الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة29 أغسطس 2025 19:57
للمشاركة:

الآلية الروسية: كيف صاغ لافروف زناد العقوبات ضد إيران وعاد ليُفعَّل اليوم؟

في خطوة غير مسبوقة منذ إبرام الاتفاق النووي 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA)، أعلنت الدول الأوروبية الثلاث (الترويكا الأوروبية: فرنسا وبريطانيا وألمانيا) يوم الخميس 28 أغسطس 2025 عن تفعيل آلية “الزناد” لإعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران. جاء ذلك عبر رسالة رسمية بعثها وزراء خارجية الترويكا إلى مجلس الأمن الدولي.

هذه الخطوة تعني بدء العدّ التنازلي لمدة 30 يومًا وفق قرار مجلس الأمن 2231، بحيث تعود العقوبات الأممية تلقائيًا ما لم ينجح المجلس في إيجاد مخرج أو يتم التراجع عنها خلال هذه المهلة. ويعد هذا التحرك الأوروبي ترجمة عملية لتهديدات أُطلقت سابقًا بأنه إذا لم تعد إيران للالتزام بالقيود النووية بحلول نهاية أغسطس، فسيتم اللجوء إلى SnapBack كملاذ أخير.

لماذا الآن؟ الترويكا الأوروبية تبرّر قرارها بأن إيران أخفقت في الوفاء بالتزاماتها النووية المنصوص عليها في اتفاق 2015، وخاصة فيما يتعلق بمستوى تخصيب اليورانيوم والشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة الأحادي عام 2018، تراجعت إيران تدريجيًا عن كثير من تعهداتها النووية، وراكمت مخزونًا من اليورانيوم العالي التخصيب وتوسعت في أبحاثها النووية. الدول الأوروبية اعتبرت أن جهودها الدبلوماسية طوال السنوات الماضية لإنقاذ الاتفاق وصلت إلى طريق مسدود – وبعد مماطلة إيرانية في قبول الحلول الوسط – لم يعد أمامها سوى تفعيل آلية إعادة العقوبات. الجدير بالذكر أن الأوروبيين نسّقوا هذه الخطوة مع الولايات المتحدة، التي أيّدت ضمنيًا المسار الأوروبي رغم عدم انخراط واشنطن المباشر (بسبب خروجها من الاتفاق).

التبعات القانونية والسياسية

يضع تفعيل آلية SnapBack إيران أمام احتمال عودة ستة قرارات عقابية دولية كانت قد ألغيت بموجب اتفاق 2015. هذه القرارات تشمل حظر تصدير السلاح التقليدي إلى إيران (الذي كان رُفع عام 2020)، وقيودًا صارمة على البرنامج الصاروخي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية، وحظرًا على الأنشطة النووية الحساسة (كالتخصيب بمستويات عالية وتطوير المفاعلات الثقيلة)، بالإضافة إلى إعادة تجميد أصول وحظر سفر على شخصيات وكيانات إيرانية بارزة. باختصار، ستعود إيران لوضع ما قبل 2015 من ناحية العزلة الدولية بموجب قرارات أممية.

سياسيًا، ستُخرج هذه الخطوة ملف إيران النووي من أروقة مفاوضات فيينا إلى ساحة مجلس الأمن الأكثر استقطابًا، حيث تمتلك كل من واشنطن وموسكو وبكين أدوات تعطيل القرار. الأوروبيون يؤكدون أنهم لا يزالون منفتحين على الدبلوماسية خلال فترة الثلاثين يومًا – فقد شدد وزراء الخارجية في باريس ولندن وبرلين على أن بدء آلية الزناد «لا يعني نهاية الطريق الدبلوماسي»، بل يهدف إلى دفع طهران بجدية نحو اتفاق جديد أو احترام التزاماتها الأصلية. ولهذا، فعلى الرغم من لهجة الحزم، أبقت الترويكا الباب مواربًا أمام طهران للتفاوض خلال هذه المهلة لتفادي العودة الكاملة للعقوبات.


في طهران، قوبل الإعلان الأوروبي بغضب إيراني رسمي. ووصفت الخطوة بأنها غير قانونية ولاغية نظرًا لأن أميركا هي التي خرقت الاتفاق أولًا عام 2018. واعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية تفعيل السناب باك إجراءً استفزازيًا وغير مبرر. كما نقلت وكالة “إرنا” عن مسؤولين قولهم إن إيران التزمت بضبط النفس لمدة عام كامل بعد انسحاب واشنطن دون أن تجني شيئًا، وبالتالي لا يحق للأوروبيين معاقبتها على إجراءات نووية جاءت ردًا على نكث العهود. كبير المفاوضين الإيرانيين أبلغ نظراءه الأوروبيين أن طهران «سترد بالشكل المناسب على هذا الإجراء غير القانوني وغير المبرر» . وتوعدت إيران مرارًا بأنه في حال إعادة فرض العقوبات الدولية، فقد تقدم على خطوات تصعيدية خطيرة؛ منها مثلاً الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) أو طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية . بالفعل، لمّح مندوب إيران لدى الأمم المتحدة إلى أن تفعيل الزناد «سيؤدي إلى عواقب وخيمة» وعلى الدول أن تختار بين دعم مقترح روسي-صيني لتمديد الدبلوماسية 6 أشهر إضافية أو مواجهة تصعيد إيراني أكيد. هذا التصعيد المتبادل ينذر بأن الأزمة مرشحة للاشتعال إذا لم تتداركها حلول وسط خلال الأسابيع المقبلة.

موقف ظريف من آلية الزناد – في «صمود الدبلوماسية»

لإلقاء الضوء على خلفيات آلية الزناد ومآلاتها، من المفيد الاستعانة برؤية المهندس الرئيسي للاتفاق النووي نفسه، محمد جواد ظريف. فقد تطرق ظريف – وزير الخارجية الإيراني الأسبق – إلى هذه المسألة باستفاضة في كتاب مذكراته الجديد «صمود الدبلوماسية: مذكرات ثماني سنوات في وزارة الخارجية» (الصادر عن دار هاشم، 2025). يكشف ظريف في الكتاب عن نظرته الناقدة تمامًا لفكرة SnapBack، معتبرًا أنها آلية أسيء فهمها واستغلالها من قبل الغرب. ويشدد على نقطة جوهرية: الاتفاق النووي لعام 2015 وقرار مجلس الأمن 2231 نفسه لم يستخدما بتاتًا مصطلح “سناب باك” (آلية الزناد)، بل تحدثت النصوص الرسمية عن آلية لحل النزاعات بين الأطراف. بمعنى آخر، من وجهة نظر ظريف، تم تصميم هذه الآلية ضمن الاتفاق كإطار لتسوية الخلافات عبر العودة إلى الخطوات الدبلوماسية (لجنة مشتركة، ثم وزير الخارجية، ثم في النهاية مجلس الأمن) إذا وقع انتهاك، وليس كزر عقوبات فوري.

يؤكد ظريف أن إيران التزمت بالكامل بالاتفاق النووي لعام كامل بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو 2018، في حين أن الدول الأوروبية الثلاث أخفقت في الوفاء بتعهداتها خلال تلك الفترة. يقول ظريف بالنص: «بعد انسحاب واشنطن، طلب الأوروبيون من إيران البقاء في الاتفاق، وفي اجتماعين (يونيو وسبتمبر 2018) قدّموا لي 11 التزامًا، لكنهم فشلوا حتى في تنفيذ واحد منها». ويوضح أنه حتى أبسط تلك التعهدات – كاتفاق مالي مبسط لتسهيل التجارة مع إيران يستند إلى معاهدة قديمة – لم يتمكن الأوروبيون من إنجازه. بناءً على ذلك، ينتقد ظريف بشدة لجوء الأوروبيين الآن إلى آلية فض النزاع (الزناد) قائلًا: «لا أعلم بأي جرأة تريد الدول الأوروبية اللجوء لآلية تسوية النزاعات. فالاتفاق النووي ومجلس الأمن لم يسمّياها ’سناب باك‘، بل آلية لتسوية الخلافات». هذا التصريح المباشر يعكس استياء ظريف من محاولة قلب الآلية من أداة لحل المشاكل إلى سلاح ضد إيران. ويضيف ظريف موضحًا أنه خلال عمله وزيرًا للخارجية لجأت إيران مرارًا وتكرارًا إلى هذه الآلية لحثّ الأوروبيين على تنفيذ التزاماتهم (خصوصًا بعد 2018)، ووعد الأوروبيون كثيرًا لكنهم أخفقوا في كل مرة – مما دفع إيران في النهاية إلى اتخاذ إجراءات تعويضية مشروعة ضمن بنود الاتفاق (كالخفض المرحلي لالتزاماتها النووية). ويشدد: بحكم القانون لا يحق للأوروبيين الرد على تلك الإجراءات التعويضية الإيرانية بخطوات عقابية مقابلة، لأن إيران كانت تمارس حقها نتيجة إخلال الآخرين بالعقد. في «صمود الدبلوماسية» أيضًا، يلفت ظريف إلى ازدواجية المعايير الغربية في موضوع سناب باك. فالأوروبيون – برأيه – يتشددون مع إيران رغم أنها كانت الضحية بانسحاب واشنطن، بينما يتغاضون عن تصعيد التوتر من أطراف أخرى.

مؤخرًا، أشار ظريف إلى أنه قبل أسابيع قليلة من تفعيل الأوروبيين لآلية الزناد، قام الإسرائيليون بضرب منشآت داخل إيران (منشأة أصفهان وغيرها) وحظيت تلك الهجمات بإشادة أوروبية ضمنية. حتى أن المستشار الألماني (أولاف شولتس) صرّح بأن إسرائيل تقوم “بالعمل القذر بالنيابة عنا” في إشارة إلى استهداف البرنامج النووي الإيراني. يتساءل ظريف مستنكرًا: هل تريد أوروبا الحرب أم الدبلوماسية أم آليات حل النزاع؟ لأن تصرفاتها الأخيرة «تكشف غياب حسن النية» حسب تعبيره.
ويوجه نقدًا لاذعًا بأن خروج ترامب من الاتفاق النووي لم يجعل أميركا ولا أوروبا أكثر أمنًا – بل العكس تمامًا جعل الجميع «أكثر عرضة للمخاطر». هذه الرسائل تعكس موقف ظريف المبدئي: حل الخلافات يجب أن يكون بالمفاوضات والوفاء بالعهود، وليس بالضغط الأحادي وإعادة عقوبات تعتبرها طهران ظالمة. ويمكن القول إن ظريف يرى في سلوك أوروبا الحالي نكثًا لروح الاتفاق الأصلي الذي كان قائمًا على مبدأ «التعليق المشروط للعقوبات مقابل تقييد البرنامج النووي»، وتحويله الآن إلى نهج فرض العقوبات لأي إخلال مزعوم رغم أن الواقع أن الإخلال الأكبر جاء من الطرف الغربي.

اللافت أن ظريف دافع عن منجز الاتفاق النووي في وجه منتقديه الداخليين، مؤكدًا أن الصفقة جنّبت إيران سيناريو أسوأ بكثير تحت البند السابع (مثلما حدث للعراق سابقًا). لكنه أيضًا انتقد بعض الثغرات: مثلاً، يشير خصوم ظريف في الداخل إلى ورود كلمة “تعليق” (sanctions suspension) عدة مرات في نص الاتفاق بما يعني إمكانية عودة العقوبات، بينما كان ظريف يصر علنًا أنه لا عودة للعقوبات تلقائيًا وأن الاتفاق أزالها نهائيًا. اعترف ظريف لاحقًا بأن مستشاره أدخل كلمة “تعليق” في اللحظات الأخيرة دون علمه لإرضاء بعض الأطراف. هذه الحادثة تعكس حساسية SnapBack في السياسة الإيرانية: ظريف وفريقه تجنّبوا الإقرار علنًا بإمكانية عودة العقوبات، ربما لتفادي إضعاف موقفهم أمام المحافظين الذين عارضوا الاتفاق ووصفوه بالاستسلام. واليوم، يرى ظريف أن آلية الزناد تُستغل سياسياً من قبل من لم يلتزموا أصلاً بالاتفاق، وأن إيران “وقفت بصمود” على حد تعبيره بينما تلكأت أوروبا. لذا يحمل كتابه اسم «صمود الدبلوماسية» للدلالة على إيمانه بأن الحل الأمثل لازمة النووي الإيراني هو الصبر الدبلوماسي والعودة إلى طاولة الحوار، لا التصعيد عبر العقوبات.

