الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة12 أغسطس 2025 08:54
للمشاركة:

هل تُنهي إيران عزلتها على طاولة مفاوضات مجموعة العمل المالي (FATF)؟

بعد ست سنوات من إدراجها على قائمة الدول عالية المخاطر، وتعليق المفاوضات الرسمية مع مجموعة العمل المالي (FATF)، تعود إيران مجدّدًا إلى التفاوض في هذا الشأن، في محاولة للتخفيف من ضغوط عدم إقرار كلّ القرارات المطلوبة من هذه المجموعة والتمهيد لرفع اسم إيران من القائمة السوداء.

وتُعدّ الدعوة الرسمية التي وجهتها مجموعة العمل المالي إلى مساعد وزير الاقتصاد وأمين المجلس الأعلى للوقاية ومكافحة جرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب هادي خاني للمشاركة في اجتماع مدريد، مؤشّرًا واضحًا على بداية فصل جديد في تفاعلات إيران مع الهيئات التنظيمية الدولية.

وتأتي هذه الخطوة الدبلوماسية بعد أن اتخذت إيران سلسلة من الإجراءات الإصلاحية في مجالات التشريع، الرقابة المالية ومكافحة الجريمة المنظمة خلال العامين الماضيين، ومصادقة مجلس تشخيص مصلحة النظام مؤخّرًا على اتفاقية “باليرمو”.

فما الذي يعنيه الاجتماع المقبل مع مجموعة العمل المالي؟ وما تأثيره على مستقبل البلاد الاقتصادي والمالي؟

وللإجابة على هذين السؤالين، ناقشت منصّة “الجادة” المستجدّات مع خبير مجموعة العمل المالي هادي موسوي.

وأوضح موسىوي إنّ مجموعة العمل المالي (FATF) هي هيئة حكومية دولية تعمل عالميًا لمكافحة غسيل الأموال، تمويل الإرهاب والجرائم المالية الأخرى. ومن خلال تقييماتها وقوائم المراقبة، تلعب الهيئة دورًا رئيسيًا في تحديد المخاطر المالية للدول في النظام المصرفي الدولي.

وعلى حد تعبيره، سيُعقد اجتماع إيران المباشر مع مجموعة العمل المالي، مما سيمثّل فرصة للدول للدفاع عن تقدّمها على مسار الإصلاحات المالية، وتمهيد الطريق لتقليل أو إلغاء التدابير المضادّة.

وتلعب هذه الاجتماعات دورًا حاسمًا في القرار النهائي لمجموعة العمل المالي بشأن إبقاء إيران على قائمة الدول عالية المخاطر، أو إزالتها منها.

وعن المواضيع التي ستُناقش في الاجتماع، قال موسوي إنه سيتم مراجعة أداء إيران في تنفيذ التزاماتها، بما في ذلك:

وضع وتطبيق قوانين لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب؛
ترجمة هيكل ملكية الشركات والحسابات المصرفية؛
تعزيز الرقابة على الأنشطة المالية للمؤسّسات، مثل البنوك، مكاتب الصرافة والجمعيات الخيرية؛
التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات المالية؛
وأخيرًا، تحديد مسؤوليّات اتفاقيتي مكافحة تمويل الإرهاب وباليرمو.

ورغم أهمية التصديق على اتفاقية “باليرمو”، إلا أنّ اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب لم يتم تصديقها محليًا بعد، وقد تُشكّل هذه المسألة إحدى العقبات الرئيسية أمام شطب إيران من قائمة مجموعة العمل المالي.

وأشار خبير مجموعة العمل المالي إلى أنّ إجراءات مجموعة العمل المالي تتلخّص بإعداد تقرير فنّي عن وضع الدولة بعد عقد اجتماع مباشر، ويُقدَّم إلى الاجتماع العام للمؤسّسة، الذي يُعقد ثلاث مرات سنويًا. ويمكن أن تشمل نتائج هذا التقرير ثلاثة سيناريوهات بحسب موسوي:

  1. تأكيد التقدّم الكامل وبدء عملية شطب إيران من قائمة الدول عالية المخاطر؛
  2. تمديد مهلة تنفيذ خطة العمل في حال عدم كفاية التقدّم، وإن كان إيجابيًا؛
  3. استقرار الوضع الراهن ومواصلة التدابير المضادّة في حال عدم تحقيق تقدم كافٍ.

ماذا تقول تجارب الدول الأخرى؟

ولفت موسوي إلى تجارب الدول الأخرى، حيث مرّت دول مثل باكستان، منغوليا، نيكاراغوا وسريلانكا بتجربة إدراجها على القائمة الرمادية أو السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) في السنوات الأخيرة.

وكانت هذه الدولة قد اجتمعت على الانخراط النشط مع المجموعة، تنفيذ برامج الإصلاح والمشاركة المستمرّة في المفاوضات الفنية؛ مما أدى في النهاية إلى رفع اسمها بنجاح من القائمة والعودة إلى الشبكة المالية العالمية.

ومن الأمثلة البارزة التي ذكرها موسوي في هذا المجال باكستان، التي رُفع اسمها من القائمة عام 2022 بعد سنوات عدة من التعاون الفنّي وإصلاح بنيتها التحتية الرقابية.

وتُظهر تجارب هذه الدول أنه باتباع نهج منسَّقٍ، شفّاف وموثق، يُمكن الخروج من العزلة المالية؛ حتى في ظل الظروف المحلية والإقليمية المعقّدة.

مكاسب نجاح المفاوضات بالنسبة لإيران

وقال موسوي إنه بحال استطاعت إيران الدفاع عن إجراءاتها في اجتماع مدريد بنهج دقيق ومنطقي، ومواصلة الإصلاحات اللازمة، فمن المتوقّع تحقيق نتائج إيجابية:

تحسين سمعة البلاد على الساحة الدولية؛
تسهيل التحويلات المالية عبر البنوك الأجنبية؛
خفض تكلفة التجارة الخارجية وجذب الاستثمارات الدولية؛
زيادة الشفافية والمتانة في النظام المالي المحلي.

وبالطبع، فإنّ الطريق إلى الأمام ليس خاليًا من العقبات. لا تزال الموافقة النهائية على قانون مكافحة تمويل الإرهاب تواجه تحديات سياسية داخل البلاد

من ناحية أخرى، لا تكتفي مجموعة العمل المالي (FATF) بمجرّد إقرار القوانين؛ بل تطالب أيضًا بتنفيذ فعّالٍ وقابل للتحقّق ومستدام لهذه القوانين. لذلك، فإنّ الأدوات القانونية وحدها لا تكفي، بل إن الإرادة السياسية وبناء المؤسسات التنفيذية ضروريان أيضًا.

وتمثّل المفاوضات المقبلة مع مجموعة العمل المالي فرصة غير مسبوقة لإعادة بناء مكانة إيران في النظام المالي العالمي. فرصةٌ، إذا ما اقترنت بالذكاء والجدية، قد تفتح آفاقًا لتخفيف الضغوط المالية وبدء مسارٍ جديدٍ في التفاعلات الاقتصادية الدولية. إنّ تجاهل هذه المفاوضات أو تبسيطها سيؤدي إلى استمرار الوضع الراهن، بل وزيادة العزلة. الآن هو الوقت المناسب لاتخاذ قراراتٍ جريئةٍ وتنسيقٍ في العمل، على حد تعبير موسوي.

خلفية الدعوة

بدورها أجرت صحيفة “ايران” الحكومية مقابلة مع أمين المجلس الأعلى للوقاية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب هادي خاني عن تفاصيل الدعوة الأخيرة من مجموعة العمل المالي الإيرانية، والإجراءات التي ستُتّبع لمواصلة التعاون مع المجموعة.

وقال خاني: “تتّفق الدول المُدرجة على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي مع المجموعة على تطبيق سلسلة من السياسات على مدى فترة زمنية، وفي حال تطبيق هذه السياسات والبرامج بالكامل، سيتمُّ رفع اسم تلك الدولة من القائمة السوداء. لم نتمكّن من إكمال هذا البرنامج والوفاء بالتزاماتنا ضمن إطار زمني محدّد، وبقي اسمنا على القائمة السوداء، وقد اتُخذت إجراءات مضادّة”.

وأضاف: “في السنوات القليلة الماضية، أصرت مجموعة العمل المالي على أنه في حال تصديق إيران على اتفاقيَّتَيْ باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب وانضمامها إليهما، فسيتم اتخاذ قرار بشأن رفع التدابير المضادة، ولذلك كان التصديق على هذه الاتفاقية من أولوياتنا”.

وتابع: “في السنوات القليلة الماضية، عرضنا إجراءاتنا على مجموعة العمل المالي، وصرحنا إنّ لإيران رأيًا في هذا الشأن. ولكن نظرًا لعدم حسم هاتين الاتفاقيتين، لم يكن من الممكن عمليًا تسهيل المفاوضات المباشرة بيننا وبين مجموعة العمل المالي، وانصبّت جهودنا خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية على عقد اجتماع لآليّة تعليق التدابير المضادة، ورفع إيران من القائمة السوداء، وبدء مفاوضاتنا ومتابعتنا. لم يُتح هذا المجال إلا بعد موافقة الجمعية على اتفاقية باليرمو، ودعوتنا مجموعة العمل المالي رسميًا للمشاركة في مفاوضات مباشرة”.

وعن أهمية كسر الجمود في مفاوضات إيران مع مجموعة العمل المالي بعد ست سنوات، قال خاني: “هذه القضية مهمة، فبعد ست سنوات، سنناقش وجهًا لوجه كيفية رفع اسمنا من القائمة السوداء. بالطبع، لقد ذكرتُ مرارًا إنّ هذه مسألة تستغرق وقتًا طويلًا، لكنّ باب المفاوضات مفتوح، وسندخل مجالًا أكثر جدية للتفاعل مع هذه المؤسسة. آمل أن يُفضي هذا الاجتماع وبداية هذه الاجتماعات إلى الخروج من القائمة السوداء سيّئة السمعة لمجموعة العمل المالي، والتي تُعتبر وصمة عار في جبين جميع الإيرانيين، ضمن إطار منطقي وتفاعل مناسب يتماشى مع المصالح الوطنية”.

شكوى من النقّاد

ووفق خاني، فإنّ إنّ مواصلة هذا العمل تتطلّب اجتهادًا، وأردف: “سنبذل قصارى جهدنا لإدارة هذا المجال بما يخدم المصالح الوطنية للبلاد. بالطبع، لدينا بعض الشكاوى. للأسف، ولسنوات عدة، لم تتّضح بعدُ النية وراء هذه التعليقات التي تُثار بشأن هذه القضية، من خلال تضخيم التصورات الفئوية والشخصية. يثير البعض قضايا من دون وثائق وأدلّة مقبولة للتأثير على إدارة شؤون البلاد”.

وأكمل خاني: “مؤخّرًا، رأيتُ أنّ إحدى وسائل الإعلام قد ذكرت شيئًا عن تسريب شبكة مبيعات النفط الإيرانية بسبب تقديم معلومات التبادل لمجموعة العمل المالي. أنا آسف حقًا. لقد أخبرتُ هؤلاء الأصدقاء مرارًا وتكرارًا، وأكدتُ لهم أنه إذا كان لديكم أي وثيقة بهذا الشأن تفيد بتقديم معلومات التبادل لمجموعة العمل المالي، فيُرجى تقديمها. لأنه لم تُقدم أي معلومات أو وثيقة لمجموعة العمل المالي ولن تُقدّم. لقد درسنا الوثائق بالتفصيل في المجلس الاستشاري، فقرةً فقرةً، واتضح لجميع أعضاء المجلس أنه لا يوجد في هذه الوثائق ما يذكر إنّ إيران يجب أن تُقدّما شيئًا”.

الأولوية لتعليق الإجراءات المضادّة

وردًا على سؤال عن الإطار الزمني المتوقّع لإزالة إيران تمامًا من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي، نظرًا لطبيعتها “المستهلكة للوقت”، قال خاني: “لدينا خطة عمل مشتركة مع مجموعة العمل المالي. يجب أن ننفّذها بالكامل. عند تطبيق هذه الخطة، يجب بالتأكيد رفع اسمنا من القائمة السوداء بناءً على الاتفاقية المبرمة بيننا وبين مجموعة العمل المالي.”.

وتابع: “كان ينبغي تطبيق هذه الخطة قبل ثماني سنوات، والسبب وراء استمرار مجموعة العمل المالي في دعمنا هو أننا لم نكن غير مبالين، وتعاونّا. إنّ تنفيذ هذه الخطة عملية تستغرق وقتًا طويلاً بالتأكيد، وتعتمد على نوع تقسيم العمل داخل الدولة وعزم الجهات المعنية على دعم تنفيذ مختلف بنودها. لكنّ المؤكد هو تعليق الإجراءات المضادة. الإزالة من القائمة السوداء هي الأولوية الثانية. الأولوية الأولى هي الإجراءات المضادّة، والتي يجب تعليقها. شرط مجموعة العمل المالي لتعليق القبول هو التصديق على اتفاقية باليرمو واتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب. يتطلّب اتخاذ هذا القرار متابعةً وحشدًا للتأييد، كما يجب بناء شبكات تواصل. لكن في الوقت الحالي، تم التصديق على اتفاقية باليرمو، ونأمل بتحسين تفاعلنا مع مجموعة العمل المالي”.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: