الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة30 أغسطس 2025 11:55
للمشاركة:

من الدولار إلى البطالة.. جدل إيراني محتدم حول كلفة عودة العقوبات الأممية

مع إعلان الدول الأوروبية الثلاثة المشاركة في خطة العمل المشتركة الشاملة - المعروفة باسم الاتفاق النووي - تفعيل بند عودة عقوبات مجلس الأمن المفروضة على إيران ما قبل الاتفاق والمعروفة باسم "سناب باك"، أو آليّة الزناد، تداولت وسائل إعلام إيرانية مختلفة تقريرًا نُسب إلى غرفة التجارة الإيرانية، يناقش خلاله سيناريوهات متوقّعة للاقتصاد الإيراني في حال سريان تنفيذ هذه الآلية.

وتسمح آليّة الزناد الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 2231، والواردة في الاتفاق النووي للدول الأعضاء في الاتفاق – الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا وألمانيا – بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران إذا ما تمّ انتهاك للالتزامات من قبل طهران.

ونقلت وكالة “رويترز” أن إيران لديها مهلة 30 يومًا لعرض التزامات تكبح هذا الإجراء. تستغرق العملية 30 يومًا، وفي حال تم تفعيلها تعاد العقوبات الأممية الواسعة في قطاعات المال، المصارف، الطاقة والدفاع.

وتُعتبر هذه الآلية رافعة ضغط حاليًا لدى الترويكا الأوروبية في مواجهتها إيران، إذ سيؤدي تفعيلها إلى عودة العقوبات الدولية، مع ما قد يصاحبها من تراجع لقيمة الريال الإيراني، ويقلّص التجارة ويزيد من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

تقرير غرفة التجارة الإيرانية والسيناريوهات الثلاث

ويرسم التقرير المنسوب إلى غرفة التجارة الإيرانية ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد الإيراني حتى نهاية عام 2025 في حال عودة العقوبات، حيث يعتمد على سعر صرف سوق حر يبلغ نحو 93 ألف تومان للدولار في آب/ أغسطس 2025، وعلى معدّل تضخّم رسمي يبلغ نحو 50 %.

  1. السيناريو المتفائل: يفترض عودة العقوبات لكن مع إدارة ناجحة للأزمة. يتوقّع التقرير ارتفاع سعر الدولار إلى 115 ألف تومان، ارتفاع التضخم إلى 60 % وتحقيق نمو اقتصادي إيجابي بنسبة 1.5 %، على أن يرتفع معدل البطالة إلى 10.5 %، وتصل القيمة السوقية للبورصة إلى نحو 120 مليار دولار.
  2. السيناريو المحتمل: يرى الخبراء أنه الأكثر واقعية. في هذه الحالة يقفز الدولار إلى 135 ألف تومان، يرتفع التضخّم إلى 75 % وينكمش الاقتصاد بنسبة 1 %، كما يرتفع معدّل البطالة إلى 12 % وتنخفض القيمة السوقية للبورصة إلى 90 مليار دولار.
  3. السيناريو المتشائم: يحاكي أسوأ الاحتمالات إذا تسارعت التداعيات. يتوقّع أن يرتفع الدولار إلى 165 ألف تومان، ويقفز التضخم إلى ما يزيد على 90 %، وتنكمش الناتج المحلي بمعدل 3%، ويصل معدل البطالة إلى 14 %، بينما تنخفض القيمة السوقية للبورصة إلى 65 مليار دولار. يُرجع التقرير هذه التطوّرات إلى انخفاض احتياطيات العملة الأجنبية، قيود جديدة على بيع النفط وتصاعد التوقعات التضخمية والمخاطر الجيوسياسية.

ويحذًر التقرير من أنّ فشل المفاوضات سيجلب مزيجًا من عقوبات الأمم المتحدة والضغوط الثانوية الأميركية، مما سيقود الاقتصاد إلى ركود تضخمي، ارتفاع البطالة وتراجع الاستثمار، ويشكّل تحذيرًا لصنّاع القرار بضرورة إعداد خطط طوارئ.

انتقادات وكالة تسنيم

وقوبل التقرير المنسوب إلى غرفة التجارة بانتقادات حادة من وكالة “تسنيم” المقرّبة من التيار الأصولي. ففي تحليل لها، رأت الوكالة أنّ نشر أرقام صادمة – مثل توقع بلوغ الدولار 165 ألف تومان – يمكن أن يغذّي توقّعات التضخم ويثير ذعر الأسواق، وبالتالي يسرّع من ارتفاع الأسعار حتى قبل اتخاذ أي خطوة سياسية.

وأضافت “تسنيم” أنّ مقارنة الوضع الحالي بفترة أوائل العقد الماضي غير دقيقة، حيث واجهت إيران حينها لأوّل مرة قيودًا واسعة في مجالَيْ المصارف والطاقة، ولم تكن لديها آليّات للتعامل معها، بينما استفاد الاقتصاد لاحقًا من خبرة 13 عامًا في الالتفاف على العقوبات وتغيير هياكل بيع النفط والتجارة الخارجية.

وذكّرت الوكالة بأنّ كثيرًا من العقوبات الأممية لم تُرفع فعليًا، مثل قيود التأمين البحري أو تجارة السلع ذات الاستخدام المزدوج، مستنتجةً أنّ عودتها المحتملة لن تكون صدمة كبيرة.

وأكدت “تسنيم” أنّ الضغط الرئيسي على الاقتصاد الإيراني يأتي من العقوبات الأميركية الأحادية، مثل إدراج البنك المركزي على قائمة العقوبات ومنع استخدام منظومة “سويفت”، وهي إجراءات أشد من قيود الأمم المتحدة. كما أوضحت الوكالة إنّ إيران غيّرت مسارات بيع النفط بشكل جوهري، وبلغت صادراتها 1.7–1.8 مليون برميل يوميًا، رغم المكافآت الأميركية لمن يكشف المشترين.

وختمت الوكالة بأنّ الأثر النفسي لآليّة الزناد أصبح أكبر من أثرها الفعلي، حيث أنّ تكرار سيناريوهات سوداء يزيد من اضطراب السوق ولا يساعد في اتخاذ قرارات سليمة.

تراجع غرفة التجارة الإيرانية عن تبنّي التقرير

وبعد الجدل الواسع في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعية، أصدرت غرفة التجارة الإيرانية ومركز أبحاثها بيانًا أعلنا عن أنّ التقرير ليس وثيقة رسمية.

وجاء في البيان: “خلال الأيام الماضية، انتشر على شبكات التواصل الاجتماعي تقرير بعنوان “الآثار الاقتصادية لعودة عقوبات مجلس الأمن (سناب باك) على الاقتصاد الإيراني”، نُسب إلى غرفة التجارة الإيرانية. وقد لاقى هذا التقرير اهتمامًا من وسائل الإعلام والفاعلين الاقتصاديين، بل أعيد نشره كوثيقة رسمية تعبّر عن موقف غرفة التجارة. لكنّ الغرفة ومركز أبحاثها أوضحا إنً التقرير لم يحظَ بمصادقة رسمية، وإنً نسبه إليها غير صحيح، وبالتالي لا يمكن اعتباره مرجعًا معتمدًا”.

ويبرز الجدل بين غرفة التجارة ووكالة تسنيم اختلافًا في تقدير المخاطر الاقتصادية. وحاول التقرير الاقتصادي رسم احتمالات متعدّدة لتحذير الشركات وصانعي السياسات من تداعيات محتملة، وتوفير أساس لوضع خطط طوارئ. أما المنتقدون، فيرون أنّ نشر هذه الأرقام في ظل غموض سياسي قد يضرّ بالاقتصاد أكثر مما يفيده ووأنه لعبٌ في ملعب الأعداء، لأنّ الاقتصاد الإيراني تكيّف سابقًا مع ظروف مشابهة، ولأنّ العقوبات الأممية ليست العامل الرئيس في الأزمة الحالية.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: