتقد بأنّ ما تحاول الدول الأوروبية الثلاث القيام به هو، أوّلًا وقبل كل شيء، لا أساس له من الصحة، لأنّ إيران كانت تلتزم بالكامل بخطة العمل الشاملة المشتركة، حتى بعد مرور عام على انسحاب ترامب منها. لقد فشلت أوروبا في تنفيذ التزاماتها. وبعد انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، حثّنا الأوروبيون على عدم التوقف. لقد تعهّدوا بـ11 التزامًا في جلستين، في حزيران/ يونيو وأيلول/ سبتمبر من عام 2018، لي شخصيًا. ولم يتمكنوا حتى من تنفيذ واحد من هذه الالتزامات. قرّروا إنشاء اتفاقية مقايضة مع إيران تناسب القرن التاسع عشر. لم يكونوا قادرين حتى على القيام بذلك.
الآن، لا أعرف ما هي هذه الجرأة لديهم لمحاولة استخدام آليّة حل النزاعات. ولا يُطلق عليها اسم “إعادة فرض العقوبات” في خطة العمل الشاملة المشتركة أو مجلس الأمن، بل يُطلق عليها “آليّة حل النزاعات”.
لقد لجأت إيران إلى آليّة حل النزاعات خلال فترة عملي وزيرًا للخارجية مرّات عدة. لقد مررنا بالعملية برمتها. لقد وعد الأوروبيون بتنفيذ بعض التزاماتهم، ناهيك عن الالتزامات الأميركية، ولكنهم فشلوا. ولهذا السبب اتخذنا التدابير العلاجية. ولا يمكنهم اتخاذ تدابير علاجية ضد الأساليب العلاجية، من الناحية القانونية.
التوقيت مثير للاهتمام أيضًا، لأنه قبل بضعة أسابيع، كما كتبت في مجلة “فورين بوليسي”، كانوا يشيدون بشكل أساسي بالانتهاك الإسرائيلي للقانون الدولي بمهاجمة المواقع الإيرانية. أعني أنّ المستشار الألماني قال إنّ إسرائيل تقوم “بعمل قذر… من أجلنا جميعًا”. إذا، أي خيار؟ إنهم يستخدمون الحرب، ثم يستخدمون الدبلوماسية، ثم يستخدمون آليّات حل النزاعات. وهذا يدلُّ على سوء النية.
الابتعاد عن الشرعية، ما فائدة ذلك لهم؟ ماذا كسب الرئيس ترامب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة؟ هل نعيش في عالم أكثر أمانًا اليوم؟ فهل ستعيش أوروبا في عالم أكثر أمانًا إذا استخدمت آليّة حل النزاعات هذه بسوء نية من أجل العودة إلى قرارات مجلس الأمن التي قرّرنا جميعًا إيقافها؟ ما الذي يحاولون كسبه؟ إنهم يحاولون دعم إسرائيل. بل إنّ بعضهم – بما في ذلك مجموعة الثلاثة التي تحاول استخدام هذه الآلية – ذهب إلى حد وصفها بأنها دفاع عن النفس. وينبغي لهم أن يعودوا إلى رسم السياسات الخاصة بهم ويروا ما الذي سيحقّقه لهم ذلك. ما الذي سيحصلون عليه؟ أعتقد بأنّ هناك طرقًا دبلوماسية للمضي قدمًا. كتبت مقالًا في صحيفة “الغارديان” أتحدث فيه عن شبكة شرق أوسطية لمنع الانتشار النووي والتعاون النووي. لقد كتبت في مجلّتك أتحدث عن ميثاق عدم الاعتداء.
أغراوال: أردت أن أطرح هذا المقال. الآن، ليس من اختصاصي أن أدافع عن السياسة الأوروبية أو سياسة الولايات المتحدة هنا، لكن يمكنني أن أتحدّى كلا الجانبين، وأستطيع أن أتحدّاك أنت أيضًا كصحفي. لذا، كتبت في مقالك في مجلة “فورين بوليسي” أنّ إيران يمكن أن تنتقل من “نهج يركّز على مواجهة التهديدات الدائمة إلى نهج يركّز على استغلال الفرص”. وتابعت القول إنّ ذلك “ليس ممكنًا فحسب، بل إنه يصبّ في مصلحة إيران بشكل كبير”. وضّح قليلًا في هذا الشأن. لقد كنت أضغط عليك بالسؤال عما إذا كان أي شيء حدث في الماضي يصبّ في مصلحة إيران. لم أستطع أن أفهم تمامًا كيف كان الأمر، ولكن بالنظر إلى المستقبل، كيف ستبدو السياسة الداخلية والخارجية الأفضل لإيران وللشعب الإيراني؟
ظريف: حسنًا، أنت تتحدث عما إذا كان ذلك في مصلحة إيران، لو كان لدى إيران خيارات أخرى. ليس لديك خيارات أخرى عندما تتعرّض للهجوم.
أغراوال: لكن إيران ليست بحاجة إلى تمويل حماس. وهي ليست بحاجة إلى تمويل حزب الله.
ظريف: لقد أعطيت أمثلة من الدول العربية؛ كل واحدة منها تدعم مجموعات. قطر تدعم، وتركيا تدعم. تتمركز كوادر “حماس” في قطر. وتحاول إسرائيل صرف الانتباه عن فظائعها باتجاه إيران. هذه ليست حرب إيران. هذا عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين. وإذا حاول الإسرائيليون صرف الانتباه عن السبب الحقيقي من خلال ملاحقة إيران، فإن ذلك لن يحلّ المشكلة.
قلت إنّ إيران تعرّضت للذل على مدى 220 عامًا. الآن، ولأول مرة منذ 220 عامًا، أصبحت إيران قادرة على أن تُظهر للعالم أنها قادرة على الوقوف في وجه قوتين مسلّحتين نوويًا، والرد عليهما وعدم الركوع، كما قال الرئيس ترامب ذات مرّة. أنا لست هنا أمثل الحكومة الإيرانية. أنا أتحدث الآن كمحلّل وكشخص يأمل بالحصول على مستقبل أفضل في علاقاتنا العالمية. لكن يمكنني أن أقول لكم إن الشعب الإيراني لم يستسلم. ولم تكن الحكومة الإيرانية وحدها؛ لقد وقف الشعب مع الوطن، وليس بالضرورة مع الحكومة، في مواجهة العدوان الخارجي.
لقد أثبتنا الآن أنّ لدينا أساسًا متينًا للتطلّع إلى المستقبل. يمكن أن يكون هذا المستقبل مستقبلًا من الفرص، ومستقبلًا من الاحتمالات، ويمكننا أن نرى الاحتمالات في الاتفاق النووي من خلال كونسورتيوم. يمكننا أن نرى الإمكانيات في الطريق من ناختشيفان إلى أذربيجان. لقد اقترحنا إنشاء اتحاد يضم مجموعة 3+3 ـ إيران، روسيا، تركيا، أذربيجان، أرمينيا وجورجيا ـ عندما كنت وزيرًا للخارجية. والآن يمكننا تنفيذ ذلك حتى مع قيام المقاولين الأميركيين بأعمال المقاولات. سيوفّر ذلك الأمن والازدهار للمنطقة. يمكننا أن نتعاون في المجال النووي وفي مجالات أخرى مع جيراننا في العالم العربي.
يتطلّب ذلك تغييرًا في النموذج، لكنّ رقصة التانغو تحتاج إلى شخصين. ولا تستطيع إيران وحدها أن تفعل ذلك. يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تدرك أن سياسة المواجهة، وسياسة محاولة الضغط على إيران – التي يمكن تسميتها بالعقوبات المعيقة خلال إدارة أوباما، أو تسميتها بالضغوط القصوى خلال فترة ترامب الأولى – لم ينجح أي منها. ما ترونه اليوم هو إيران أكثر قدرة.
إنّ تدمير المواقع النووية الإيرانية لم يدمر القدرة النووية الإيرانية، لأنّ تلك القدرة تكمن في أذهان العلماء الإيرانيين. والآن أعلم بأنّ إسرائيل ارتكبت جرائم حرب بقتل العلماء وأسرهم، لكنها لا تستطيع قتل مئات الأشخاص الذين يعرفون كيفية تطوير التكنولوجيا النووية. لذلك لدينا هذه التكنولوجيا. ومن غير الواقعي الاعتقاد بأنهم بقصف ثلاثة مواقع قد دمّروا ذلك. لذا، فإنّ أفضل طريقة هي وضع ذلك في إطار. لقد حاولنا القيام بذلك في خطة العمل الشاملة المشتركة. والآن يمكننا أن نفعل ذلك في إطار إقليمي حتى يطمئنّ الجميع إلى أنّ ذلك لن يكون إلا للأغراض السلمية. أستطيع أن أقول لك كشخص تفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة إنّ ذلك ممكن تمامًا، شريطة أن نقرّر الانفصال عن الماضي والنظر إلى المستقبل. نحن الآن سجناء الماضي، ومحكوم علينا بتكرار إخفاقات الماضي.
أغراوال: يبدو أنّ ترامب يريد إبرام الكثير من اتفاقيات السلام حول العالم في الوقت الحالي. هل يرغب بإبرام اتفاق نووي جديد مع إيران أو تغيير النماذج، كما تصف؟
ظريف: أعتقد بأنّ الرئيس ترامب قادرٌ تمامًا على القيام بذلك. إنه مهتم بفعل ذلك. هناك شرط واحد فقط: التوقف عن الاستماع إلى بيبي (نتنياهو).
أغراوال: هل تعتقد بأنه من المحتمل أن يفعل ذلك؟ [للتوقف عن الاستماع لنتنياهو؟] لو كنت في أحد وظائفك القديمة، كيف ستقنعه بذلك؟
ظريف: سأقنعه بقراره السابق. لقد كتب في الماضي، وكتب نتنياهو، أنّ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة كان بدافع نتنياهو. ولم يخدم المصالح الأميركية. ولم يخدم المصالح العالمية. لا ينبغي لنا أن نكون سجناء الماضي، ولكن يمكننا أن نتعلّم من الماضي. والرئيس ترامب في وضع يسمح له بمستقبل مختلف. وهذا المستقبل في متناول اليد، بشرط أن يتوقّف عن الأمل في أشياء لن يتمكّن من تحقيقها أبدًا. إيران دولة عمرها آلاف السنين. لقد مررنا بالاعتداءات والغزوات، لكننا بقينا. لقد وقفنا شامخين بعد كل ذلك، وسنظلّ دولة حضارية نابضة بالحياة، كما كنا أقدم دولة حضارية. دعونا نعترف بذلك ونتعامل معه.
لقد قلت إنّ هناك حاجة إلى نقلة نوعية. ولكن هناك حاجة إلى تحوّل نموذجي من جميع الجوانب. وآمل أن تكون جميع الأطراف مستعدّةً للقيام بذلك.
أغراوال: كمحلّل الآن، عندما تنظر إلى الرئيس ترامب في ولايته الثانية، من وجهة نظر إيرانية، كيف كان تأثيره على العالم؟
ظريف: حسنًا، لا يزال الحكم يحتاج للوقت، ولكن لم يكن هناك الكثير من الإنجازات حتى الآن. لذا، يجب علينا أن ننظر إلى الفرص المختلفة، والسبل المختلفة. من المؤكد أنّ قصف إيران لم يكن وسيلة لتكون “رئيس السلام” – وأن تقصف إيران في منتصف مفاوضات مبعوثك الخاص. من سيثق بالولايات المتحدة من الآن فصاعدًا؟ من سيحاول التفاوض مع الولايات المتحدة من الآن فصاعدًا؟ أجد صعوبة في إقناع الناس في إيران بأنّ الدبلوماسية تستحقّ المحاولة بسبب ما فعله الرئيس ترامب. فهل هذا هو الأثر الذي يريد أن يتركه؟ إثبات أنّ الطريق الوحيد مع الولايات المتحدة هو مواجهة الولايات المتحدة؟ وأنّ اللغة الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة أن تستمع إليها هي لغة القوة؟ فهل هذا هو الإرث الذي يريدون تركه؟ ماذا سيكسب الشعب الأميركي؟ هل سيجعل قصف الدول الأخرى من الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، والتسلّط على الدول الأخرى، وعدم احترام زعماء الدول الأخرى؟ هل سيجعل ذلك أي دولة عظيمة؟ لقد تعلّمنا من خلال آلاف السنين من الحضارة أنّ الاحترام يولّد الاحترام.
أغراوال: هل تعتقد بأنً العالم يتجه نحو نظام ما بعد القطب الواحد؟ كيف يبدو ذلك بالنسبة لك؟
ظريف: أعتقد بأنه لم يكن لدينا قط نظام عالمي أحادي القطب. أعتقد بأنه كان هناك وهم النظام العالمي الأحادي القطب، وانتهى هذا الوهم بتقرير بيكر هاملتون لعام 2006 [عن حرب العراق]. حاولت الولايات المتحدة استخدام تفوّقها العسكري في الفترة من 1990 إلى 2004 من أجل خلق نظام أحادي القطب ضد احتمالات صعود الصين وغيرها من الدول النامية. وقد وضع تقرير بيكر-هاميلتون حدّا لهذا الوهم.
نحن ننتقل الآن إلى عالم ما بعد القطبية، حيث توجد مصالح متنافسة على مختلف المستويات. وعلى مستوى القوة العسكرية، من الواضح أنّ الولايات المتحدة تُنفق أضعاف ما تنفقه الدول الأخرى. ربما ما يقرب من ثلاث مرات أكثر من الصين، وعشر مرّات أكثر من روسيا ودول أخرى. لذلك، لديها القدرة العسكرية. ولكنّ هل القدرة العسكرية كانت قادرة على توفير الأمن للولايات المتحدة؟ لقد عشت في نيويورك لفترة طويلة، وأتذكر زيارتي لنيويورك بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وحتى في نظر الأميركيين، سكان نيويورك، لم يكن بإمكانك الشعور بالأمان. لم تتمكّن حكومة الولايات المتحدة حتى من توفير الأمن لمواطنيها، وهو الأمر الأول لأي حكومة.
في المجال العسكري، من المؤكد أنّ الولايات المتحدة هي الأكثر قدرة، لكنّ ذلك لا يجلب الرخاء والأمن. وفي المجال الاقتصادي، لدينا بالتأكيد العديد من الجهات الفاعلة. لدينا جهات فاعلة غير حكومية في المجال الأمني، من “داعش” إلى آخرين عملوا في المجال الأمني. والآن لدينا جهات فاعلة غير حكومية في مجال التكنولوجيا تتفوّق على الحكومات من حيث القدرة.
لقد ابتعدنا عن مفهومنا التقليدي للقطبية. ولكن هناك عنصر آخر مهم. فالاستقطاب يتطلّب الولاء، والآن أدركت الدول أنّ الولاءات الدائمة لم تعد موجودة. لقد استيقظ الناس على حقيقة أنّ لدينا ائتلافات تجمعها القضية وائتلافات قصيرة المدى. أصبحت التحالفات طويلة الأمد شيئًا من الماضي. كل هذه الأمور مجتمعة ستضعنا في موقف تصبح فيه الهيمنة مستحيلة. وقد تستمر نزعات الهيمنة على الصعيدين العالمي والإقليمي، ولكن لدينا مثل هذا العالم المعقّد، حيث من المستحيل أن يكون هناك قوة مهيمنة: هيمنة عالمية أو هيمنة إقليمية. دعونا نحاول بناء مستقبل مختلف. وهذا المستقبل المختلف هو مستقبل مبنيٌّ على الفرص، وليس المستقبل القائم على التهديد.

