الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة24 أغسطس 2025 08:19
للمشاركة:

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟

في 20 آب/أغسطس 2025 نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقاً تفاعلياً حول الضربة الأميركية التي استهدفت منشأة فوردو النووية الإيرانية في 22 حزيران/يونيو. وأوضح التقرير أنّ الهجوم نُفّذ باستخدام أضخم قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات أميركية الصنع (GBU-57) عبر قاذفة B-2، موجّهاً نحو فتحات التهوية في الجبل.

واستندت الصحيفة إلى إفادات مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية وخبراء بارزين، بينهم ريموند داداتسيو ورايان هيرلي، الذين أشاروا إلى أن القنابل ربما لم تصل مباشرة إلى قاعة أجهزة الطرد المركزي. لكنّ المحاكاة العلمية التي أعدّتها شركة Viper Applied Science أظهرت أن موجات الصدمة قد تكون سبّبت أضراراً جسيمة في البنية. وأكد التقرير الذي ترجمته “الجادة” أن مدى تأثير الضربة على البرنامج النووي الإيراني ما زال غير محسوم، نظراً لتعقيدات جيولوجيا الموقع وبنية المخبأ.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 1

في 22 حزيران/يونيو، شنت الولايات المتحدة هجوماً على فوردو، منشأة إيرانية لتخصيب اليورانيوم مدفونة عميقاً داخل جبل، مستخدمة أعمق قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات صنعتها الولايات المتحدة على الإطلاق.

استهدفت الضربة الأميركية فتحتين للتهوية، وأصابت كلّاً منهما بسلسلة من ست قنابل GBU-57، مما أدى إلى تصدّع طبقات الصخور والخرسانة التي تحمي المنشأة تحت الأرض.
قال مسؤولون في وزارة الدفاع إن القنابل على الأرجح لم تصل إلى القاعة التي تضم أجهزة الطرد المركزي الحيوية لبرنامج إيران النووي. وأشاروا إلى أن الهدف كان تدميرها عبر موجات الصدمة وغيرها من آثار الانفجارات.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 2

ملاحظة: يستند مخطط الطابق إلى تقرير صادر عن معهد العلوم والأمن الدولي. وقد أُنشئت محاكاة موجة الصدمة، لأغراض توضيحية فقط، من قبل شركة Viper Applied Science، وتعرض سيناريو وقعت فيه الانفجارات في فتحة تهوية تبعد نحو 60 قدماً عن المنشأة، وفيه لا تحتوي المنشأة على أبواب مقاومة للانفجارات. وتُظهر المحاكاة انفجار قنبلتين، وقع الانفجار الثاني منهما بعد ثانيتين من الأول.

من دون الوصول إلى الموقع، قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يتمكّن خبراء من الخارج من تقييم مدى خطورة الأضرار التي لحقت بفوردو بدقة، على الرغم من أن تقييماً أميركياً حديثاً وصفها بأنها متضررة بشدة. لكن النظر إلى القنبلة المستخدمة وبنية المنشأة، فضلاً عن تقييم جيولوجيا الموقع، يقدم بعض المؤشرات.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 3

القنبلة

يصف خبراء المقذوفات والانفجارات القنبلة GBU-57 بأنها أشبه بمقذوف عملاق. تُلقى من قاذفة B-2، وتزن 30 ألف رطل، وتحتوي على أكثر من 5,000 رطل من المتفجرات، وتصطدم بالأرض بسرعة تقارب سرعة الصوت قبل أن تنفجر.
ومع ما تتمتع به من قوة، فإن قنبلة مثل GBU-57 ليست مضمونة التدمير لهدف محصّن مدفون عميقاً داخل صخور أحد الجبال، وفقاً لما يقوله الخبراء.

ملاحظة: النطاقات تقريبية وتستند إلى مادة متجانسة شبيهة بالحجر الجيري من دون تجاويف هوائية أو هياكل خرسانية. وفي الإغنمبريت، وهو نوع من الصخور البركانية الذي يقول عدة جيولوجيين إنه قد يوجد في فوردو، أظهر أحد التقديرات أن القنبلة الأولى يمكن أن تقع ضمن نطاقات الحجر الجيري، رغم أن تقديرات أخرى لم تكن متوفرة.

المصدر: تقديرات لصحيفة نيويورك تايمز من ريموند داداتسيو، كبير المستشارين والرئيس الفخري لشركة ثورنتون توماسيتي، وهي شركة هندسة وعلوم تطبيقية.
أظهر تقدير تقريبي أن مقذوفاً وزنه 30 ألف رطل يتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت سوف يخترق في أقصى حد من خمسة إلى عشرة أمتار — حتى حوالي 35 قدماً — في عدة أنواع شائعة من الصخور، بما في ذلك تلك الأرجح وجودها في فوردو، بحسب رايان هيرلي، الأستاذ المشارك في الهندسة الميكانيكية في جامعة جونز هوبكنز وخبير سلوك الصخور في الظروف القصوى. وتضع معظم التقديرات عمق فوردو بين 260 و360 قدماً.
قد تسمح التشققات التي خلّفها الانفجار الأول للقنابل اللاحقة بالوصول إلى أعماق أكبر، لكن من الصعب التنبؤ بالمدى بدقة.
وقال السيد هيرلي وخبراء آخرون إن الحساب الدقيق لحجم الأضرار أمر مستحيل من دون محاكاة حاسوبية متقدمة، وبيانات سرية عن اختبارات واقعية، والسرعة والشكل الدقيقين للقنبلة، ومعرفة واسعة ببنية فوردو وجيولوجيا الموقع.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 4

فتحات التهوية

عندما بحث المخططون للهجوم عن نقاط ضعف في بنية فوردو، ركّزوا على فتحات التهوية التي تفتح على جانب الجبل فوق الملجأ، والتي تتيح لهم تجنب محاولة اختراق الصخور الصلبة فوق المنشأة.
وقال مسؤول في وزارة الدفاع مطّلع على عملية صنع القرار، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إن الفتحات الرئيسية لم تكن عمودية بشكل مباشر نحو الأسفل. فقد اتخذت مساراً متعرجاً عند الأعلى، ما يعني أن الطريق إلى الملجأ لم يكن مستقيماً حتى الاقتراب من نهايته.

قال مسؤول في وزارة الدفاع مُطّلع على عملية صنع القرار – تحدث شريط عدم الكشف عن هويته – إنّ الأعمدة الرئيسية للتهوئة في المفاعلات النووية النووية الإيرانية كانت متعرّجة وليست مستقيمة، مما يعني أنّ الطريق إلى المخبأ لم يكن مستقيمًا إلا قرب النهاية.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 5

ولم يكن الشكل الدقيق لأعمدة التهوئة واضحًا، لكنّ زواياها ستعني أنّ القنابل ستصطدم بمزيج من الصخور والأنفاق المفتوحة. قرّر المخططون أنهم سيحتاجون إلى قنابل متعدّدة.

كان كلٌّ من هذه الأنفاق يُفتح على شكل رمح ثلاثي الشعب من الأعلى، وفقًا لإحاطة البنتاغون في 26 حزيران/ يونيو. في كلا الموقعين، كان الهدف تفجير غطاء خرساني بقنبلة واحدة، وإسقاط خمس قنابل أخرى عبر الفتحة الرئيسية.

الجيولوجيا

يعتمد الضرر الذي تُسبّبه قنبلة GBU-57 – أو سلسلة منها – على الجيولوجيا عند نقطة الاصطدام.

وأفاد عدد من الجيولوجيين الذين استشارتهم صحيفة “نيويورك تايمز” بأنّ مسحًا إيرانيًا لمنطقة فوردو – نُشر عام 2020 في مجلة Geopersia، وهي مجلّة أكاديمية تابعة لجامعة طهران – يُشير إلى أنّ الصخور هناك تتكوّن في معظمها من الإغنيمبرايت، وهو نوع من الصخور البركانية.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 6

وقال عالم جيولوجيا والأستاذ المشارك في جامعة حيفا في إسرائيل إسحاق ماكوفسكي إنّ “الإغنيمبريت مادّة رائعة للحفر”.

وأضاف أنّ المساكن القديمة الجوفية في كابادوكيا، وسط تركيا، نُحتت في الإغنيمبريت. بعض هذه الهياكل له مستويات متعددة، تربط بين الأنفاق ومئات المداخل.

وتابع ماكوفسكي أنّ درجة صلابة الإغنيمبريت حول فوردو غير واضحة، ولكن كما هو الحال في كابادوكيا، فمن المحتمل أنّ هذه المادة سهّلت بناء مخبأ تحت الأرض، حيث أنه من الناحية البصرية، يبدو الإغنيمبريت حول فوردو ليّنًا نسبيًا، ولكن يلزم إجراء دراسة أكثر تعمّقًا للتأكد.

ولفت إلى أنّ الإغنيمبرايت يُقدّم ميزة أخرى للإيرانيين، فكونه مساميّ نسبيًا، قد يُساهم في كبح موجات الصدمة المدمّرة، كتلك الناتجة عن القنابل الأميركية.

وبهذه الطريقة، قد يعمل الإغنيمبرايت كـ”أكياس رمل حول الحصون القديمة، مُعدّة لصد الرصاص”.

وقال أستاذ الهندسة وخبير المتفجّرات في جامعة إلينوي أوربانا – شامبين نيك غلوماك إنه لا يوجد شك يُذكر في تأثير الإغنيمبرايت، أو التوف البركاني، المُخفّف للصدمات.

وأضاف غلوماك: “يُعرف التوف في أوساط خبراء الانفجارات بأنه مُمتصّ فعّال للغاية للطاقة – وهو من أفضلها على الإطلاق. تُستخدم هذه المواد المسامية في العديد من التطبيقات للحد من منطقة الضرر المُرتبطة بانفجار مادّة شديدة الانفجار”.

المنشأة

وقال مسؤول في وزارة الدفاع إنّ مجمع فوردو كان يضمّ أيضًا طوابق متعدّدة، مما زاد من عدد القنابل التي حسبت الولايات المتحدة أنها بحاجة إلى استخدامها لتدمير أجهزة الطرد المركزي والمعدّات الأخرى.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 7

وكان من الممكن حماية المخبأ بطرق أخرى.

تُعدُّ إيران من أكبر مُنتجي الخرسانة، وقد نشر باحثون إيرانيون أبحاثًا عن الخرسانة الممزوجة بألياف فولاذية دقيقة ومواد تقوية أخرى.

وصرّح أستاذ الهندسة الإنشائية في جامعة ليهاي كلاي نايتو – والذي تُركّز أبحاثه على أداء الخرسانة المُسلّحة – إنه من خلال تشكيل جسر فوق الشقوق الدقيقة عند تعرض الخرسانة للإجهاد، يُمكن للألياف أن تجعلها أكثر مقاومة للانفجارات أو الصدمات.

وتابع نايتو: “يمكن أن يُضاعف استخدام الألياف قوّة الشد مرّتين أو ثلاث مرات، ويسمح للشقوق بالبقاء مستقرّة. ويُحافظ ذلك على تماسك الخرسانة إلى حد كبير”.

وأضاف أن مدى فاعليّتها يعتمد على قوة الانفجار ومزيج الخرسانة المُحدّد. ومن غير الواضح ما إذا كان الإيرانيون قد وضعوا هذه المادة في فوردو، لكنه قال إنه أصبح من المعتاد في الولايات المتحدة رش الخرسانة داخل الأنفاق بألياف فولاذية كطبقة حماية ودعم هيكلي.

المتغيّرات

إذًا، ما مدى الضرر الذي لحق بفوردو؟ يعتمد الكثير على مدى قرب أيٍّ من القنابل من المنشأة. ولكن مع وجود العديد من المتغيّرات – والكثير من المجهول – قد يكون من الصعب الجزم بذلك.

صرح مسؤول وزارة الدفاع أنّ القنابل ربما لم تصل إلى غرف أجهزة الطرد المركزي نفسها، على الرغم من أن المحلّلين ما زالوا يُجرون تقييمات مُفصّلة.

وأضاف المسؤول أنّ الهدف كان استخدام موجات الصدمة وتأثيرات الانفجارات الأخرى لتدمير أجهزة الطرد المركزي.

إذا لم تصل القنابل إلى المخبأ نفسه، فربما كانت الانفجارات ستُسبّب أضرارًا جسيمة إذا وقعت خارجه مباشرةً أو في فتحة تهوية.

في هذه الحالة، ستكون هناك بعض الأضرار الهيكلية في مكان اصطدام موجات الصدمة.

وقال مدير شركة فايبر للعلوم التطبيقية أندرو نيكلسون – وهي شركة مقرّها إدنبرة تُطوّر برامج محاكاة الانفجارات وتدرس آثار الأحمال الشديدة على الهياكل:

“مع دخولنا الأنفاق الأوسع وامتدادها، يُحدث ذلك تأثيرًا ضارًا على المعدّات”.

حتى لو نجحت قنبلة واحدة أو أكثر في الوصول إلى المخبأ، فقد يظل الضرر، مهما كان كبيرًا، محدودًا.

وقال مدير آخر في شركة فايبر يُدعى بيتر ماكدونالد: “أعتقد بأنّ الانفجار سيدمّر كل شيء تقريبًا”.

وأضاف ماكدونالد أنه على الرغم من الدمار الذي سيلحق بالمعدّات نتيجة انفجار في مساحة محصورة داخل المخبأ، فإنه لا يتوقّع انهيارًا كاملًا لفوردو.

ومن المرجح أن تقتصر الأضرار الهيكلية على المناطق القريبة من الانفجار.

فوردو بين الصخور والإغنيمبرايت.. هل وصلت قنابل واشنطن إلى قلب المفاعل؟ 8

واعتبر البروفيسور هيرلي، خبير الهندسة الميكانيكية في جامعة جونز هوبكنز، أنّ النهج العام للبنتاغون بدا سليمًا. وتابع: “أعتقد بأنه إذا درسوا الجيولوجيا وفتحات التهوئة بعناية كما ذُكر، فمن المرجح أنهم تسبّبوا بأضرار جسيمة”.

ويتماشى ذلك مع ثقة المسؤولين الأميركيين المتزايدة بأنّ الضربة ألحقت أضرارًا بالغة بفوردو ودمّرت مجموعة أجهزة الطرد المركزي الخاصة بها.

لكنّ مدير المخاطر العالمية في اتحاد العلماء الأميركيين ومسؤول ضبط الأسلحة في البيت الأبيض خلال إدارتي أوباما وبايدن، جون ب. وولفستال، شدّد على أنّ مدى تأثير الضربة الأميركية على فوردو في تأخير البرنامج النووي الإيراني سيعتمد على كيفية تمزيق موجات الصدمة والآثار الأخرى للانفجار للمخبأ بدقة.

وأردف وولفستال: “إذا جرت موجة صدمة، فهناك الكثير من الأشياء التي يجري انتشالها. أما إذا كانت انفجارًا ناريًا، وقد دُمّر كل شيء، فغالبًا ما يكون هناك القليل جدًا. ولكن إلى أن نعرف ذلك، لا يمكنني إجراء حساب دقيق لكمية ما قد تبقّى وكمية ما يمكن إنقاذه”.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: