طريق شائك بين إيران وأميركا.. هل لا يزال هناك مخرج دبلوماسي؟
يرى البروفسور الإيراني- الأميركي ولي نصر أنّ سلسلة من الأخطاء في التعامل مع الدبلوماسية من قِبَلِ إيران والولايات المتحدة أدّت إلى ما وصلت إليه الأمور بين الطرفين.
وفي مقال مطوّل نشرته مجلّة “فورين أفيرز” الأميركية الثلاثاء 19 آب/ أغسطس 2025، أكد ولي نصر الخبير في الشأن الإيراني أنّ إمكانية تخطًي هذه الأخطاء ممكنة إذا ما قرّرت طهران وواشنطن وضع التاريخ السيء للعلاقات الثنائية وراءهما.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:
كانت الحرب التي امتدّت 12 يومًا في حزيران/ يونيو – والتي شهدت انضمام الولايات المتحدة إلى إسرائيل في قصف إيران – تتويجًا لأربعة عقود من انعدام الثقة والعداء والمواجهة.
منذ نشأتها عام 1979، لم تتراجع الجمهورية الإسلامية عن معاداتها للولايات المتحدة، وردّت الأخيرة بلا كلل بممارسة ضغوط أكبر على إيران. وقد اقترب البلدان من صراع مباشر من قبل.
ففي عامي 1987 و1988، دمّرت الولايات المتحدة منصّات نفطية ساحلية وسفنًا بحرية إيرانية، ثمَّ أسقطت طائرة ركّاب إيرانية عن طريق الخطأ. فسّرت إيران هذه الأعمال على أنها شرارة حرب غير معلنة. ومع ذلك، سرعان ما تحوّل اهتمام واشنطن إلى العراق وحرب الخليج. لكنّ العداء بين إيران والولايات المتحدة استمرّ، وازداد وضوحًا في العقود التي أعقبت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر.
أدى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في عام 2020 – بعد سلسلة من الاستفزازات الإيرانية في المنطقة – إلى دفع البلدين نحو حافة الهاوية.
كما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأعمال العدائية إلى حافّة الهاوية هذا العام عندما ضربت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية بعشرات صواريخ كروز، وقنابل تزن 30 ألف رطل.
يبدو أنّ طهران وواشنطن خصمان لدودان. لطالما اعتبر النظام الثوري في إيران الولايات المتحدة عدوّه اللدود، الشيطان الأكبر الذي قوّض استقلال البلاد بدعمه انقلابًا عسكريًا عام 1953، وما تلاه من تجاوزات استبدادية للنظام الملكي.
في عام 1979، شعر قادة الثورة بالقلق من أن تستمرّ الولايات المتحدة في التدخّل في إيران وإحباط التحوّل الكبير الجاري. ولمنع هذه النتيجة، قرّرت الجمهورية الإسلامية ضرورة إخراج الولايات المتحدة، ليس فقط من إيران، بل من الشرق الأوسط الأوسع.
وضعت هذه الافتراضات السياسة الخارجية لطهران في مسار تصادمي مع واشنطن. فقد دعمت إيران دولًا وجماعات مسلّحة في جميع أنحاء المنطقة، بهدف تهديد الولايات المتّحدة وحلفائها الإسرائيليين والعرب.
بدورها، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية احتواء وضغط شملت تحالفات إقليمية بقيادة الولايات المتحدة، قواعد عسكرية أميركية وسلسلة عقوبات خانقة تُثقل كاهل الاقتصاد الإيراني.
وأخيرًا، هذا العام، توسّع نطاق هذه الاستراتيجية لتشمل ضربات أميركية علنية على الأراضي الإيرانية.
يرى العديد من المراقبين هذا التاريخ كخيط واحد متواصل من الصراع والعداء، يمتدُّ من عام 1979 إلى الوقت الحاضر. ومع ذلك، لم يكن العداء اليوم حتميًا. كانت مسارات أكثر سلمية ممكنة.
وبالفعل، مع اتخاذ القرارات الصائبة في طهران وواشنطن، لا يزال بإمكان إيران والولايات المتحدة إيجاد سبل لتخفيف التوترات، بل وحتى تطبيع علاقاتهما.
في مناسبات عديدة خلال القرن العشرين وحده، أتيحت لإيران والولايات المتحدة فرصة للتراجع عن عداءهما المتبادل. ومع ذلك، في كل منعطف، اختار صانعو السياسات الأميركيون أو الإيرانيون سدّ تلك المنافذ المحتملة.
لكنّ هذا التاريخ من الفرص الضائعة لا يحكم على البلدين بمستقبل من صراع أعمق، بل يُذكرنا بأنه حتى اليوم، قد تتمكّن إيران والولايات المتحدة من التصالح.
لقد أضعفت حرب الـ12 يومًا إيران بشكل واضح. لم تَعُدْ استراتيجية طهران قابلة للاستمرار في أعقاب الضربات التي تعرضت لها. في هذه اللحظة، يمكن لواشنطن أن تواصل حصار إيران والسماح لإسرائيل أحيانًا بـ”جزّ العشب” وضرب الأهداف النووية والعسكرية الإيرانية لمواصلة معاقبة البلاد، وعرقلة أي تقدّم نحو بناء قنبلة نووية. أو يمكنها أن ترى في عواقب حرب الـ12 يومًا فرصةً للانخراط في تلك الهواية الأميركية الممتعة عندما يتعلّق الأمر بإيران: الدبلوماسية.
الآن، لدى واشنطن فرصة لوضع علاقاتها مع طهران على مسار مختلف، والسعي إلى صفقات جديدة من شأنها أن تُغيّر كلًا من سياسات إيران الخارجية والنووية، وتوازن القوى داخل المؤسّسة الحاكمة في إيران.
لقد فشلت الحكومتان الأميركية والإيرانية في اتخاذ هذه المنعطفات من قبل، ولكن حتى الآن، لا ينبغي لصانعي السياسات أن يكونوا متشائمين. إنّ الماضي – مهما كان محمَّلًا بالفرص الضائعة – لا ينبغي أن يكون مقدّمة.
فجرٌ كاذبٌ في أفغانستان
بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، بدا من الممكن – ولو لفترة وجيزة – أن تتحسّن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.
دان كلٌّ من القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي والرئيس الإيراني محمد خاتمي الهجمات الإرهابية، وأقام الإيرانيون وقفات احتجاجية بالشموع في شوارع المدن الكبرى، ووقفوا دقيقة صمت في ملاعب كرة القدم. فجأةً، توافقت المصالح الاستراتيجية لإيران والولايات المتحدة.
بعد أن تأثّرت الولايات المتحدة بالهجوم، حافظت على أولوية القضاء على تنظيم القاعدة كأولوية مُلحّة. ونظر النظام الديني الشيعي في إيران إلى التطرّف السنّي لتنظيم القاعدة وحركة طالبان، التي تستضيفه، بقلق بالغ.
قبل ثلاث سنوات فقط، في عام 1998، قتلت طالبان ما يصل إلى 11 دبلوماسيًا وصحافيًا إيرانيًا في مدينة مزار الشريف شمال أفغانستان، وهي جريمة وحشية دفعت إيران إلى حشد قوّاتها على حدودها مع أفغانستان.
بعد سنوات من العداء، وجد المسؤولون الإيرانيون والأميركيون أنّ لديهم بعض الأهداف المشتركة.
لطالما دعمت إيران أعداء طالبان الرئيسيين، المعروفين باسم “التحالف الشمالي”.
قبل أيام قليلة من هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، اغتال عناصر من تنظيم القاعدة، متنكّرين في زي صحافيين، أحمد شاه مسعود، الزعيم الأسطوري للتحالف الشمالي، في عملية أنذرت بهجومٍ وشيك من طالبان للقضاء على التحالف الشمالي نهائيًا وترسيخ سيطرتها على أفغانستان.
خشيت إيران الشيعية من الصعود الإقليمي للتطرّف السني، متمثّلًا بحركة طالبان المتزمّتة وتنظيم القاعدة الطموح وفصائل مسلّحة أخرى، بالإضافة إلى المزيد من عدم الاستقرار على حدودها الشرقية. كانت إيران آنذاك – ولا تزال حتى الآن – موطنًا للعديد من اللاجئين الأفغان.
ووفقًا لبعض التقديرات في السنوات الأخيرة، وصل العدد إلى ثمانية ملايين، أي ما يقرب من 10% من السكّان.
ومن خلال أشكال تعاون تقريبية تبدو غير معقولة اليوم، ساهمت إيران في الغزو الأميركي لأفغانستان. قدّم الحرس الثوري الإسلامي مساعدة استخباراتية للولايات المتحدة ودعمًا لوجستيًا، مما سهّل تنسيق المعارك مع قوّات التحالف الشمالي.
وحضر الدبلوماسيان الأميركيان رايان كروكر وزلماي خليل زاد اجتماعات مع نظرائهم الإيرانيين وكبار قادة الحرس الثوري الإسلامي، وربما حتى سليماني.
بعد أكثر من شهرين بقليل من هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، طُردت طالبان من كابول ومدن رئيسية أخرى. ولم تعد هناك إمارة طالبان المزعومة في أفغانستان.
كان لإيران مصلحةٌ راسخة في تشكيل الحكومة التي ستحلّ مكان طالبان. وقد تعاونت بشكلٍ وثيق مع الولايات المتحدة في مؤتمر بون في كانون الأول/ ديسمبر 2001 الذي حسم مستقبل أفغانستان.
وتشاركت الدولتان الأهداف نفسها المتمثّلة في صياغة نظام سياسي جديد في أفغانستان، من شأنه أن يوحّدها ويحقّق استقرارها من خلال حكومة ديمقراطية شاملة. وقد أشاد جيمس دوبينز، الذي قاد الجهود الأميركية في المؤتمر، لاحقًا بنظيره الإيراني، الدبلوماسي جواد ظريف، لجهوده في بناء توافقٍ بين جميع الفصائل الأفغانية بشأن صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات ديمقراطية لتشكيل حكومة جديدة في كابول.
بدوره، أشاد ظريف بالقائد في الحرس الثوري قاسم سليماني، لجهوده في الحصول على تنازلات من تحالف الشمال لتسهيل التوصل إلى اتفاق في بون. وبالنظر إلى الماضي، كان هذا التعاون النادر فرصةً لتحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة. كان من الممكن أن يُشكّل العمل المشترك في أفغانستان إجراءً هامًا لبناء الثقة، وأن يُحفّز على تخفيف حدّة التوتّرات، وربما حتى التطبيع التدريجي للعلاقات. وكان من الممكن أن يُسهم النجاح في أفغانستان في تغيير مسار العلاقة.
لم يتحقّق ذلك. ففي كانون الثاني/ يناير 2002، ومباشرةً بعد مؤتمر بون، اعترضت إسرائيل شحنةَ أسلحة إيرانية إلى حركة “حماس”.
بالنسبة لإيران، لم يُشكّل التعاون مع الولايات المتحدة في أفغانستان إعادة توجيه للاستراتيجية الإيرانية التي تُطبّق على جميع جوانب السياسة الإقليمية الإيرانية. ما حدث في أفغانستان لم يكن سوى انفتاح مؤقَّتٍ لم يُثمر بالكامل بعد؛ لن تُغيّر طهران سياستها في الشرق الأوسط بهذه السرعة، وستواصل تعزيز وكلائها.
أعرب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عن غضبه وقلقه، ثم قرّر عدم استغلال الانفتاح في أفغانستان لاحتضان إيران والدفع بهدوء نحو تغيير سياستها الإقليمية. بدلًا من ذلك، قام بتصوير إيران على أنها عدوٌّ لدود، وتجاهل حسن النية الذي ولّدته التطوّرات في أفغانستان.
في خطابه عن حالة الاتحاد في يناير/كانون الثاني 2002، أدرج بوش إيران ضمن دول “محور الشر”.
بعد ما بدا انتصارًا سريعًا ومضمونًا في أفغانستان، كرّست واشنطن – المُفعَمة بالحيوية – طاقاتها لمواصلة ما يُسمّى بالحرب على الإرهاب.
وفي تلك الحرب، لم تعد إيران تُعتبر سوى هدف، لا حليفًا؛ فلم يعد لتعاونها في أفغانستان أي قيمة تُذكر. ففي نهاية المطاف، وكما اعتقد العديد من المسؤولين الأميركيين، أصبحت الأيديولوجية الإسلامية ظاهرة عالمية بفضل نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 (بغض النظر عن أنّ التشيّع المسيطر على النطام الإيراني منفصلٌ عن التشدّد السنّي لجماعات مثل تنظيم القاعدة). ووفقًا لهذه الرؤية، لن تُهزم الإسلاموية إلا بعد إسقاط الجمهورية الإسلامية.
بعد الغزو الأميركي للعراق، في آذار/ مارس 2003، خشِيَ العديد من الإيرانيين من أنّ الأمر لم يعد سوى مسألة وقت قبل أن تهاجمهم القوات الأميركية.
على حد تعبير حسن كاظمي قمي، وهو أوّل سفير إيراني في بغداد عقب الغزو الأميركي وسقوط صدام حسين، حاكم العراق: “بعد العراق، جاء دور إيران”.
لذا، حاولت إيران استرضاء الولايات المتحدة. في أيار/ مايو 2003، أرسل الرئيس الإصلاحي للبلاد محمد خاتمي إلى واشنطن اقتراحًا لإجراء محادثات وخارطة طريق لحل “جميع القضايا العالقة بين البلدين”، بما في ذلك – على وجه الخصوص – البرنامج النووي الإيراني الناشئ والسياسة الأوسع في الشرق الأوسط.
لم يقرّ البيت الأبيض حتى باستلامه العرض. دفع هذا الرفض الجمهورية الإسلامية إلى تشديد مواقفها والاستعداد للصراع. وعلى النقيض تمامًا من الغزو الأميركي لأفغانستان، لم يُسفر الغزو الأميركي للعراق عن أي انفتاح مع إيران، بل وضع البلدين على خلاف.
لسبب وجيه – نظرًا لعدد مسؤولي إدارة بوش الذين اعتبروا طهران تهديدًا خطيرًا – اعتقدت إيران بأنّ عليها حماية نفسها. في الفوضى التي أعقبت سقوط صدّام حسين، ربما تعاونت إيران مع سوريا لتعميق المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن في العراق.
خاضت عمليّات التمرّد السنية – المدعومة من سوريا – والجماعات الشيعية – المدعومة من إيران – معارك ضد القوات الأميركية. ومع استشراء العنف في العراق، كان المشروع الأميركي هناك محكومًا عليه بالفشل.
وبذلك، تجنّب القادة الإيرانيون ما كانوا يخشونه بشدة: جيش أميركي منتصر في العراق يواصل حملته شرقًا نحو إيران. لكنّ النظرة الأميركية لإيران ازدادت قتامة. من جانبها، خلُصت إيران إلى أنها تستطيع إدارة التهديد الأميركي على أفضل وجهٍ من خلال استنزاف الموارد الأميركية في مختلف مسارح العمليات في أنحاء الشرق الأوسط. وإذ استُنزفت القوى الأميركية من الصراع المطوَّل، ستملّ الولايات المتحدة من المنطقة، ولن تسعى إلى حرب مع إيران.
وبدا أنّ قرار واشنطن بسحب قواتها من العراق عام 2011 يُبرّر هذا النهج من التفكير الإيراني. فكلّما زاد حديث المسؤولين الأميركيين عن مغادرة المنطقة، زادت حِكمة إيران في استراتيجيتها.
كان لهذه الاستراتيجية أيضًا تأثيرٌ في تغيير ميزان القوى داخل إيران. فقد سيطرت القوى الأمنية – التي كانت في طليعة المعركة ضد واشنطن – على السياسة الخارجية الإيرانية.
وفي خضمّ الصراع في العراق، نما فيلق القدس – وهو الوحدة الاستطلاعية التابعة للحرس الثوري الإيراني التي تُشرف على العمليات العسكرية والاستخباراتية غير التقليدية – من إحدى أصغر الوحدات إلى قوّة إقليمية واسعة النطاق تُهيمن على عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الإيرانية.
وقد عمل قائدا فيلق القدس، سليماني ونائبه إسماعيل قاآني، مع نظرائهما الأميركيين في أفغانستان عام 2001. وخلال حرب العراق، حوّلا قوّة القدس إلى شبكة عسكرية لمحاربة الولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
اختراق أم انفراج؟
أقنع الفجر الكاذب في العلاقات مع الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر القادة الإيرانيين بأنّ واشنطن لن تكون أبدًا مستعدّة لاستيعاب إيران الثورية.
أدركت طهران أنّ السياسات الأميركية – بما في ذلك بناء قواعد عسكرية في أفغانستان والخليج العربي وآسيا الوسطى، وتشديد العقوبات على الاقتصاد الإيراني – تهدف جميعها إلى هندسة تغيير النظام في طهران.
في أعقاب حرب العراق مباشرةً، ظنّ حكام إيران أنّ عليهم مقاومة الولايات المتحدة وردعها، من خلال سنّ سياسات إقليمية عدوانية، بناء برنامج نووي وتعزيز قدرات إيران في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ.
كان لا بدّ من تنظيم اقتصاد البلاد ومؤسّساتها الحكومية وسياساتها لخدمة تلك المقاومة.
كُشف أمرٌ آخر ليزيد الطين بلّة: رغبة إيران في امتلاك أسلحة نووية. انكشف برنامجها النووي بينما كانت الولايات المتحدة تستعدّ لحرب العراق. في ذلك الوقت، وبعد إدراج إيران ضمن “محور الشر”، كانت العلاقات الأميركية – الإيرانية في حالة تدهور. ولم يؤدِّ اكتشاف برنامج نووي سري إلا إلى زيادة احتمالات الصراع.
افترضت إيران أنّ الولايات المتحدة ستجعل من هذا البرنامج النووي ذريعةً للحرب، كما فعلت في تبريرها لغزو العراق. من جانبها، لم ترغب واشنطن بأن يمتلك عضوٌ في “محور الشر” قدراتٍ نووية. ولكن مع نهاية إدارة بوش عام 2009، أصبح المسؤولون الأميركيون غير مهتمين بالحلول العسكرية لمشكلتهم مع إيران، مع استمرار تعثّرهم في العراق.
كان على الدبلوماسية – وليس الحرب – احتواء الطموحات النووية الإيرانية. كذلك أتيحت فرصة أخرى لإيران والولايات المتحدة للابتعاد عن الصراع، والتوجّه نحو علاقة أكثر سلمية.
كان بإمكان الولايات المتحدة أن تسلك هذا المسار في وقت أبكر. ففي عام 2003، تفاوضت فرنسا، ألمانيا والمملكة المتحدة على اتفاق مع إيران كان من شأنه أن يوقف نموّ برنامجها النووي الذي كان لا يزال صغيرًا، مقابل تخفيف العقوبات.
وفي عام 2004، أجبرت إدارة بوش الجميع على جعل الاتفاق ينهار، مُصرّةً على تخلّي إيران عن برنامجها النووي بالكامل، وعدم تقديم أي تنازلات في المقابل.
وبالنظر إلى الماضي، أثبت استخدام حق النقض (الفيتو) خطأً فادحًا. فمن دون قيود، استمرّ البرنامج النووي الإيراني بالتوسّع، حيث زاد الخطاب المناهض للولايات المتحدة وإنكار الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد للهولوكوست، من صعوبة الدبلوماسية.
كما ازدادت قناعة طهران بأنّ واشنطن غير مهتمّة بالانخراط الدبلوماسي الهادف، حتى في القضية النووية.
سيحاول حسن روحاني، كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين عام 2003، خوض غمار الدبلوماسية النووية عندما أصبح رئيسًا عام 2013، بعد أن خلَفَ أحمدي نجاد.
لكن عام 2004، خلص روحاني مع قادةٍ إيرانيين آخرين إلى أنّ الولايات المتحدة رفضت الاتفاق النووي الذي تفاوضت عليه أوروبا بسرعة، لأنّ برنامج إيران النووي كان أصغر من أن يستحقّ الدبلوماسية والتنازلات الأميركية.
ستحتاج إيران إلى برنامج أكبر بكثير لإجبار الولايات المتحدة على الجلوس على طاولة المفاوضات. وقد شكّل هذا الافتراض أساسًا للأنشطة الإيرانية خلال إدارات أوباما، ترامب الأولى وبايدن.
وفي كل منعطف، كان الفشل في التوصل إلى اتفاق نووي دائم سيشجّع إيران على توسيع برنامجها النووي أكثر.
لو دعمت واشنطن الجهود الأوروبية، لكان برنامج إيران النووي قد ظلّ محدودًا على الأرجح، ولربّما كان للاتفاق نفسه عواقب محوِّلة. كان من الممكن أن يُقلّل ذلك من خوف طهران من واشنطن، ونتيجة لذلك، كان يمكن أن تتصرّف إيران بشكل مختلف في العراق، ولم تكن لتستميل العداء الأميركي بسهولة. بدلًا من ذلك، أقنع الفيتو الأميركي طهران أكثر بصحة قراءتها للنوايا الأميركية.
لن تُعجَبَ واشنطن إلا بالقوة. لردع الولايات المتحدة، كان على إيران بناء برنامج نووي أكبر، وتوسيع نطاق حربها غير المتكافئة في العراق وخارجه.
كانت إيران مُحقّة في افتراضها أن برنامجًا نوويًا أكبر سيُغير حسابات واشنطن. بحلول عام 2011، نما برنامج إيران بشكل ملحوظ، وعلى الرغم من اختلاف التقديرات، إلا أنه لم يكن قريبًا من مرحلة الانطلاق. لم يُطمئن ذلك إسرائيل. فخوفًا من وتيرة التقدّم الإيراني، هدّدت إسرائيل بمهاجمة إيران لمنعها من الاقتراب من امتلاك قنبلة نووية. لكنّ آخر ما أرادته إدارة أوباما هو التورّط في حرب أخرى في الشرق الأوسط. فقد قرّرت أن السبيل الوحيد لمنع إيران من أن تصبح قوة نووية هو الدبلوماسية.
مهّد الرئيس باراك أوباما الطريق للمفاوضات بزيادة العقوبات الاقتصادية على إيران في عام 2010، ثم تبنّى نبرة مختلفة، موضحًا لطهران إنّ واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام.
أدرك أوباما أنّ الإنذارات الشاملة والإكراه لن يدفعا إيران إلى التخلّي عن برنامجها النووي.
وبذلك، وافقت الولايات المتحدة على التفاوض على قيود على برنامج إيران، مقابل تخفيف العقوبات.
من جانبهم، كان حكّام إيران متشكّكين بشأن خطاب أوباما. كان الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه السياسيون يشكّون بأنّ إدارة أوباما ستختلف كثيرًا عن سابقتها.
ظنّوا أنّ الدبلوماسية لن تُسفر عن نتائج ملموسة، بل ستُشير إلى ضعف، وتَصرفَ الانتباه عن التهديد الذي تُمثّله الولايات المتحدة لإيران. لكنّ فصيلًا معتدلًا – بقيادة روحاني الذي أصبح رئيسًا عام 2013 – جادل إنّ الدبلوماسية الناجحة مع الولايات المتحدة من شأنها أن تخفّف التوترات، وتخفّف الضغط على اقتصاد إيران، وتعيد ضبط العلاقات بين البلدين.
وأعرب هذا الفصيل عن أمله بأن تُسفر الدبلوماسية عن النتائج الإيجابية التي أفلتت من إيران في محاولاتها السابقة للتقارب مع الولايات المتحدة: تعاونها في أفغانستان في عام 2001، عرضها للمحادثات في عام 2003 والاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع أوروبا في عام 2003 ولكن تم إلغاؤه بعد رفض واشنطن الموافقة عليه.
تلا ذلك عامان من المحادثات المكثّفة بين إيران، الصين، روسيا، الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الثلاث التي تفاوضت على الاتفاق السابق. وتُوِّجت هذه المحادثات بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.
وفي مقابل تخفيف العقوبات، فرضت خطة العمل الشاملة المشتركة قيودًا صارمة على نطاق الأنشطة النووية الإيرانية لعقد من الزمان على الأقلّ، وأخضعت تلك الأنشطة لعمليّات تفتيش دولية صارمة.
ومنذ ذلك الحين، دار جدل كبير عما إذا كان الاتفاق قد كبح فعليًا طموحات إيران النووية، وما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة فرض مطالب أكثر صرامة على إيران على طاولة المفاوضات – وهو شكٌّ تردّد صداه في طهران لدى منتقدي الاتفاق الذين اعتقدوا بأنّ إيران قد تنازلت عن الكثير مقابل القليل.
لكن أدى الاتفاق إلى تراجع برنامج إيران النووي، وفي 11 تقريرًا منفصلًا، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية – وهي الوكالة الدولية للرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة – امتثال إيران لشروط خطة العمل الشاملة المشتركة.
وكان الاتفاق النووي ذا أهمية بالغة من ناحية أخرى: فقد مثّل اختراقًا في العلاقات الأميركية – الإيرانية. فبعد عقود من العداء، أبرمت الولايات المتحدة وإيران أخيرًا اتفاقًا، ونفذتاه بنجاح، على الأقل من وجهة نظر إيران.
كان الاتفاق النووي إنجازًا كبيرًا في بناء الثقة. لو استمرّ، لكان أساسًا لاتفاقيات لاحقة بشأن برامج إيران النووية والصاروخية وسياساتها الإقليمية.
كان من الممكن أن يُغيّر تخفيف العقوبات على الاقتصاد الإيراني كلّ الديناميكيات السياسية داخل طهران، من خلال تعزيز نفوذ الفصائل المعتدلة التي تعتمد على أصوات الطبقة الوسطى، وإضعاف نفوذ المحافظين والمتشددين في قرارات السياسة الخارجية.
مع مرور الوقت، كان من الممكن أن تتّجه العلاقات بين إيران والولايات المتحدة نحو تطبيع أكبر.
ومع ذلك، لم يُحقّق الاتفاق التحسّن الموسّع الذي كان يأمله بعض مؤيّديه. لم يُغيّر الاتفاق النووي فورًا استراتيجية إيران الأوسع.
اعتقد الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه السياسيون في البرلمان والمؤسسات الاقتصادية والسياسية شبه الحكومية القوية بأنه على الرغم من الاختراق الدبلوماسي، لا يوجد دليل على حدوث تغيير جوهري في العلاقات الأميركية – الإيرانية، وبأنّ الولايات المتحدة لا تزال تُشكّل تهديدًا مُلحًا، وبأنها لم تبذل أي جهد لتغيير هذا التصوّر.
أشار المتشدّدون في طهران إلى المعارضة الداخلية الشديدة للاتفاق النووي في الولايات المتحدة كدليل على أنّ سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران ستبقى على حالها.
في الأشهر التي تلت توقيع الاتفاق، تباطأت واشنطن في رفع العقوبات عن طهران، مما أدى إلى تعكير مزاج الإيرانيين باستمرار. جادل المتشددون الإيرانيون بأنّ كل ذلك كان خدعة لتجريد إيران من أصولها النووية، مما يجعلها عرضة لتغيير النظام المدعوم من الولايات المتحدة. لذلك، ينبغي على إيران مواصلة سياساتها الإقليمية – كالتزامها بدعم نظام بشار الأسد في سوريا، وتمرّد الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، ومختلف الميليشيات في العراق – التي كانت منذ عام 2003 لا غنى عنها لردع العدوان الأميركي.
زادت تقلّبات الربيع العربي من تعقيد حسابات إيران. رأت طهران في الاضطرابات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي فرصة جديدة لتوسيع نطاق حضورها الإقليمي. لكنّ الفرصة أتت بمخاطر جديدة. كان سقوط الأسد في سوريا، حليف إيران، سيُمثّل خسارة استراتيجية كبيرة. كان سيعزل ويُضعف حزب الله، وكيل إيران في لبنان. كان من الممكن لحكومة سنّية صاعدة في سوريا، بدعم من القوى الغربية وقوى عربية أخرى، أن تُقلّص مكاسب إيران في العراق أيضًا.
شعرت إيران بأنّ الولايات المتحدة تحاول قطع مخالب الأخطبوط – قبل أن تقطع رأسه في طهران. استنتج حكّام إيران، وخاصة الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه السياسيون، أنّ الهدف الحقيقي من الجهود الأميركية لإسقاط الأسد هو نهاية الجمهورية الإسلامية.
سيقاوم الحرس الثوري الإيراني هذه النتيجة مهما كلف الأمر. وكما قال قائدها المسؤول في سوريا: “إنّ ما نخسره بخسارة سوريا يتجاوز ما نراهن عليه في العراق، لبنان واليمن”.
ولذلك، تدخّلت إيران بقوّة في سوريا لإنقاذ الأسد بدءًا من عام 2011، وفي العام نفسه، قدّمت دعمها الكامل لقوات الحوثيين في اليمن، التي كانت قد اكتسبت اليد العليا في الحرب الأهلية هناك.
في الواقع، اختارت طهران موازنةً هشّة: فقد قلّصت برنامجها النووي، لكنها حمت ووسّعت حضورها الإقليمي في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها العرب، لا سيّما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
لم يرَ هؤلاء الحلفاء فائدة تُذكر في الاتفاق النووي، لكن كان لديهم ما يخشونه من لعبة القوة الإقليمية لإيران. أرادوا أن تُركّز الولايات المتحدة على احتواء نفوذ إيران الإقليمي بدلًا من التركيز فقط على برنامجها النووي.
تعاونوا مع إسرائيل، التي عارضت أيضًا الدبلوماسية الأميركية مع إيران، للضغط ضد خطة العمل الشاملة المشتركة في واشنطن فور توقيع الاتفاق عام 2015. وقد كُوفئت هذه الجهود عندما أخرج ترامب الولايات المتحدة رسميًا من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018.
اتسمت السياسة الخارجية الإيرانية بين عامي 2014 و2018 بتناقضات عميقة. فعلى حد تعبير وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف آنذاك، كانت إيران مشلولة بسبب صراع بين الدبلوماسية والميدان – وهذا الميدان هو كناية عن الحرس الثوري الإيراني واستراتيجيته الإقليمية – وعانت من “تفضيل الميدان على الدبلوماسية”.
من جانبها، ركّزت السياسة الأميركية على تصرّفات الحرس الثوري بدلًا من التركيز على ما حقّقته الدبلوماسية النووية للتو.
لم تنظر واشنطن آنذاك في إمكانية استخدام النجاح على طاولة المفاوضات كأساس للتأثير على موقف طهران الإقليمي. استسلمت لفكرة أنّ خطة العمل الشاملة المشتركة غير كافية لأنها لم تشمل سياسات إيران الإقليمية.
بدلًا من التخلّي عن الدبلوماسية لمعاقبة إيران على سلوكها الإقليمي، كان بإمكان الولايات المتحدة التمسّك بمكاسبها الدبلوماسية حتى مع تصدّيها لسياسات إيران الإقليمية. بعبارة أخرى، كان بإمكانها البقاء في خطة العمل الشاملة المشتركة واستخدام هذا النفوذ للتوصل إلى اتفاق إضافي من شأنه أن يحدّ من العدوان الإيراني في المنطقة.
لو اتبعت الولايات المتحدة هذا المسار، لظلّ البرنامج النووي الإيراني محدودًا بالمعايير التي حدّدتها خطة العمل الشاملة المشتركة؛ حتى بعد القصف الإسرائيلي والأميركي، ربما يكون البرنامج النووي الإيراني أقرب بكثير إلى مرحلة الاختراق مما كان عليه في العقد الماضي، على الأقل من حيث الخبرة والقدرة على إعادة بناء برنامج متقدم.
كلّما طالت مدّة سريان الاتفاق، زادت الثقة التي كان سيبنيها بين إيران والولايات المتحدة، والتي كان بإمكان واشنطن استخدامها للتأثير على سلوك طهران الإقليمي. كان من الممكن أن يُخفّف الاتفاق النووي الناجح من إدراك إيران للتهديد من الولايات المتحدة. وكان من شأنه أيضًا أن يسمح لإيران بالحد من أنشطتها الإقليمية المزعجة، بل وحتى مناقشة حدود برنامجها الصاروخي. كانت المكاسب الاقتصادية التي كانت ستتحقّق من البقاء في خطة العمل الشاملة المشتركة ستُقنع إيران بالامتثال للاتفاق، وعدم استخدام غطاء الدبلوماسية لمزيد من الاستفزازات.
على الرغم من الإحباط في طهران من بطء وتيرة تخفيف العقوبات، فإنّ إيران لم تتسبّب بانهيار خطة العمل الشاملة المشتركة. بل إنّ الولايات المتحدة هي التي فعلت ذلك. ولا تزال هذه هي الفرصة الضائعة الأكثر أهمية لإصلاح العلاقات بين البلدين.
انسحابٌ مصيري
أدّى تفكّك خطة العمل الشاملة المشتركة إلى تصعيدٍ حادّ بين طهران وواشنطن. بعد إلغاء الاتفاق، فرض ترامب عقوباتٍ صارمةً على إيران كجزءٍ من حملة “الضغط الأقصى”.
كان الهدف المعلن لتلك الحملة إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. لكنّ إيران اعتبرت خطة ترامب محاولةً لتغيير النظام من خلال خنق اقتصادها وإضعاف مؤسّساتها الحكومية لتشجيع التمرّد الشعبي.
ردّت إيران باستئناف أنشطتها النووية بقوّة، وتخصيب اليورانيوم بما يتجاوز المستويات المسموح بها في خطة العمل الشاملة المشتركة. كما اتخذت إجراءاتٍ أكثر عدوانيةً في جميع أنحاء الشرق الأوسط في عام 2019، بدءًا من هجومٍ على ناقلات نفطٍ في مياه الإمارات العربية المتحدة في أيار/ مايو من ذلك، ثم إسقاط طائرةٍ أمريكيةٍ مُسيّرة في حزيران/ يونيو، ثم هجومٍ على منشآتٍ نفطيةٍ في المملكة العربية السعودية في أيلول/ سبتمبر.
أدّى هذا التصعيد للعنف إلى حدثٍ مُزلزل: أمر ترامب بقتل سليماني، قائد فيلق القدس، في كانون الثاني/ يناير 2020، أثناء وجود الجنرال الإيراني في العراق. أثار مقتله غضب الإيرانيين. ردّت الجمهورية الإسلامية بضرب قاعدة عسكرية في العراق تضمّ قوات أميركية
حينها، وقفت إيران والولايات المتحدة على شفا الحرب. في أقل من خمس سنوات، تبدّدت الآمال بانفتاح جديد في العلاقات، ليحلّ محلها صراعٌ مفتوح.
كان من الممكن أن يُوقف انتخاب جو بايدن رئيسًا عام 2020، وعودة إدارة ديمقراطية عام 2021 التوتّرات المتصاعدة.
خلال الحملة الانتخابية، أبدى المرشحون الديمقراطيون – بمن فيهم بايدن – استعدادهم لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة. إلا أنّ بايدن – بمجرد توليه منصبه – اعترض.
وبدلًا من العودة إلى سياسة عهد أوباما، تبنّى موقف ترامب القائم على ممارسة أقصى قدر من الضغط.
أصرّت الإدارة على أنّ على إيران الوفاء بجميع التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة أوّلًا، وعندها فقط ستنظر الولايات المتحدة في العودة إلى الاتفاق. وفي غضون ذلك، ستظلّ عقوبات ممارسة أقصى قدر من الضغط سارية.
تزامنت الأشهر الأولى من إدارة بايدن مع نهاية رئاسة روحاني. كان روحاني وفريقه مهندسي خطة العمل الشاملة المشتركة، وأرادوا استعادتها. لكنهم لم يجدوا في بايدن شريكًا راغبًا. ما رأته طهران هو الاستمرارية؛ فبايدن – مثل سلفه – أراد تغيير النظام في إيران.
وافقت الولايات المتحدة على إجراء محادثات مع إيران في فيينا في نيسان/ أبريل 2021.
ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت إيران قد خلصت إلى أنه لن يكون هناك تغيير حقيقي في السياسة الأميركية. أعلن القادة الإيرانيون إنّ البلاد ستبدأ تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60%.
كان هذا التصعيد مثيرًا للقلق، لأنه سيقرّب إيران كثيرًا من الوصول إلى مرحلة الاختراق. في مواجهة هذا التهديد، غيّرت إدارة بايدن مسارها لتركّز بشكل أكبر على المحادثات مع إيران، وناقشت خطوات ملموسة من شأنها إعادة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة ورفع العقوبات عن إيران، مقابل امتثالها الكامل لالتزاماتها بموجب الاتفاق.
ومع ذلك، بحلول ذلك الوقت، كانت رئاسة روحاني قد شارفت على الانتهاء. وسرعان ما حلّ محله إبراهيم رئيسي، المعارض المتشدّد لخطة العمل الشاملة المشتركة.
في هذا السياق، قرّرت إيران دعم حرب روسيا الشاملة على أوكرانيا عام 2022. كانت إيران قد طوّرت علاقات استخباراتية وعسكرية وثيقة مع روسيا خلال الحرب الأهلية السورية (حيث انحازت روسيا أيضًا إلى جانب الأسد)، لكنها الآن ترى أنّ شراكتها الاستراتيجية مع موسكو حيوية للنجاة من الجهود الأميركية الحثيثة لعزل الجمهورية الإسلامية وسحقها.
بدوره، أدى دعم طهران لموسكو إلى نفور أوروبا، ومنحَ واشنطن سببًا إضافيًا للضغط على طهران. وبذلك، ارتبطت العلاقات الأميركية – الإيرانية بصدام الولايات المتحدة وأوروبا مع روسيا التوسّعية.
لو أبرمت إدارة بايدن صفقة مع إيران قبل هجوم روسيا على أوكرانيا، لكانت طهران قد رأت الكثير على المحكّ في علاقاتها مع أوروبا، ولما كانت لتفكّر بمساعدة روسيا في أوكرانيا. لكن بما أنّ بايدن لم يكن مستعدًّا للتخلّي عن سياسة ترامب واستعادة الاتفاق الذي أبرمه أوباما، قرّرت إيران أنها بحاجة إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، مما زاد من صعوبة مهمة الدبلوماسية.
تراجعت ثقة كل من إيران والولايات المتحدة ببعضهما البعض أكثر من ذي قبل، واضطرّت واشنطن إلى التعامل مع طهران التي أصبحت أكثر صعوبة.
لم تتمكّن المحادثات غير المباشرة بين إيران، الولايات المتحدة والدول الأخرى الموقّعة على خطة العمل الشاملة المشتركة من تحقيق تقدّم كبير. ولن تضمن إدارة بايدن استمرار أي اتفاق، إذ يُمكن إبطال أي اتفاق بعد تغيير الحكومة، كما أنّ المتشدّدين في طهران غير مستعدّين للمخاطرة بانسحاب أميركي آخر من أي اتفاق تفاوضي.
من بين الأنقاض
في السنوات اللاحقة، تدهور موقف إيران الإقليمي بشكل كبير. فبعد هجمات حماس على إسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شنّت إسرائيل هجمات منهجيّة على وكلاء إيران في المنطقة، مما ألحق أضرارًا جسيمة بحماس في غزة، وأضعف حزب الله في لبنان.
أدى انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى فقدان إيران أحد أكثر حلفائها الإقليميين فائدة، وأثار احتمال ظهور سوريا بقيادة سنية معادية لإيران.
في عامَيْ 2024 و2025، شنّت القوات الإسرائيلية غاراتٍ في عمق الأراضي الإيرانية، كاشفةً عن ثغراتٍ استخباراتيةٍ هائلةٍ في المؤسّسة الأمنية الإيرانية، بالإضافة إلى عجز الجمهورية الإسلامية النسبي عن إلحاق الضرر بإسرائيل من خلال ترسانتها من الصواريخ والطائرات المُسيّرة.
ومع ذلك، حتى بعد الدمار الذي ألحقه ترامب بالمواقع النووية الإيرانية، لا يزال الكثير مجهولًا بشأن حالة البرنامج النووي الإيراني، واحتمال أن يواصل القادة الإيرانيون، المحاصرون، السعي لتطوير قنبلةٍ نووية.
إذا كان ترامب لا يريد لإيران أن تحذو حذو كوريا الشمالية وتصبح دولة نووية، ولا يريد الاستمرار في خوض حرب معها لمنع هذه النتيجة، فعلى إدارته البحث عن حل دبلوماسي.
كذلك، لا تريد إيران الحرب مع الولايات المتحدة، ولا يمكنها بناء ترسانة من الأسلحة النووية بسرعة أو بسهولة لردع الهجمات الإسرائيلية والأميركية. ليس أمام طهران خيار سوى أخذ الدبلوماسية على محمل الجد.
لقد مرّت إيران والولايات المتحدة بظروف مماثلة من قبل، مترددتين بين المواجهة والتسوية. ينبغي على البلدين تبنّي الدبلوماسية، ليس فقط لإبرام اتفاق عاجل بشأن القدرات النووية الإيرانية، بل أيضًا لبناء الثقة ورسم مسار جديد لعلاقاتهما.
ينبغي أن تكون الدبلوماسية النووية مجرّد البداية – أساس العلاقة، لا سقفها. تعتقد إدارة ترامب بأنّ حرب الأيام الـ12 قد فرضت عقابًا كافيًا على إيران لإجبار القادة الإيرانيين على مراجعة أنفسهم. ولكن إذا أرادت طهران التوصل إلى استنتاجات صحيحة – والشعور بالقدرة على التخلّي عن طموحاتها النووية وسياستها الإقليمية العدوانية – فعليها أن تنظر إلى الدبلوماسية كمسار موثوق لتحقيق المكاسب التي أفلتت منها حتى الآن.
ورغم أنّ ذلك قد يبدو مستبعدًا، إلا أنّ حملة ترامب الجوية قد تؤدي إلى انفراجة، ولكن فقط إذا تمكّن البلدان من وضع تاريخهما من الأخطاء وراءهما، والتعامل مع الدبلوماسية برؤية وصبر.
إن المعلومات والآراء المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي “الجادة” وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

