مجلس جديد للقرار العسكري: إيران تعيد صياغة منظومتها الأمنية؟
في خطوة تعكس اتجاهات للتغير في إيران بعد الحرب مع إسرائيل، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي - بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 176 من الدستور - تأسيس "مجلس الدفاع عن البلاد"، بهدف تعزيز التنسيق وصنع القرار في المجال العسكري والأمني.
وبحسب القرار، سيتشكّل هذا المجلس من رؤساء السلطات الثلاث، إلى جانب كبار قادة القوات المسلحة، ووزراء الدفاع والأجهزة الأمنية، فضلًا عن ممثلين عن القائد الأعلى الإيراني علي خامنئي، على أن يتولّى رئيس الجمهورية رئاسة هذا المجلس الجديد، وفقًا لما ينص عليه الدستور بشأن المجالس الفرعية التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي.
أهداف المجلس الجديد
جاء الإعلان عن تشكيل “مجلس الدفاع عن البلاد” بعد عدة أيام من تسريبات أوردتها الوكالات شبه الرسمية أفادت أن المجلس الأعلى للأمن القومي ينحو بهذا الاتجاه، مضيفة أن “هذه الخطوة تهدف لتحقيق مجموعة من الأهداف المحورية في السياسة الدفاعية للبلاد، من أبرزها: تركيز عملية صنع القرار الدفاعي في مركز موحّد، تسريع وتيرة الرد على التهديدات العسكرية، تعزيز التنسيق وتقسيم المهام بين الجيش والحرس الثوري وسائر الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الجاهزية الدفاعية للبلاد في ظل التطورات الإقليمية الراهنة”
الأساس القانوني لتشكيل المجلس
تأسيس مجلس الدفاع عن البلاد حسب بيان الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي إلى المادة 176 من الدستور (بصيغته المعدّلة عام 1989)، التي تمنح المجلس الأعلى للأمن القومي صلاحية تشكيل مجالس فرعية مثل “مجلس الدفاع” و”مجلس الأمن الداخلي”.
وينص الدستور على أن يتولى رئيس الجمهورية أو أحد أعضاء المجلس الأعلى رئاسة هذه المجالس، على أن تُحدَّد مهامها بموجب القانون.
تاريخ المجلس
رغم الطابع الجديد للمجلس، إلا أنّ الفكرة ليست مستحدثة؛ إذ سبق وأن تأسّس مجلس مماثل بعد الثورة الإسلامية، تحت عنوان “المجلس الأعلى للدفاع الوطني”، بناءً على اقتراح من وزارة الدفاع آنذاك، ووافقت عليه الحكومة المؤقّتة برئاسة مهدي بازركان.
وتشكّل هذا المجلس من رئيس الوزراء، وزير الدفاع وأحد معاوني رئيس الوزراء، إضافة إلى رئيس هيئة أركان الجيش الوطني وثلاثة من كبار الضباط العسكريين.
وبعد إقرار دستور 1979، أُعيد تشكيل المجلس بإشراف مباشر من القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وفقًا للمادة 110 من الدستور، التي تمنح القائد صلاحية تعيين أعضاء المجلس واقتراح قادة الأفرع العسكرية وإعلان الحرب أو السلام والتعبئة العامة.
ويضمّ المجلس الأعلى للدفاع في نسخته الجديدة آنذاك سبعة أعضاء، هم: رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش، قائد الحرس الثوري واثنان من المستشارين يعيّنهم القائد الأعلى.
الدور الحاسم في إدارة الحرب
لعب المجلس الأعلى للدفاع دورًا مركزيًا خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988). ففي 20 أيار/ مايو 1980، عيّن مؤسس الثورة الإيرانية روح الله الخميني كلّا من خامنئي والدكتور مصطفى شمران كممثلين له في المجلس. وبعد اندلاع الحرب بنحو 20، أوكل الخميني إدارة الشؤون العسكرية للمجلس.
وكان من أبرز أعضاء المجلس آنذاك: الرئيس أبو الحسن بني صدر، رئيس الوزراء محمد علي رجائي، وزير الدفاع العقيد جواد فكوري، نائب رئيس الأركان اللواء ولي الله فلاحی، قائد الحرس مرتضى رضائي وعدد من النواب والمستشارين مثل هاشمي رفسنجاني، محمد منتظري، علي أكبر برورش، مصطفى شمران والخامنئي.
وبعد إقالة بني صدر، تولّى رجائي رئاسة المجلس لمدّة شهر، ثم خلفه خامنئي في تشرين الأول/ أكتوبر 1981 عقب انتخابه رئيسًا للجمهورية.
ومن أبرز قرارات المجلس في تلك المرحلة، المصادقة على خطة فك الحصار عن مدينة آبادان، التي نُفذت لاحقًا بنجاح في تشرين الأول/ أكتوبر 1981.
كما كان للمجلس دور أساسي في رسم السياسات الدفاعية، التعامل مع الوفود الدولية وتوجيه العمليّات العسكرية، قبل أن تنتقل مسؤوليات التخطيط والتنفيذ إلى مقر خاتم الأنبياء المركزي.
من “الدفاع الأعلى” إلى “الأمن القومي”
مع التعديلات الدستورية التي أُقرّت عام 1989، انتقلت صلاحيات المجلس الأعلى للدفاع إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وتحوّلت مواده الدستورية من المادة 110 إلى المادة 176، مع الحفاظ على روح التنسيق الدفاعي والأمني.
في خلفية إعادة إنتاج فكرة سابقة، يرى مراقبون أن المتغيّرات بعد الحرب التي خاضتها طهران مع تل أبيب تفرض عليها تعزيز أدوات الردع والتنسيق بين الأذرع الأمنية والعسكرية، ضمن إطار قانوني وتنفيذي أكثر تكاملًا.