ظريف vs. لافروف: انتقادات لدور روسيا وموسكو المنحازة

جانب مهم آخر يتطرق إليه ظريف في مذكراته هو نقده لدور بعض الأطراف المشاركة في الاتفاق، وتحديدًا روسيا. فعلى الرغم من الشراكة الاستراتيجية المعلنة اليوم بين طهران وموسكو، يكشف ظريف عن توتر وخلافات خلف الكواليس مع الجانب الروسي أثناء مفاوضات 2015 وما تلاها. سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي كان لاعبًا رئيسيًا على الطاولة، وظريف يصف مواقفه في بعض الأحيان بأنها لم تكن داعمة لإيران بل منحازة لمصالح روسيا الخاصة. كما يكشف ظريف في الكتاب أن لافروف الذي عمل طويلا في مجلس الأمن استخدم مهارات المجلس ولغته الخاصة بطريقة “خبيثة” في المحادثات حول آلية الزناد. مشيرًا أن الشخص المطلع على أدبيات مجلس الأمن هو فقط من يمكنه فهم ما كان يفعله لافروف. هنا يذكّر ظريف بسنوات المسؤولية التي تولاها في مجلس الأمن. ويؤكد مهندس الاتفاق النووي أن ما كان قد اتفق عليه مع نظيره الأميركي أنذاك جون كيري في هذه النقطة كان أفضل مما جاء في نسخة الاتفاق الموقعة. وهو الأمر الذي انتهت عليه المحادثان بعد دخول لافروف إلى وسط المقترحات المتبادلة أثناء بحث هذه القضية.
يروي ظريف واقعة شهيرة حدثت في الأيام الأخيرة الحاسمة قبيل إعلان اتفاق فيينا صيف 2015: حينها بدأت روسيا بوضع العراقيل في اللحظات الأخيرة رغم أن المفاوضات كانت على وشك النجاح. يقول ظريف: “عندما رأت روسيا أننا تجاوزنا العقبات، شرعت في خلق عقبات جديدة، ووقفت موسكو بكامل ثقلها حتى اليوم الأخير”. ليلة 13 يوليو 2015 (ليلة الاتفاق)، كان ظريف يجلس مع فريقه في فيينا ينتظرون اختتام التفاصيل، لكن فوجئ بـلافروف يطالب فجأة بتعليق الجلسات لمدة 4 أيام إضافية!. كان العذر المعلن أن لدى الوزير الروسي رحلة مجدولة إلى أوزبكستان ويريد المغادرة، لكن التوقيت كان مريبًا: في نفس الوقت تقريبًا كان الكونغرس الأميركي يستعد لفرض عقوبات جديدة على إيران إذا لم تُحسم الصفقة سريعًا. شعر ظريف أن مطلب لافروف بالتأجيل قد ينسف الزخم التفاوضي تمامًا ويعطي معارضي الاتفاق في واشنطن وطهران فرصة لإفشاله. توجه ظريف فورًا إلى غرفة الاجتماعات حيث كان لافروف يجتمع مع منسقة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، ليعلن بغضب رفضه القاطع لتأجيل المفاوضات. هنا حصل الاشتباك الدبلوماسي غير المعتاد: اتهم لافروفُ ظريفَ بأنه لا يملك تعليمات واضحة من قيادته لإتمام الاتفاق وربما “ليس مخوَّلًا بعقد الصفقة الآن”، في إيحاء بأن الفريق الإيراني بحاجة للعودة إلى طهران للتشاور. أدرك ظريف أن لافروف ربما يختلق ذريعة لإبطاء التقدم، فردّ عليه بنبرة حادة غير معهودة قائلاً: «هذا ليس من شأنك» – أي لا تتدخل فيما يخُص صلاحياتي. هذا الردّ الصادم في دبلوماسيته أصاب الجميع بالذهول، لكن جون كيري وزير الخارجية الأميركي آنذاك دعم ظريف بشدة في موقفه. وكما يكشف ظريف، اضطر الوفد الإيراني حينها لتقديم تنازل مؤلم تحت الضغط: سحب 10 أسماء إيرانية من قائمة رفع العقوبات كانت إيران تطالب بشطبها، ثم حصل ظريف على موافقة قيادته على حزمة الاتفاق النهائية وعاد لاستكمال المفاوضات. هكذا تم تدارك الموقف وإعلان الاتفاق في موعده المحدد تقريبًا، رغم محاولة لافروف تعطيله.

هذه الحادثة لم تكن الوحيدة في انتقادات ظريف لروسيا. في تسريبات نُشرت في إبريل 2021 (قبيل تركه المنصب)، تحدث ظريف بصراحة أكبر قائلاً إن موسكو حاولت طعن الاتفاق النووي من الخلف في أسابيعه الأخيرة عام 2015. وبرر ذلك بأن تطبيع العلاقات بين طهران والغرب لم يكن في مصلحة روسيا الاستراتيجية. فروسيا كانت مستفيدة من بقاء التوتر بين إيران وأميركا لأنه يُبقي إيران معتمدة على موسكو سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ظريف لمح إلى أن الكرملين كان يخشى تقارب إيران مع واشنطن وفتح أسواقها أمام الغرب، لذلك لم يمانع ضمنيًا بانهيار المفاوضات أو على الأقل إطالة أمدها لابتزاز تنازلات أكثر. حتى أنه ذكر أنه نسق اجتماعًا بين لافروف والجنرال قاسم سليماني في موسكو ذلك الحين، ربما لضمان عدم قيام موسكو بإفشال جهود الدبلوماسية الإيرانية، في إشارة إلى حجم القلق الإيراني من الدور الروسي.

ظريف أيضًا انتقد موقف روسيا الفني داخل الاتفاق. فعلى سبيل المثال، عارضت موسكو تمسك إيران بحق التخصيب على أراضيها ضمن الاتفاق. وقد سعت لإخراج أكبر كمية من اليورانيوم الإيراني إلى روسيا (وهذا ما حصل فعلاً حين تم شحن 11 طنًا من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب إلى روسيا عام 2015). كما دعمت روسيا فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني من خلال إدراج ملحق للصواريخ في قرار 2231 يقضي باستمرار الحظر حتى 2023 – وهو ما اعتبره الجانب الإيراني شرطًا مجحفًا فُرض بإيعاز روسي – صيني إرضاءً للغرب. يشير ظريف إلى أن روسيا والصين صوّتتا مع جميع قرارات العقوبات الستة بين 2006 و2010 والتي وضعت إيران تحت الفصل السابع، مما يعني أنهما تاريخيًا لم تقفا بجانب إيران عندما كانت معزولة. ويستنتج ظريف أن موسكو تنظر أولاً لمصالحها، فإذا اقتضى الأمر تقاربت مع واشنطن ضد طهران (كما حصل بالتصويت على العقوبات)، وإذا رأت مصلحة في التقارب مع طهران (كمرحلة ما بعد 2015 وأزمة أوكرانيا) فعلت ذلك. لذا يدعو ظريف في كتابه لضرورة اعتماد إيران على نفسها وتغليب المصلحة الوطنية بحكمة في علاقتها مع الشرق والغرب معًا: يقول «على إيران أن تبحث عن مصالحها الخاصة أولاً… معاداة روسيا خطيرة لإيران كما أن معاداة أميركا خطيرة أيضًا»، مشددًا على مبدأ التوازن. هذا النقد المزدوج للشرق والغرب يبرز واقعية ظريف السياسية؛ فهو لا يتوانى عن كشف تحفّظاته على سلوك حليف ظاهري كروسيا عندما شعر أنها فرضت شروطًا ثقيلة على بلاده أثناء التفاوض وانحازت لمصالحها، تمامًا كما ينتقد نكث أميركا للعهد.

بالمحصلة، رسم ظريف صورة معقّدة: روسيا ليست صديقًا تمامًا ولا عدواً تمامًا في قصة النووي الإيراني، بل لاعب يسعى وراء مصلحته وقد يتحيز ضد إيران تكتيكيًا إذا رأى منفعة. هذا التصريح جرئ وشائك في آن واحد، وقد أثار ضجة حين خرج للعلن، حتى أن بعض خصوم ظريف الداخليين اتهموه بالإساءة لعلاقات إيران مع موسكو. لكن بالنسبة للمراقبين، تكشف هذه التفاصيل عن التوتر الخفي داخل معسكر المفاوضين، حيث لم يكن مجلس 5+1 كتلة صماء، بل لكل دولة أجندتها الخاصة التي قد تتعارض حتى مع شركائها.


ربط الحدث بالسياق الجيوسياسي الحالي

تفعيل آلية الزناد الأممية ضد إيران لا يحدث في معزل عن السياق الجيوسياسي المتفجر حاليًا في الشرق الأوسط والعالم. فمن ناحية، يتزامن التصعيد النووي مع تصاعد المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية على خلفية حرب غزة 2023 وما تلاها. خلال الحرب بين إسرائيل وحماس التي اندلعت في أكتوبر 2023 (عملية “طوفان الأقصى”)، برزت إيران كلاعب أساسي خلف الكواليس داعمٍ للمقاومة الفلسطينية، فيما كثّفت إسرائيل ضرباتها لأهداف مرتبطة بإيران في سوريا وربما داخل إيران نفسها. هذا الوضع أوجد ما يشبه حربًا غير مباشرة بين إيران وإسرائيل. الأوروبيون والأميركيون اصطفّوا سياسيًا إلى جانب إسرائيل في تلك المواجهة؛ وظريف أشار إلى تصريحات أوروبية مؤيدة ضمنًا للضربات الإسرائيلية على منشآت إيرانية. هذا يفسّر في نظر طهران انحياز الغرب ضدها عسكريًا ودبلوماسيًا في آن واحد، ويجعل تفعيل الزناد الآن يبدو كأنه امتداد لجبهة الضغط نفسها. أي أن أوروبا – التي فشلت في لجم برنامج إيران النووي وتخشى تطوره في ظل هذه الأجواء – اختارت حسب طهران استخدام ورقة العقوبات الدولية ربما لطمأنة إسرائيل والضغط على إيران إستراتيجيًا في خضم النزاع الإقليمي المحتدم.


على صعيد مجلس الأمن الدولي، يُلاحظ الانقسام الحاد بين القوى الكبرى حول هذه الخطوة. روسيا والصين تقودان معسكر المعارضة لقرار الترويكا الأوروبية. أعربت موسكو وبكين بوضوح عن رفضهما لإعادة فرض عقوبات أممية على إيران في هذه المرحلة، وحذّرتا من تبعات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي. صرّح المندوب الروسي الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا ميخائيل أوليانوف بأن إعلان الأوروبيين سناب باك «خطأ فادح» ، ووصفه بأنه خطوة غير مسؤولة تدفع بالوضع إلى طريق مسدود. كما شكك في شرعية الإجراء قائلاً إن البنود الإجرائية لا تمنح الأوروبيين حق تفعيله (في إشارة ربما إلى أن أميركا التي انسحبت لا يمكنها تمريره، وبما أن الأوروبيين تأخروا كثيرًا فصلاحيتهم موضع جدل قانوني). وإثر الرسالة الأوروبية لمجلس الأمن، تحركت روسيا والصين بسرعة: فقدمتا مشروع قرار مضاد في مجلس الأمن لتمديد الاتفاق النووي 6 أشهر إضافية بدلاً من إعادة العقوبات. هذا المقترح الروسي-الصيني يدعو عمليًا إلى تجميد الوضع الحالي ومنح مزيد من الوقت للدبلوماسية علّه يتم التوصل لاتفاق جديد أو عودة متبادلة للالتزام. ولاقى المقترح ترحيبًا إيرانيًا فوريًا – حيث أعلنت بعثة إيران الأممية أن على المجلس دعم التمديد الروسي-الصيني وإحياء المسار الدبلوماسي «وإلا مواجهة عواقب خطيرة» إذا مضى الأوروبيون في السناب باك. بمعنى آخر، تشكل موسكو وبكين درعًا دبلوماسيًا لإيران في الأمم المتحدة حاليًا، محاولةً إما منع أو تأجيل الخطوة الأوروبية.
في المقابل، تصرّ الدول الغربية (واشنطن وعواصم أوروبا) على أن صبرها نفد وأن لا خيار سوى إعادة الضغط على إيران. تنظر الترويكا الأوروبية إلى آلية الزناد كـورقة ضغط أخيرة تمتلكها ضمن أدواتها. فالأوروبيون لم يعودوا مشاركين في محادثات إحياء الاتفتاق النووي منذ 2022 (عندما تعطلت جهود إحياء الاتفاق)، وبالتالي يرون في SnapBack وسيلة لاستعادة زمام المبادرة دون الحاجة لمفاوضات جديدة غير مضمونة. إسرائيل والولايات المتحدة أيضًا تضغطان في نفس الاتجاه؛ فواشنطن وإن كانت رسميا خارج الاتفاق، إلا أنها نسقت مع الأوروبيين موعد نهاية أغسطس كمهلة أخيرة لإيران. ويبدو أن هناك تفاهما transatlantically على وجوب إعادة فرض نوع من العقاب الجماعي على إيران لكبح برنامجها وإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة. مع ذلك، يحاول الغربيون تصوير هذا التحرك ليس كنهاية للدبلوماسية بل ربما كسبيل لإنقاذها! – إذ يكررون أن باب الحل السلمي لم يُغلق وأن الـ30 يومًا المقبلة يمكن أن تستغل لمساومات اللحظة الأخيرة. بعض المحللين في أوروبا يشبهون الأمر باستراتيجية “العصا والجزرة”: العقوبات الأممية هي العصا الغليظة التي تُرفع بوجه طهران، لكن الجزرة هي وعود (ضمنية حتى الآن) بتخفيف الضغط إن امتثلت إيران ووافقت مثلاً على تمديد القيود النووية أو وقف تخصيب اليورانيوم العالي . ولكن هل تنجح هذه الاستراتيجية؟ هناك مخاوف جدّية حتى داخل الغرب من مخاطر المقامرة الأوروبية: فإذا فعّلت أوروبا الزناد ثم لم تتراجع إيران وزادت من تصعيدها (كطرد المفتشين أو رفع التخصيب لمستويات غير مسبوقة وربما اقتراب أكثر من العتبة النووية)، فإن ورقة الضغط الأوروبية ستُفقد نهائيًا. حينها قد تجد أوروبا نفسها بلا أي أدوات للتأثير، وقد تنهار أي فرصة مستقبلية للمفاوضات، ولن يبقى للتعاطي مع برنامج إيران سوى خيار العمل الأحادي (الأميركي أو الإسرائيلي) أو المواجهة العسكرية. السيناريو الأسوأ يتمثل في سقوط خطة العمل الشاملة المشتركة بالكامل دون بديل، وغياب أي إطار دولي يكبح برنامج إيران أو يضبطه – مما يعيد القضية إلى مربع المواجهة الأول بين طهران وواشنطن ولكن في ظروف أشد خطورة.

من منظور التوقيت، اختارت أوروبا بعناية لحظة تفعيل آلية الزناد. فالعد التنازلي سينتهي أواخر سبتمبر 2025، أي قبيل تولي روسيا رئاسة مجلس الأمن الدورية في أكتوبر. وربما تخشى العواصم الأوروبية أنه إذا امتد النقاش إلى أكتوبر تحت رئاسة روسية، قد تستخدم موسكو صلاحياتها الإجرائية في المجلس لتأخير أو عرقلة إعادة فرض العقوبات – كتجاهل طرح الموضوع للتصويت أو خلق نقاشات إجرائية لا تنتهي. لذا فضّلت الترويكا التحرك في أغسطس-سبتمبر، حيث ترأس الولايات المتحدة المجلس خلال سبتمبر 2025، لضمان سير العملية وفق تفسيرها القانوني (الذي يقول إن مجرد إخطار المجلس كافٍ بعد 30 يومًا لإعادة العقوبات تلقائيًا). ومع أن روسيا والصين تعارضان علنًا وتعتبران الإجراء غير شرعي، قد لا يكون بوسعهما منع حصوله إذا أصرّت الدول الغربية على المضي قدمًا في المسار القانوني المنصوص عليه بالقرار 2231 (وهو مسار معقد يتيح فعليًا لفرنسا أو بريطانيا استخدام حق النقض ضد أي قرار يستهدف منع عودة العقوبات، ما يعني عودتها تلقائيًا). هذا الوضع ينبئ بصدام غير مسبوق داخل مجلس الأمن: انقسام حاد بين الأعضاء الدائمين، وربما تجاهل متبادل لقرارات أو إعلانات بعضهم البعض. وقد صرّح نائب السفير الروسي في الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي صراحةً أنه لا ينبغي لمجلس الأمن اتخاذ أي إجراء بناء على رسالة الترويكا الأوروبية، ما يوحي بأن روسيا قد تتبنى موقفًا يعتبر خطوات الأوروبيين باطلة ولن يعترف بشرعية إعادة العقوبات.
على الصعيد الإقليمي الأوسع، تأتي هذه التطورات في وقت تشتبك فيه الأزمات: حرب أوكرانيا مستعرة بين روسيا والغرب، توترات في شرق آسيا بين الصين وأميركا، واضطرابات إقليمية في الشرق الأوسط (من سوريا إلى اليمن) تشكل ساحات تنافس نفوذ بين إيران من جهة وخصومها من جهة أخرى. إيران وروسيا والصين تقف اليوم في خندق واحد نسبيًا بمواجهة المحور الغربي في عدة ملفات، وبالتالي موضوع SnapBack بات يحمل أبعادًا تتجاوز البرنامج النووي نفسه ليصبح جزءًا من صراع أوسع على النظام العالمي. بكين مثلاً تنتقد العقوبات الأميركية الأحادية وتتحسس من أي سابقة أممية قد تُستخدم ضدها مستقبلًا، لذا فهي تدعم طهران الآن ليس حبًا في البرنامج النووي الإيراني بل دفاعًا عن مبدأ عدم استخدام الأمم المتحدة أداةً بيد واشنطن وحلفائها. أما موسكو، فبالإضافة إلى مصلحتها الجيوسياسية في إبقاء إيران حليفة لها، فهي ترى في تحدي الخطوة الأوروبية جزءًا من مواجهتها مع الغرب في ساحات أخرى (أوكرانيا وغيرها). وبالتالي يتقاطع الملف الإيراني اليوم مع منافسات دولية كبرى، ما يعقّد إمكانية التوصل لحل توافقي سريع.


خلاصة القول، تفعيل آلية الزناد يُعدّ منعطفًا حاسمًا في مسار القضية النووية الإيرانية. فهو إيذان بانتهاء مرحلة الصبر الأوروبية وبدء مرحلة جديدة عنوانها “الضغط الأقصى متعدد الأطراف” هذه المرة، ولكنها أيضًا مغامرة قد تفضي إلى نتائج عكسية. يذكّرنا ظريف في كتابه وعبر مواقفه المعلنة أن هذه اللحظة نتاج سنوات من الإخفاقات المشتركة: فلو حافظ الجميع على التزاماتهم لما وصلنا إلى حافة الهاوية مرة أخرى. الآن وقد وُضع إصبع أوروبا على “زناد” العقوبات، فإن الأسابيع القادمة ستكون حاسمة: إما إنقاذ الدبلوماسية في الوقت الضائع عبر تسوية ما (تمديد فني جديد أو اتفاق مرحلي)، وإما انفجار المشهد وعودة شبح المواجهة المفتوحة بكل ما يحمله من مخاطر على المنطقة والعالم. الأيام الثلاثون المقبلة ستكون اختبارًا صارخًا للعقلانية الدبلوماسية لدى جميع الأطراف – فهل يضغط أحدهم الزناد بالكامل، أم يتم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: