الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة5 أغسطس 2025 21:23
للمشاركة:

علي لاريجاني.. أستاذ الفلسفة العائد إلى قلب القرار الإيراني

بعد أعوام من الغياب عن صدارة المشهد السياسي، عاد علي لاريجاني إلى أحد أبرز مواقع صنع القرار في الجمهورية الإسلامية، بتعيينه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بدلا من الجنرال علي اكبر احمديان. القرار، الذي أصدره الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في آب/أغسطس 2025، أعاد لاريجاني إلى مؤسسة يعرفها عن قرب، إذ سبق أن شغل المنصب نفسه قبل نحو عقدين، في مرحلة اتّسمت كذلك بتعقيدات إقليمية ودولية.

ولا يُنظر إلى التعيين الجديد كمجرّد قرار إداري، بل يأتي ضمن سياق مؤسسي أوسع، عقب الإعلان عن تشكيل “مجلس الدفاع الوطني” برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية ورؤساء السلطات، في خطوة تُشرف عليها الهيئة نفسها التي يتولى لاريجاني أمانتها اليوم، أي المجلس الأعلى للأمن القومي.

وقد علّق مستشار القائد الأعلى للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، على هذه الخطوة معتبرًا أن “الاستفادة من ذوي الخبرة والتجربة في هذه المرحلة توحي ببُعد نظر النظام الإيراني في ظل التوترات الإقليمية والدولية”. في هذا الإطار، يبرز السؤال: من هو علي لاريجاني، الذي يعود إلى واجهة القرار الأمني في لحظة إقليمية ودولية متوترة كما يصفها أحد أركان السياسة الخارجية الإيرانية. 

من النجف إلى قم: جذور العائلة 

وُلد علي أردشير لاريجاني في 3 حزيران/ يونيو 1958 بمدينة النجف العراقية، حيث كانت عائلته قد نزحت من مدينة قم بسبب ضغوط الشاه محمد رضا بهلوي على العلماء الدينيين. والده آية الله ميرزا هاشمي آملي كان من علماء الدين البارزين في الحوزة العلمية. عاد إلى إيران وهو طفل، وتابع دراسته في قم، قبل أن ينتقل إلى طهران حيث تخرج من جامعة شريف للتكنولوجيا في الرياضيات وعلوم الحاسوب، ثم أكمل دراسته العليا في الفلسفة الغربية بجامعة طهران، حتى نال الدكتوراه وبات عضوًا في هيئتها التدريسية.

لم يغب الجانب الفكري عن مسيرته؛ فقد تأثّر بعمق بفلسفة إيمانويل كانت، وأنتج مؤلفات تتناول “الرياضيات في فلسفة كانت” و”الميتافيزيقا والعلوم الدقيقة” و”الشهود والقضايا التأليفية”، إلى جانب أعمالٍ أخرى في الفكر والدولة، فضلًا عن أكثر من 15 مقالًا علميًا. هذا التكوين الفلسفي سيمتد لاحقًا إلى طريقة إدارته لملفاتٍ حساسة، وعلى رأسها الملف النووي.

عائلة كأنها دولة

ليس غريبًا أن يُوصف لاريجاني بأنه أحد وجوه “عائلة كينيدي الإيرانية”، كما قالت مجلة TIME عام 2009، فخمسة من إخوته كانوا أنذاك يشغلون مناصب رفيعة في مفاصل الدولة. شقيقه صادق تولّى رئاسة السلطة القضائية وهو اليوم رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، فيما شغل محمد جواد أمانة لجنة حقوق الإنسان في القضاء، وتوزع الباقون بين السلك الدبلوماسي والقطاع الصحي.

وقد عزّز هذا الإرث العائلي موقع لاريجاني في قلب النظام، حيث لديه سجل تدرج طويل في المناصب المدنية والعسكرية.  

مسار إداري وعسكري وإعلامي

بدأ لاريجاني عمله الرسمي بعد الثورة الإسلامية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ثم شغل مناصب عدة في وزارات العمل والبريد والحرس الثوري، حيث تولّى بين عامي 1986 و1989 منصب معاون الشؤون القانونية والبرلمانية في وزارة الحرس، ثم نائب رئيس هيئة الأركان حتى عام 1992.

في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني، تم تعيينه وزيرًا للثقافة والإرشاد الإسلامي خلفًا لمحمد خاتمي. لكنه سرعان ما انتقل إلى موقع آخر، حين عيّنه القائد الأعلى آية الله علي خامنئي رئيسًا لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2004، ما جعله أحد أطول من تولّوا إدارة هذه المؤسسة الرسمية.

رجل البرلمان والميزان

في عام 2008، دخل لاريجاني البرلمان الإيراني ممثلًا عن مدينة قم، وسرعان ما تولّى رئاسته. أعيد انتخابه لدورتين تاليتين، ليصبح صاحب أطول مدة رئاسة في تاريخ البرلمان الإيراني. خلال سنواته تلك، واجه حكومة أحمدي نجاد بقوة، استجوب وزراء، وعقد أول جلسة مساءلة لرئيس في تاريخ الجمهورية، وكان صوته واضحًا ضد مخالفات في الميزانية والسياسة الخارجية.

وفي عهد حكومة روحاني، دعم علنًا اتفاق فيينا النووي، وهي خطوة كلّفته تراجعًا في شعبيته لدى بعض التيارات المحافظة. ومع ذلك، حافظ على موقعه، وواصل جهوده لإرساء دور مؤسساتي للبرلمان في السياسة الخارجية، لا سيما في إنشاء مركز البحوث الإسلامية التابع للمجلس.

أمين المجلس الأعلى للأمن القومي… مرة أخرى

سبق للاريجاني أن تولّى هذا المنصب بين عامي 2005 و2007، خلال ولاية أحمدي نجاد، قبل أن يستقيل على خلفية تباينات مع رئيس الجمهورية آنذاك، ليخلفه سعيد جليلي. لكن خلال تلك الفترة، قاد لاريجاني المفاوضات النووية مع مجموعة 5+1، بعد انتقال الملف الإيراني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن.

تمحورت مقاربته حول خلق توافق داخلي، واعتماد المسار التفاوضي، وإبراز البُعد الاستراتيجي للطاقة النووية. أجرى مفاوضات طويلة مع المنسق الأوروبي خافير سولانا، وساهم في صياغة جدول ردود على أسئلة الوكالة الذرية، لكن المفاوضات لم تصل إلى اتفاق في عهده، قبل أن يتولّى الملف لاحقًا فريق جديد.

بعد استقالته، بقي عضوًا في المجلس الأعلى للأمن القومي بصفته ممثلًا للقائد الأعلى، وهو المنصب الذي شغله حتى انتخابه رئيسًا للبرلمان. حيث حافظ بعد ذلك على حضوره في المجلس بصفته رئيسًا للبرلمان، وهو الحق الذي يمنحه الدستور لأي رئيس برلمان في إيران.

مرحلة بينية ونشاط سياسي خاص

بعد خروجه من البرلمان عام 2020، عُيّن علي لاريجاني مستشارًا للقائد الأعلى وعضوًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام. حاول الترشح للانتخابات الرئاسية في دورتين متتاليتين (2021 و2024)، لكن مجلس صيانة الدستور لم يُجز صلاحيته في المرتين، دون تقديم أسباب علنية، وهو ما أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية في حينه.

رغم ذلك، لم يغب لاريجاني عن الساحة السياسية، بل شارك في عدد من التحركات اللافتة. فقد نقل رسالة من القائد الأعلى إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته إلى موسكو بعد الحرب، وظهر في بث تلفزيوني رسمي خلال مرحلة التصعيد مع إسرائيل في صيف 2025. كما نُقل عنه أنه أجرى زيارة غير معلنة إلى سوريا قبل أيام من بدء العمليات العسكرية التي انتهت بسقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وأفادت تقارير حينها أنه كان يحمل رسالة من خامنئي إلى الأسد.

تحركاته هذه، إلى جانب التصريحات والتقديرات التي رافقت انتخاب مسعود بزشكيان رئيسًا للجمهورية صيف 2024، أعادت اسمه إلى التداول كمرشح محتمل لتولي منصب تنفيذي أو أمني رفيع، وتوقعت بعض الأوساط أن يُسند إليه مبكرًا منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما تحقّق لاحقًا في آب/أغسطس 2025.

مع التطورات الجارية في مراكز القوة واتخاذ القرار في إيران، وبالعودة إلى التدقيق في خلفية الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي، يظهر علي لاريجاني بوصفه شخصية متعددة الأبعاد؛ لا ينتمي فقط إلى النخبة السياسية التقليدية، بل يجمع بين التكوين الفلسفي البراغماتي والعمل البرلماني والخبرة التنفيذية الطويلة. خاض تجارب تفاوضية عديدة، وقاد ملفات حساسة، ورُفض وجوده في الساحات الانتخابية، لكنه عاد. ومع عودته إلى موقعه السابق في المؤسسة الأمنية العليا، تُطرح تساؤلات حول السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية التي تأثرت بغيابه، وما إذا كانت ستعود إلى سابق عهدها بعودته.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: