الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة6 أغسطس 2025 08:46
للمشاركة:

هل تغيّر الشراكة الروسية – الإيرانية أوضاع سوق الغاز في العالم؟

في خضم حرب تل أبيب على طهران، تراوح موقف روسيا بين رفض أي شكل من أشكال تغيير النظام في طهران، واستغلال الحادث لإرسال رسائل تقارب مع الغرب، إلا أنّ هذا الموقف جاء في سياق الرواية الروسية التي تبرر عمليتها الخاصة في أوكرانيا.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي أنه “لا ينبغي ضمان أمن أي دولة على حساب أمن دولة أخرى”. بالإضافة إلى ذلك، واصل بوتين تصريحاته في هذا الشأن، مشيرًا إلى أنً “إسرائيل اليوم تكاد تكون دولة ناطقة بالروسية”، نظرًا لوجود نحو مليونَيْ روسي فيها، مما يدل على عمق وأبعاد نظرة روسيا للصراع الإيراني – الإسرائيلي.

ويُعدّ دعم الناطقين بالروسية في كل العالم أولوية استراتيجية لروسيا، وقد استند جزء كبير من حجج موسكو للتدخل في أوكرانيا منذ عام 2014 إلى هذه الناحية.

أم الرد الغربي، فبدا واضحًا وحازمًا على الرسالة الروسية في الاجتماع الأخير بين الدول الأعضاء في حلف الناتو والولايات المتحدة، حيث اتفق الطرفان على إدامة الحرب باستمرار تدفًق السلاح من الجانب الأميركي إلى أوكرانيا، على أن تخصّص دول الناتو 5% من ناتجها المحلي لتمويل حزم المساعدات العسكرية هذه.

وعلى هذا الأساس ردّدت موسكو في أكثر من مناسبة إنها لن تُنهي الحرب ما لم تحقّق جميع أهدافها. وهي تدرك في الوقت نفسه أنّ المجال الغربي تم إقفاله في وجهها، وأنّ التوجه شرقًا أصبح هدفًا جيوستراتيجيًا تمثّل إيران التي تقع في جنوبها الشرقي ركنًا أساسيًا فيه، وذلك لما بين موسكو وطهران من عوامل مشتركة، وهي قد تتلخّص بثلاثة أهداف.

تصدير الغاز الروسي عن طريق إيران إلى غرب آسيا وشرقها، إكمال طريق شمال – جنوب وإحكام السيطرة على جنوب القوقاز من خلال منع تمدّد النفوذ الغربي هناك، إلى جانب التصدي للتوسع التركي في تلك المنطقة.

وفي سياق الأهداف الثلاثة هذه، قال المحلّل المتخصّص في الشأن الروسي والعلاقات مع الشرق الأوسط ديميتري بريدجيه لمنصة “الجادة” إنّ موسكو ترى في الدور الإيراني في جنوب القوقاز عامل توازن في وجه تمدّد نفوذ واشنطن وأنقرة، كما تُدرك أنّ طهران المناوئة لواشنطن يمكن أن تكون حليفًا استراتيجيًا يكبح خطط الولايات المتحدة لعزل الروس.

وأضاف بريدجيه أنه على الرغم من بعض جوانب التنافس الخفي بينهما (مثل المنافسة السابقة في أسواق الطاقة)، فإنّ القواسم المشتركة الأيديولوجية والجيوسياسية تجمعهما اليوم في إطار مقاومة الهيمنة الغربية، حيث أصبحت طهران بالنسبة لموسكو شريكًا يساهم في إضعاف النفوذ الأميركي إقليميًا، سواء عبر تحجيم الوجود الغربي في الشرق الأوسط، أو عبر التنسيق لإخراج أي وجود عسكري أجنبي من بحر قزوين، في ظلّ رفض البلدين وجود أي دول لا تطلّ أراضيها على بحر قزوين.

وفي تصريحات سابقة، ذكّر بريدجيه بأنّ أوروبا مثّلت تاريخيًا السوق الأكبر للغاز الطبيعي الروسي، لكن هذه المعادلة تغيّرت جذريًا بعد الأزمة الأوكرانية والعقوبات المتبادلة، فالسوق الأوروبية تكاد تكون اليوم مغلقة بالكامل أمام الغاز الروسي، أو في أفضل الأحوال محدودة جدًا نتيجة القرارات السياسية الأوروبية بفطم القارّة عن الطاقة الروسية.

وفق الخبير الروسي، برز هنا دور إيران كمحطة استراتيجية للغاز الروسي. فعلى الرغم من امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز عالميًا بعد روسيا، إلا أنها تعان من النقص في الاستثمارات في هذا المجال، ومن بنية تحتية تعيقها عن تصدير كميّات كبيرة من الغاز، بل وتضطر أحيانًا لاستيراد الغاز لتلبية بعض حاجاتها.

فتح هذا الواقع باب التكامل بين موسكو وطهران في مجال الطاقة: اتفقت الدولتان عام 2025 على إمداد روسيا لإيران بما يصل إلى55 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز على مراحل، وهو رقم يقارب سعة نورد ستريم 1 قبل تعطّله، مع تطوير مشاريع مشتركة للبنية التحتية. ومن بين تلك المشاريع أيضًا، خط أنابيب مقترح يصل بغاز حقل يامال الروسي إلى منشآت التسييل في ميناء بندرعباس على الخليج، حيث يمكن تبريد الغاز وتصديره بحرًا إلى الأسواق الآسيوية.

كذلك يجري الحديث عن إنشاء مركز إقليمي لتجارة الغاز في إيران بمشاركة محتملة لدول غنية بالغاز، كقطر وتركمانستان، بحيث تُجمع الإمدادات الروسية والإيرانية وغيرها، ثم تُوزّع نحوالمشترين في جنوب آسيا وشرقها.

بالتوازي مع ذلك، تسارع روسيا إلى تعزيز حضورها المباشر في أسواق آسيا الجنوبية والشرقية. فقد عزّزت خط الأنابيب “قوة سيبيريا” الذي ينقل الغازإلى الصين، وتعمل على مضاعفة قدراته وإنشاء خط ثان عبر منغوليا لزيادة صادرات الغاز للصين – أكبر مستهلك للطاقة.

كما ارتفعت صادرات النفط الروسية إلى الهند ودول شرق آسيا بخصومات مغرية، مما أعاد تشكيل خارطة تدفّقات الطاقة العالمية. وفي هذا الصدد، يمنح التعاون مع إيران لروسيا منفذًا نحو المحيط الهندي من دون المرور بقناة السويس أو الممرات الخاضعة للرقابة الغربية. كما تسمح هذه الترتيبات لإيران بالحصول على بعض حاجتها من الغاز الروسي في شمال البلاد (عبر خطوط من أذربيجان أو بحر قزوين) لتوجيه إنتاجها المحلي نحو التصدير من الجنوب، أي بنظام “مقايضة الغاز” الذي يفيد الطرفين.

وليس مشروع ممر الشمال – الجنوب (من روسيا عبر إيران إلى الهند) مجرّد خط سكة حديد وشحن بري، بحسب بريدجيه، حيث يشير إلى أنّ هذا الممرّ يتمدّ ليشمل خطوط أنابيب وموانئ.

وبدخول هذه المشاريع حيزّ التنفيذ، ستتمكّن موسكو من إيصال سلعها وطاقتها إلى أسواق جنوب آسيا وشرق أفريقيا بسرعة أكبر وكلفة أقلّ، فيما تعزز طهران إمكاناتها كمحور إقليمي للطاقة والتجارة.

ومع دخول اتفاقيات الطاقة الروسية – الإيرانية حيّز التنفيذ، يتوقع المختصون أنّ تتحوّل إيران إلى محطة ترانزيت مركزية، تُضخُّ عبرها الطاقة الروسية نحو عملاء جدد في آسيا، وفي الوقت نفسه تجني هي فوائد اقتصادية واستراتيجية من رسوم المرور والاستثمارات الروسية في قطاعَيْ النفط والغاز الإيرانيين.

أما أوروبا، التي أعربت عن قلقها من تشكّل محور غازي بين موسكو وطهران يسيطر على جزء كبير من إمدادات السوق العالمية، فهي تجد نفسها أمام أمرواقع جديد: روسيا لن تعتمد بعد الآن على المستهلك الأوروبي، وقد نجحت بتأمين البدائل شرقًا، مستفيدةً من الشراكة مع إيران وغيرها من الدول غير المتحالفة مع الغرب. وهكذا يُعاد تشكيل التوازنات في سوق الطاقة العالمي؛ فبعد أن كانت خطوط الأنابيب تتّجه غربًا نحو أوروبا، ارتسم مشهد جديد تتدفّق فيه الطاقة الروسية جنوبًا وشرقًا عبر الأراضي الإيرانية باتجاه مراكز النمو الاقتصادي في آسيا، في تأكيد آخر على تحوّل مركز الثقل الجيو – اقتصادي من الغرب إلى الشرق.

في المحصلة، تظهر العلاقات الروسية – الإيرانية الراهنة كحجر زاوية في المشهد الجيوسياسي العالمي المقبل. فروسيا وإيران، المنهمكتان بمقارعة النفوذ الأميركي والعقوبات العابرة للحدود، وجدتا في بعضهما شريكًا استراتيجيًا يخفّف العزلة ويضاعف القدرة على الصمود.

باتت هذه الشراكة وثيقة في مجالات الاقتصاد، الطاقة، التكنولوجيا والدفاع، وإن كانت لم تصل إلى تحالف عسكري رسمي صارم. فمع ازدياد الضغط الغربي – من رفع دول الناتو لإنفاقها العسكري إلى 5% من ناتجها القومي، إلى دعم الحرب الأوكرانية – يشتدّ الشعور لدى موسكو وطهران بأنهما يواجهان خصمًا واحدًا في جبهات متعدّدة.

لذا، تتنامى التكهّنات بإمكانية تطوير البند الدفاعي في اتفاقهما من مجرّد تنسيق دبلوماسي إلى التزام عسكري أوضح. ومن المرجح أن يزداد التعاون العسكري الفعلي بين الطرفين في المرحلة المقبلة، حيث قد نشهد تكثيفًا لعمليّات نقل الأسلحة المتطوّرة (كمنظومات الدفاع الجوي الصاروخية)، أو وجود مستشارين عسكريين روس في إيران، مما يقرّب الشراكة الاستراتيجية خطوة إضافية نحو تحالف أمني فعلي، وإن بقي غير معلن رسميًا.

وفي الوقت الذي يظلّ فيه الجمود في علاقة روسيا بالغرب، تبرز آسيا الوسطى والشرق الأوسط كساحتين لإعادة رسم التحالفات وخطوط الطاقة. ضمن هذا المشهد، تمضي روسيا وإيران معًا بخطى حذرة في محاولة للحفاظ على القدر المستطاع من مصالحهما وموقعهما الجيواستراتيجي وخلق فضاء استقلالي جديد، يربط بحر البلطيق بمضيق هرمز، والقطب الشمالي بالمحيط الهندي، ضمن منظومة شراكة لا تخلو من العقبات، لكنها وفق ما يأمل الطرفين تعد بتحوّلات عميقة في موازين القوى الإقليمية والدولية.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: