وزير الخارجية الإيراني يكشف خفايا الحرب.. من قرار التفاوض حتى إعلان وقف إطلاق النار
في خضم التحولات العميقة التي تمرّ بها المنطقة عقب الحرب الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على إيران، برزت إطلالة لافتة لوزير الخارجية الإيراني الدكتور عباس عراقتشي، أحد أبرز الشخصيات الدبلوماسية في إيران خلال العقدين الأخيرين، من خلال مقابلة مصوّرة تطرّق فيها إلى محطات مفصلية في سياق الحرب المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مسلطًا الضوء على حرب 12 يوما التي جرت بين إسرائيل وإيران.
في الحلقة الثانية من البرنامج التوثيقي المعنون بـ”ماذا جرى في الحرب؟”، قدّم عراقتشي رواية دقيقة عن لحظات حرجة كادت فيها المواجهة بين طهران وتل أبيب في وقت سابق أن تنزلق إلى حرب شاملة، كاشفًا عن أبعاد التنسيق بين المؤسستين السياسية والعسكرية في إيران، والدور الحاسم الذي لعبه هذا التنسيق في تأجيل الرد على عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، داخل العاصمة الإيرانية.
وعلى الرغم من مشاركة عراقتشي الحلقة الثانية من هذه السلسلة الوثائقية، التي تتولى مؤسسة “فن الثورة الإسلامية” إنتاجها بهدف توثيق مشاهد الحرب وشهادات كبار المسؤولين الإيرانيين، فقد فاجأ مقدم البرنامج المتابعين بإعلانه لاحقًا عن توقيف البرنامج، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة.
وفي هذا السياق، تقدم “الجادة” لقرّائها نص المقابلة الكاملة مع الدكتور عباس عراقتشي باللغة العربية، بعد أن تم تفريغها من الفيديو وترجمتها بدقة، لإتاحة هذا الشهادة السياسية المهمة أمام قراءها.
السلام عليكم دكتور، نحن منذ سنة تقريبًا كنا نتابع الأمر لنُجري مقابلة معكم حول زمن الحرب وعقد الثمانينيات وتاريخ المفاوضات. أعتقد أن آخر مرة رأينا بعضنا كانت في تشييع السيد حسن نصرالله في لبنان. كنا نرغب في الحديث عن تاريخ المفاوضات في زمن السلم، لكن الآن يجب أن نتحدث عن المفاوضات في زمن الحرب. هناك صورة لكم متعلقة بزمن الحرب رأيتها منذ مدة.
تقصدون الحرب المفروضة من قِبل صدام؟ نعم، كنت في ذلك الوقت عضوًا في الحرس الثوري وشاركت في الحرب، هذا كل ما في الأمر.
الجميع يكونون أولًا في الحرس، ثم يصبحون شيئًا آخر.
نعم، انظر، عندما حصلت الثورة ـ لم أقل هذا الكلام في أماكن كثيرة ولا أحب أن أقوله ـ لكن بما أنك قلت لنتحدث بخصوصية فسأتحدث. عندما حصلت الثورة كان عمري تقريبًا 17 عامًا، وذلك الحماس الذي وُلد حينها في البلاد من قِبل الإمام وانتشر، كنت أنا أيضًا ضمن تلك الموجة وذلك الفضاء وذلك التيار. وبالنهاية، إن قلنا إن الإنسان يدخل الحياة من عمر 16 أو 17 عامًا، فدخولي إلى الحياة كان من خلال التعرف على أفكار وآمال الإمام الخميني، وبنوع من التعلق بها. ومباشرة بعد الثورة، كنت لا أزال طالبًا، أعتقد أنني كنت في الصف الثالث الثانوي في ذلك الوقت. حين جئنا لنأخذ الشهادة الثانوية، اندلعت الحرب، ثم ظهرت الثورة الثقافية التي أغلقت الجامعات لفترة. وكانت الحرب في تلك الأيام، في سنواتها الأولى، في أوج شدتها وحدتها. وشعرت حينها أنه لم يعد جائزًا أن أستمر في حياتي العادية، ولذلك التحقت بالحرس. وعندما دخلت الحرس، أعتقد أنه قد يكون من المثير أن أقول إنني لدي صهرًا (زوج أخت) كان سجينًا سياسيًا قبل الثورة، وكان في زنزانة واحدة مع حسين شريعتمداري (رئيس صحيفة “كيهان” الأصولية)، المهندس أحمد كاشاني. وقلت له حينها إنني أريد الانضمام إلى الحرس، فقال: لدي صديق الآن في المكتب السياسي للحرس، وعرّفني عليه. لم أكن أعرفه حينها، لكنه كان شخصًا يُدعى حسين شريعتمداري. وكانت مقابلتي للدخول إلى الحرس معه.
يعني هو من وافق عليكم في النهاية؟
في ذلك الوقت نعم. لقد دعمني دائمًا. السيد حسين كان دائمًا لطيفًا معي. بالطبع قال كلامه، لكنه يحمل محبة خاصة تجاهي. نعم، دخولي كان من خلاله، ثم في ذلك المكتب السياسي، لأسباب ما، تم نقلي، ودخلت وحدات أخرى في الحرس.
إلى أين ذهبتم؟
كنت في وحدات مختلفة. في النهاية، كنت شابًا نشيطًا ومتحمسًا، نابعًا من أفكار الإمام وقضايا الثورة. وبالطبع، دعني أقول، هذا ما يعرفه الجميع، أنا وُلدت في عائلة تجارية ومن طبقة ميسورة. ليست مرفّهة بشكل مبالغ فيه، لكنها من الطبقة فوق المتوسطة.
كان والدكم تاجر سجاد؟
نعم، والدي كان تاجر سجاد. نحن أربعة إخوة، وأنا الثالث. أخواي الكبيران دخلا سوق السجاد ونجحا، وأخي الأصغر اتجه في نفس الطريق. لقد نشأت في عائلة ميسورة. أقول ميسورة، ليست مثل رفاهية اليوم، بل من مستوى متوسط أعلى. وأتذكر أن أول ليلة قضيتها في الحرس، وبتّ ليلتي هناك، لم أكن أرغب في النوم على تلك البطانيات والوسائد. أتذكر أنني خلعت قميصي وفرشته على الوسادة لأضع رأسي عليه. كان هذا هو الفارق. لكنها كانت فقط الليلة الأولى، ثم تعلّقت بالحرس. وبقيت فيه حتى عامي 1364 و1365 (1985–1986)، ثم دخلت وزارة الخارجية. لا أعدّ تلك السنوات جزءًا من حياتي، كانت سنوات لا تتكرر. ودخولي إلى الحرس عرّفني على كثير من حقائق الحياة والمجتمع.
ماذا؟ (أي حقائق؟)
الآن الحرب وما شابه ذلك في محلّه، لكنني أتذكر أنني يومًا كنت على أحد موائد الطعام في الحرس، ولم تكن أطعمة الحرس على مزاجي كثيرًا، كان ذلك واضحًا، لكنني كنت أتكيف معها. ثم كان هناك رجل بجانبي، لديه زوجة وأطفال، قال لي: لا أرغب في أكل هذا الطعام. سألته: لماذا؟ قال: “لأن الطعام فيه لحم، وزوجتي وأطفالي لا يملكون لحمًا ليأكلوه”. كان هذا غريبًا جدًا بالنسبة لي. يعني، من خلال التعرف على مثل هذه المشاهد، حقًا، لقد جعلني الحرس أتعرف على المجتمع، وتعرفت على أشياء ربما لم أكن أراها كثيرًا في حياتي العادية. وبالطبع، أقول إن والدي كان تاجرًا، لكنه لم يربّنا كأبناء أثرياء. كان يأخذنا إلى السوق في العطل الصيفية، نحن جميع الإخوة، ويضعنا في المتجر ـ ما يُسمّى الحجرة ـ ويعاملنا كعمّال. وعمل السجاد عمل شاق، يجب أن تجمعه، وتبسطه، فيه غبار، عمل ليس خفيفًا. ومع ذلك، أقول إن دخولي إلى الحرس عرّفني على مجموعة من القيم والمبادئ، وعلى واقع المجتمع، وعلى الحرب، وعلى القوة. لأن الحرب هي المكان الذي تشعر فيه بلحمك ودمك أنك يجب أن تكون قويًا في مواجهة العدو، وهذا لا تجده في أي مكان آخر. يعني عندما تتعرض للخطر، حينها فقط تفهم أنه إذا لم تكن قويًا، فستخسر كل شيء. وهذه كانت دروسًا تعلمتها من فترة الحرس. أنا قاتلت العدو في الجبهة، وفي الشوارع ضد معارضي الثورة.
كنتم باختصار ضمن صراعات عام 1981؟
المهم أنني أقول إن النظرة التي منحني إياها الحرس حول مجتمعي، حول الحياة، وحول القوة، هي أن مواجهة الأعداء من أجل الوصول إلى الأهداف والآمال تحتاج إلى أدوات، تحتاج إلى أن تكون قويًا، والضعيف يُداس. هذا درس علّمتني إياه الجبهة والحرب. لكن بعد أن التحقت بكلية وزارة الخارجية، ودخلت ميدان العلاقات الدولية، تعلمت هذا الدرس بشكل أعمق: في العلاقات الدولية، الضعيف مفقود، أصلًا الضعيف يُسحق. إذا كان بلد ما ضعيفًا، فلن يرحمه أحد. لذا يجب أن تصبح قويًا. أنا في الكتاب الذي كتبته عن التفاوض ومبادئه، سمّيته “قوة التفاوض”، وتحدثت فيه أن التفاوض بدون قوة أصلًا لا يُجدي. ثم طرحت نقطة أخرى، وهي أن التفاوض بحد ذاته يمكن أن ينتج قوة أيضًا. يعني عناصر القوة في كل بلد قد تختلف، من القوة العسكرية إلى الاقتصادية، الثقافية، الخطابية، الإعلامية، وكل هذه الأمور. ثم إن التفاوض نفسه يضيف عنصر قوة جديد. الدول التي لديها القدرة على الدفاع عن مصالحها بقوة على الساحة الدولية، والمضي قدمًا، والوصول إلى أهدافها… على أي حال، تلك السنوات القليلة التي قضيتها في الحرس كان لها تأثير عميق جدًا عليّ. وبالطبع، كنت أيضًا طالبًا مجتهدًا، أحب الدراسة كثيرًا. معدلي في الثانوية كان أكثر من 19، وكانت شهادة رياضيات وفيزياء. لا أعلم إن كان لا يزال يُطلق عليها رياضيات وفيزياء أو فقط رياضيات.
لا، لا تزال كما هي.
كنت مهتمًا جدًا في أن ألتحق بالجامعة وأواصل دراستي. لكن جاءت الثورة الثقافية وتم تعطيل الجامعات. وأنا ذهبت إلى الحرس، وابتعدت تمامًا. حتى جاء يوم، قال لي أحد الأصدقاء، وكان من المقربين جدًا لي في الحرس، في تلك الفترة كان يُطلق على من كانوا دائمًا معًا لقب “الثنائي الفني” في الحرس، كنا مثل أخوين، جاء وقال لي إنه رأى إعلانًا في الجريدة أن كلية وزارة الخارجية تستقبل طلابًا. قال: هل تريد أن نذهب؟ قلت: لنذهب، نجرب. كان لها اختبار قبول خاص بها، ولم تكن شهادتها معترف بها من وزارة العلوم آنذاك، كانت داخلية تابعة لوزارة الخارجية نفسها. أنا قُبلت في الدورة الثالثة للكلية. حتى دورتنا لم تكن الشهادة معترف بها. يعني دخلنا كلية وزارة الخارجية بنية خالصة جدًا. أختي الكبرى كانت معلمة لغة إنجليزية، ذهبت إليها وتلقيت دعمًا منها، وكان ذلك مؤثرًا جدًا، لأن اللغة كانت ذات وزن كبير هناك، وقُبلت. لبضع سنوات، إلى جانب دروسي في الكلية، واصلت عملي في الحرس، ثم عندما انتهت الكلية، التحقت رسميًا بوزارة الخارجية. وهذا كان في عام 1368 (1989). لكنني كنت قد التحقت بوزارة الخارجية في عام 1364 (1985). إذا حسبت من عام 1364 حتى الآن، عام 1404، فهذا يعني أنني في السياسة الخارجية منذ أربعين عامًا.
لم تدخلوا وزارة الاستخبارات أبدًا؟
لا
قبل أن تتشكل؟ اذا أنتم دخلتم إلى وزارة الخارجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فاصل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعتقد أن حكومة السيد پزشكيان لم تكن قد تشكلت بعد. يعني السيد پزشكيان لم يكن قد فتح بابه بعد، حين اغتيل الشهيد إسماعيل هنية في طهران. كان هناك نقاش، لأن الرأي العام كان ينتظر تنفيذ “الوعد الصادق 2”. في تلك الفترة، كان النقاش هو أن الحكومة لا تسمح. أنا أريد أن أسأل بصراحة: ماذا كان موقف الحكومة من “الوعد الصادق 2″؟ هل كانت تعارض، تدعم، وما رأيكم أنتم أيضًا؟
انظر، أستطيع أن أقول إن رأيي كان رأي الجميع. لأنه عندما تم اغتيال الشهيد هنية، كان قبلها بيوم قد أدى السيد پزشكيان القسم في البرلمان، لكن الوزراء لم يكونوا قد اختيروا بعد، وأنا لم أكن شيئًا، فقط كنت من ضمن الخيارات المطروحة. لكن في نفس اليوم مساءً، عقد سماحة القائد جلسة، وكما هو معتاد في القضايا المهمة، يعقد جلسات خاصة، وقد دعاني إلى تلك الجلسة.
هل كانت الحكومة أم المجلس الأعلى للأمن القومي أم القادة هم الذين حضروا؟
كان المجلس الأعلى للأمن القومي مع إضافة ما يُسمّى ببعض الأشخاص الإضافيين الذين كانوا يُضافون حسب طبيعة الجلسات عادة، ولكن الجلسة الأصلية كانت جلسة المجلس الأعلى مضافًا إليها عدد من الأشخاص الذين دُعوا لأسباب خاصة، من ضمنهم أنا.
هل كان رئيس الجمهورية حاضرًا أيضًا؟
نعم، الرئيس الجديد، كان حاضرًا. يمكنني القول إنه في تلك الجلسة، كان رأي الجميع هو أن ما تم، لا يمكن أن يبقى دون رد، ويجب أن يكون هناك رد، لكن كان هناك اختلاف في وجهات النظر بين السياسيين والعسكريين حول توقيته وكيفيته، وكان السبب الرئيسي للتردد في توقيته قد طُرح من قبل العسكريين تحديدًا، الذين كانوا يعتقدون بالنسبة لعملية “الوعد الصادق 2″، ولاحقًا نفس الحال بخصوص “الوعد الصادق 3”. كانوا يرون أن تنفيذ العملية يجب أن يتم في وقت نكون فيه متأكدين من قدرتنا على الدفاع عن البلاد بعدها، لأن كل شيء كان متوقعًا، فعندما تريد تنفيذ هجوم بحجم “الوعد الصادق 2″، يجب أن تأخذ في الحسبان أن العدو قد يرد من الطرف المقابل وندخل في حرب شاملة، وهنا كان هناك اختلاف في الرأي: هل يمكن للبلد أن يدافع عن نفسه في حرب شاملة أم لا؟ كان هذا الخلاف موجودًا بين العسكريين أنفسهم وبين السياسيين، وأريد أن أقول إن تلك الجلسة التي كنت حاضرًا فيها، لم تكن جلسة يمكن القول فيها إن العسكريين كانوا في جهة والسياسيين في جهة أخرى، لا، الآراء كانت مختلفة في الجانبين. وفي تلك الجلسة تقرر أن يتم التحضير العسكري للدفاع عن البلد بعد الهجوم المبدئي، وبعد ذلك يتم تنفيذ العملية، وفي ظل هذه الظروف جاءت لاحقًا الأحداث التالية: الاغتيال الجبان للسيد حسن نصرالله، وما جرى في لبنان، وبالتزامن، كانت الاستعدادات اللازمة قد اكتملت، وتوفرت الثقة التي كان العسكريون يريدونها بقدرتهم على الدفاع عن البلاد، ولذلك تم تنفيذ عملية “الوعد الصادق 2”.
ما خلاصة تلك الجلسة أمام القيادة، إلى أي نتيجة وصلت، هل تقرر تنفيذ “الوعد الصادق 2” قبل “الوعد الصادق 2” نفسه؟
تقرر أن يتم تنفيذ “الوعد الصادق 2″، أما بشأن التوقيت، فتم تفويضه إلى الإخوة العسكريين لكي يحصلوا على الجاهزية التي كانوا يريدونها، ثم ينفذوا العملية.
هل كان لدى الحكومة اعتراض؟
لم يكن لدى الحكومة اعتراض.
وأنت، ما موقفك؟
نعم، أنا أيضًا كذلك. بالنسبة لـ “الوعد الصادق 3” كان الأمر مشابهًا. عندما تم طرح “الوعد الصادق 3″، أذكر أنه في إحدى الجلسات، تم النقاش، وأحد الأصدقاء وجّه انتقادًا أو لاحظ ملاحظة، لماذا لا يتم تنفيذ “الوعد الصادق 3″، وكرر كلامك أن رئيس الجمهورية مثلاً لماذا يعارض؟ وأتذكر أنني قلت حينها… حسنًا، دعني أقول، طالما طلبتَ النشر، لا أقول.
سأنشر.
إذن، لن أقول.
لا، تفضل، قل.
في تلك الجلسة، رحمه الله، القائد الشهيد باقري، واجه ذلك الصديق، وقال له: لماذا تقول هذا الكلام؟ أنا مسؤول عن الدفاع عن البلاد، وعندما أتيقن من أنني أستطيع الدفاع عن البلاد أمام تبعات “الوعد الصادق 3″، سأقوم بعملي. ولم أسأل حتى الآن رئيس الجمهورية عن رأيه، لأني من وجهة نظري لم نصل إلى تلك المرحلة بعد. ودافع بقوة عن رئيس الجمهورية، قائلاً: لا، هذا الكلام غير صحيح بأن رئيس الجمهورية يعارض. نحن لم نسأله بعد إن كانت الحكومة مستعدة أم لا. لأن، بعد كل شيء، كان ينبغي على القوات المسلحة أن تعلن استعدادها، ليس فقط للهجوم، بل أيضًا لتبعات الهجوم والدفاع بعده. كما أن الحكومة يجب أن تعلن استعدادها، هل تستطيع السيطرة على أوضاع البلاد، وتوفير حاجات الناس واحتياجات البلاد؟ يجب على الطرفين أن يعلنا استعدادهما.
هل كان هناك تصعيد في الرد؟
عندما أقول تصعيد، لا، لقد واجه فقط وقال: لماذا تقول هذا الكلام؟ لم أسأل حتى الآن رئيس الجمهورية. لأنني أولًا يجب أن أكون أنا مستعدًا. لذا أريد أن أقول هذا.
من كان المقصود؟
كان أحد الأصدقاء، لا الآن، لأنه ربما لا يرضى بذلك. الآن ولاحقا أقول في تلك الجلسة، على الأقل، كان هو الوحيد الذي طرح هذا السؤال.
نعم، أصبح الأمر واضحًا.
لا، ليس هو من تظن. أريد أن أقول: خلال سنة كاملة من مشاركتي في المجلس الأعلى للأمن القومي، لم أشعر أبدًا أن الحكومة في جهة والعسكريين في جهة أخرى. وإذا كان هناك اختلاف في الرأي، فقد كان متزامنًا بين الطرفين، أي بين العسكريين أنفسهم وبين رجال الدولة، والسياسيين والعسكريين. وكان القرار يتم بشكل جماعي، مع مراعاة كل الأبعاد.
ما طبيعة هذه العلاقة؟ ما طبيعة علاقة الحكومة مع العسكريين أثناء الحرب؟
انظر، من الواضح، الحكومة، بمعنى الحكومة، السياسة الخارجية لها وضع خاص، لكن الحكومة مسؤولة عن تأمين حاجات البلاد، ويجب أن تتمكن من القيام بذلك أثناء الحرب. كما هو الحال في حرب الإثني عشر يوم هذه، أعتقد أن الجميع يقر بأن الحكومة قامت بواجبها في تأمين حاجات البلاد. على سبيل المثال، في اليومين الأولين، بسبب الصدمة الناتجة عن الحرب، كان هناك ازدحام على محطات البنزين، لكن تدريجيًا أصبحت الأمور طبيعية. لم تكن محطات البنزين مغلقة بسبب نقص الوقود. في بعض المناطق، مثلًا في الشمال، حدثت بعض النواقص، لكن تم تعويضها فورًا. لم تكن المحال التجارية خالية. دعني أقول لك شيئًا هنا، ربما لم يقله أحد: أنا كنت سفيرًا في اليابان عندما حدث زلزال فوكوشيما الشهير، وعندما ضرب التسونامي وأصاب محطة فوكوشيما، وحدث احتمال تسرّب إشعاعي، رأيت السوبرماركتات في اليابان، كانت فارغة تمامًا. كنت تذهب، فتجد الرفوف فارغة. في حرب الإثني عشر يوم هذه، لا أعتقد أننا واجهنا في أي مكان تجربة أن تدخل محلًا عاديًا وتجد رفوفه فارغة. أحد أقربائنا حكى أنه دخل إلى بقالة، وسأل عن المعكرونة، فقال له صاحب البقالة: سيدي لا تقلق، يوجد منها ما تشاء، خذ ما تريد. الحكومة يجب أن تكون قادرة على توفير ذلك، يجب أن تكون قد استعدّت، وملأت مخازنها، وفكرت مسبقًا باحتمالات النقص التي قد تحدث. أقول لك هنا، ربما لم يُذكر، حكومتنا عندما كانت هناك احتمالية لهجوم، لأنه خلال السنة الماضية، وصلنا أكثر من مرة إلى شفا هجوم وعدنا، وهذا كان بسبب السياسة الخارجية، ودور الحكومة، ودور القوات المسلحة، لكن دون أن ينتبه أحد، قامت الحكومة بعدة مناورات. إذا تم قصف محطة معينة، وانخفض حجم إنتاج الكهرباء، كيف يتم تأمينه من أماكن أخرى؟ أجروا مناورة بالفعل، قاموا بإطفاء المحطة، ثم قالوا: الآن والمحطة مطفأة، لنُوصل الكهرباء إلى طهران، كيف نفعل ذلك؟ وقرروا من أين يجلبونها. أو إذا انقطع الغاز، ماذا يفعلون؟ حاولت الحكومة فعلاً أن تجهّز نفسها. وهذا طبيعي. ولذلك، عندما يراد اتخاذ قرار قد يُدخل البلاد في ظرف خطير، يجب أن تكون الحكومة مستعدة وتُبدي رأيها، كما يجب أن تكون القوات المسلحة مستعدة.
سألت هذا من باب: ماذا لو قالت الحكومة إنها ليست مستعدة للحرب، وإن على العسكريين عدم دخولها؟ أليس هذا عدم تناغم من جانب الحكومة؟
أنا لا أرى الأمر بهذه الطريقة. العسكريون والحكومة ينتمون لدولة واحدة.
انظر، يجب أن تكون كلٌّ من الحكومة والعسكريين مستعدين. إذا قالت الحكومة إن مستودعاتي ـ مثلًا مستودعات القمح ـ فارغة، وإذا بدأت الحرب، فلن أستطيع أن أوفر الخبز للناس لأكثر من يومين، فذلك العسكري الذي لا ينتمي إلى بلد آخر ـ سيوافق ويقول: حسنًا، سأُؤجّل عمليتي لمدّة ما، فاملأ مستودعاتك. هذا يتطلب تنسيقًا وثيقًا، وهو أمر طبيعي تمامًا، كلاهما من نفس الدولة.
وهذا لم يحدث أيضًا.
لم يحدث. الحكومة كانت مستعدة. لكن أريد أن أقول إنه في حالة افتراضية، من الطبيعي أن يكون كلٌّ من العسكري والحكومة من بلد واحد. يجب على العسكري أن يتأكد من أن الحكومة تستطيع الدعم، عذرًا، أن تقدّم الدعم، وعلى الحكومة أن تتأكد من أن العسكريين يستطيعون الدفاع عن البلاد وأن يقوموا بعملهم كما ينبغي. يجب أن تكون الحكومة مستعدة لتوصيل البنزين في الوقت المناسب، والنفط، والديزل، وأن تؤمّن الكهرباء، والمواد الغذائية. هؤلاء كيان واحد. لا أرى مبررًا لتضخيم هذه الثنائية بين الحكومة والقوات المسلحة، أرجو أن لا نعطيها أهمية. افترض هناك عائلة يريدون اتخاذ قرار ما، الأب له مهمة، الأم لها مهمة، والأبناء لهم مهمة، وعندما يكون الجميع مستعدين، ينجز ذلك العمل. خصوصًا إذا كان ذلك العمل قد يؤدي إلى أزمة، أو إلى مرحلة صعبة.
خلال هذا العام، هل حصل أن منعت الحكومة أو أرادت أن تمنع؟ ليس بالمعنى أنها وضعت عوائق، بل أنها قالت “أنا لست مستعدة”؟ أم لم يصل الأمر إلى هذا الحد؟
لا.
أو أنت كوزير خارجية تقول: لا أرى من المناسب القيام بذلك، فأنا أجري محادثات.
لا، انظر، التفاوض هو جزء من قوة الدولة، وهو مكمّل لما يُسمّى بالميدان. والميدان أيضًا مكمّل للدبلوماسية. كل هذه الأمور تُدار بتشاور. قد يحدث في مرحلة ما أن أقول، أنا مثلًا الآن منشغل بعملية دبلوماسية معينة، فأتوجه إلى الحكومة: “أجّلوا هذا الأمر قليلًا”، أو “قدّموا هذا العمل وأنهوه بسرعة، لأنني أريد أن أنفّذ مشروعًا ما”.
لا، أنا سألت بشكل شفاف: هل من الممكن أن تكونوا في خضم مفاوضات أو عملية دبلوماسية، بينما العسكريون…؟
انظر، سأقولها بصراحة، بصراحة تامة. والدتي دائمًا تقول: “هؤلاء لا يسمحون. لو سمحوا، لكان الحرس قد نفذ العملية الفلانية”. يعني والدتي، كمثال، دائمًا تظن أنكم أنتم من يمنع.
ليست والدتك وحدها المشكلة.
بصراحة، أقول إن هذا فيه بعض الجفاء تجاه الدولة وإدارتها. أي أن الإدارة في الدولة يمكن التأثير فيها لدرجة التضحية ببعض الأهداف العليا مقابل آراء بعض الأشخاص؟ لا، الأمر ليس كذلك. أنا، كشخص كان في قلب الأمور، ولسنوات، وخاصة في هذا العام كنت أكثر انخراطًا، أقول: إن اتخاذ القرار يتم بشكل جماعي، وتُسمَع آراء الجميع. أشرتُ إلى جلسات سماحة القائد. ياليت الناس يستطيعون مشاهدة هذه الجلسات بطريقة ما، ليروا أن الجميع يتحدث بكل راحة، يقولون آراءهم، سواء مؤيدين أو معارضين. ليس الأمر كما يُشاع، أن هناك مجموعة دائمًا مؤيدة، وأخرى دائمًا معارضة. لا. يتم التوصل إلى خلاصات، وبناءً على الآراء المقدمة، يقوم سماحة القائد بإجراء التقييم النهائي لتحديد المسار الأفضل للبلاد. وحدث مرارًا أن الرأي في بداية الجلسة اختلف عن نهايتها. لماذا؟ لأن الآراء تم الاستماع إليها. وهذه إحدى ميزات النظام، وأحد نقاط قوّته، أن الآراء تُسمع. نعم، من الطبيعي أن تكون لدى الحكومة، بسبب المسؤوليات التي تُنجَز عادة في أوقات السلم، هواجس أكثر فيما يخص الأزمات، مثلًا: “إذا وقعت الأزمة الفلانية، ماذا سأفعل؟”. والعسكريون، بسبب طبيعة عملهم، حيث يوجد قتال وما إلى ذلك، لديهم جاهزية نفسية أعلى لذلك. لكنني لم أشعر يومًا بأن البلاد وصلت إلى وضع فرض فيه أحد الأطراف إرادته. كما أن العسكريين لم يفرضوا آراءهم أبدًا، وكذلك لم تفعل الحكومة. أنا أعتقد أن إدارة البلاد تُدار بعقلانية ويجب تقدير ذلك.
دكتور…
هل أذكر مثالًا؟
نعم.
مثل قضية وقف إطلاق النار الأخيرة. أنا الذي أعلنته، وبعدها وُجهت لي انتقادات أن عراقجي أعلن وقف إطلاق النار.
والدتي اتصلت بي الساعة السادسة صباحًا، وقالت: “ما الأمر؟ مرة أخرى أعلنوا وقف إطلاق النار من تلقاء أنفسهم!”
بعض الأشخاص قالوا: “لماذا وزير الخارجية هو من أعلن وقف إطلاق النار؟” فقلت لبعض الأصدقاء: ألا يسألون أنفسهم، إذا كان وزير الخارجية هو من أعلن وقف إطلاق النار، فلماذا استجابت القوات المسلحة؟ من الواضح أنهم يتبعون قائدهم. القرار يُتخذ في مكان آخر. قبل إعلان وقف إطلاق النار، تم اتخاذ قرار في المجلس الأعلى للأمن القومي بأنه إذا طلب العدو وقف إطلاق النار بدون شروط مسبقة، فسنقبله.
متى كان هذا القرار؟ في أي يوم من الحرب؟
في أواخر الحرب، في اليوم الثامن أو التاسع. لا بد أنه كان في ذلك اليوم. وكان قرارًا ذكيًا تمامًا، ومن موقع قوة وتفوق. إذا طلب العدو وقف إطلاق النار دون أن يضع شروطًا، فإننا نقبل. لماذا؟ لأننا نحن من تعرّض للعدوان. لم نكن من بدأ الحرب، لم نهاجم أحدًا. كنا ندافع عن أنفسنا. فعندما يتوقف العدوان، ولا يُشترط شيء، فمن الطبيعي أن الدفاع عن النفس يتوقف أيضًا بعض الشيء…
هل صدّق القائد الأعلى على القرار؟
انظر، لا حاجة للقول، كل قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي يجب أن يُصادق عليها القائد، ثم تُبلّغ. دون موافقته لا يمكن أن تُبلّغ أصلًا، ولا يمكن تنفيذها. كان هذا القرار موجودًا. الساعة الواحدة صباحًا، اتصلوا بي وقالوا إن إسرائيل، الكيان الصهيوني، مستعد من الساعة الرابعة صباحًا لوقف الهجمات.
من كان الوسيط في هذا التفاوض؟
لدينا وسطاء من عدة دول يقومون بهذا الدور. فقالوا إنه إذا أوقفت إيران أيضًا، فلن يُتابعوا الهجمات. أما إذا لم توقفوا، فمن الطبيعي أن يواصلوا. من الساعة الواحدة حتى الساعة الثانية والنصف أو الثالثة، كنت أراجع مع الجهات التي يجب أن أراجعها، لأني، رغم أن القرار كان معروفًا، ورغم تحقق الشروط التي حددها قرارنا، كان عليّ أن أتحقق من تحقق شروطنا، وبالطبع يجب على وزير الخارجية التحقق. وعندما حصلت على كل الموافقات، أعلنت الأمر للأميركيين الذين أرسلوا الرسالة. وقلت أيضًا: “نحن لا نقبل وقف إطلاق النار. حتى وقف القتال لا نقبله. لكن إذا لم يهاجمونا، فنحن أيضًا لا ننوي الاستمرار”، بهذا التعبير.
هل كان هذا رأيك أم جزءًا من القرار؟
لا، لأن القرار قال: وقف إطلاق النار بدون شروط مسبقة. لماذا قلتها بهذه الطريقة؟ لأنني كنت أتابع الأخبار لحظة بلحظة، ورأيت أن الطرف الآخر بدأ يروّج لروايات معينة. أنتم تعرفون صناعة الرواية. ترامب كان قد قال: “نعم، إيران وإسرائيل جاءوا إليّ وطلبوا مني أن أصلح بينهما، وأنا فعلت كذا وكذا”. وفي مكان آخر قيل إن إيران وإسرائيل تفاوضتا سرًا، وتوصلتا إلى اتفاق على وقف إطلاق النار. ولهذا، ومن أجل نفي كل هذه الروايات، نظمت الرد الذي أرسلته للأميركيين بهذه الطريقة، وفي الوقت نفسه، نشرت تغريدة في الساعة الرابعة صباحًا. كنت أعلم أن هذه التغريدة قد تسبب لي مشاكل كثيرة، لكنها كانت ضرورية لمواجهة الروايات المقابلة. كتبت: “لم يُجرِ أي طرف أي تفاوض، ولم نقبل بوقف إطلاق النار. القرار سيتخذ لاحقًا. لكن من الساعة الرابعة صباحًا، إذا لم يهاجموا، فنحن أيضًا لن نواصل”. وبهذا، تم تثبيت روايتنا تمامًا، واتضح أن القرارات العليا كانت كذلك فعلًا.
قلتَ إنك تحقّقت من الأمر مع قائد الحرس ومع مكان أخر، مكتب القائد الأعلى؟
نعم.
وتحقّقتَ مع القائد الأعلى أيضًا، لكننا مع ذلك واصلنا.
“واصلنا”
لا بأس، لا داعي الآن.
لا، يجب أن أذكر الموقف الرسمي.
لا، لأني أفهم مقتضيات الحرب، ولا أريد أن أضعك في موقف حرج.
حدث سوء تفاهم بين
أنت من سبّب سوء التفاهم.
بيني وبين القوات المسلحة؟
آه
أنه الساعة الرابعة كانت بتوقيت طهران أم بتوقيت غرينيتش؟ اعتقد الأصدقاء أنها الساعة الرابعة بتوقيت غرينيتش، ولذلك استمروا حتى الساعة السابعة والنصف بتوقيت طهران.
لا بأس، نحن كنا سعداء بذلك.
لا، حدث سوء تفاهم بعد الظهر أيضًا، وقد تم احتواؤه من خلال الاتصالات التي أُجريت. نحن بعد ظهر يوم وقف إطلاق النار، ادّعى النظام (الإسرائيلي) أن إيران أطلقت صواريخ وخرقت الاتفاق، ولذلك أرسلوا طائراتهم للهجوم، وأنا في نفس الوقت اتصلت بهم وقلت…
بمن اتصلت؟
بواسطة الوسطاء الذين لدينا.
هل أجريتَ اتصالًا مباشرًا مع ويتكوف؟
أنا أتبادل الرسائل مع ويتكوف مباشرة.
في زمن الحرب؟
دائمًا، يعني في النهاية هذا تفويض ممنوح لوزير الخارجية. لا يوجد حوار هاتفي، ولا لقاءات مباشرة، لكن هناك تبادل رسائل، بطريقة ما، هي غير مباشرة.
هذا صعب، يعني ترسلونها لشخص آخر، وهو يرسلها عبر تليغرام إلى آخر…
نعم، لكن ذلك لم يعد غير مباشر، غير أن المضمون لا يزال، بشكل خاص، غير مباشر. نحن على منصة افتراضية. هناك الكثير من الأمور… نعم، لدينا تواصل مباشر.
تواصل غير مباشر؟
تبادل رسائل، مثل الرسائل المباشرة، طالما أنها عبر الفضاء الافتراضي.
ما الذي جرى؟ لم أفهم، هل هو مباشر أم غير مباشر؟
تبادل رسائل مباشر، سمّه ما شئت.
حسنًا.
انظر، دعني أكرّر مرة أخرى أمرًا بديهيًا وواضحًا للجميع، ومع ذلك من الضروري التذكير به: الدبلوماسيون في كل بلد يتحرّكون وفق تعليمات محددة. يعني أي دبلوماسي في أي مكان، كل ما يقوله أو يفعله أو يلتقي به، يتم وفق تعليمات، أو كما نقول نحن: “إنستراكشنز” (Instructions). لا يحق لأي دبلوماسي أن يتجاوز تعليماته. إما أن يكون لديه الإذن، فيقوم بذلك، أو لا يكون لديه الإذن، فلا يفعل. لا أقول إن لا أحد من الدبلوماسيين يرتكب مخالفات، لكن القاعدة العامة في عمل الدبلوماسيين هي هذه. أنا هناك أرسلت رسالة إلى السيد ويتكوف مفادها أن إسرائيل تبحث عن ذرائع وتتّهم إيران بخرق الاتفاق، في حين لم يحدث أي خرق. وإذا قاموا بأي خطوة، فإننا سنردّ فورًا وبشكل أشد من السابق. إيران ليست لبنان، كنت أعني أن النموذج الذي طبقوه في لبنان لا يمكنهم تطبيقه في إيران، بأن يخترعوا ذرائع مختلفة ويخرقوا (الاتفاق)، بينما نحن لا نردّ خوفًا من كسر وقف إطلاق النار. لا، أوّل خطوة يخطونها، سنردّ بحزم.
وهذا ما أدى إلى أن ترامب، إن كنت تتذكر، في نفس ظهر يوم الثلاثاء، غرد بتغريدة يقول فيها شيئًا من قبيل “ليعد الطيّارون، لا ترموا القنابل، لا تخرقوا (الاتفاق)”، إلى آخره، وأوقف الإسرائيليين. وهذا بحد ذاته دليل آخر على أن كل شيء كان منسّقًا مع أمريكا منذ البداية، تمامًا كما أن اللحظة التي قرروا فيها إيقاف العملية، أوقفوها.
هناك تصور، دكتور، وهو ليس بعيد عن الواقع كثيرًا. يعني، نحن الذين ننظر من الخارج، هي أنكم كنتم في مفاوضات مع الأميركيين، وفجأة تندلع الحرب. وكأنهم قد خدعوكم، وكأنكم كنتم فعليًا متعلّقين بالأمل بهذه المفاوضات، والبلد كان في حالة من السبات العميق، وفجأة تندلع الحرب. يعني، بعض الناس كانوا يأملون، الصحف خصوصًا التيار الإصلاحي، بأننا نخوض مفاوضات ونتقدّم وما شابه، ثم فجأة تأتي الحرب. هذا كان صدمة لجزء من الناس، ولجزء من التيار الثوري والحزب اللهي، بأنهم قالوا: يا جماعة، لم تكونوا منتبهين، لقد خدعوكم، وكانوا يريدون فعليًا أن يُخرجوكم من حالة التأهّب، ومن حالة الحذر.
من؟
أنتم، الحكومة، والعسكريين حتى.
انظر، عندما تقع الحرب، من يقاتل؟ العسكريون أم الدولة؟
الجميع.
إذن عندما يُتخذ قرار بالتفاوض، أيضًا الدولة كلها تتخذ القرار ويجب أن تنفّذه. القول بأن وزارة الخارجية أو السياسة الخارجية قد خُدعت، هذا غير صحيح، لأنه كان قرار الدولة أن تقوم بعمل ما. بمعنى آخر، هو نوع من الإهانة للدولة ككل. لكنني أقول: هذا لم يحدث. إذا كان هناك أحد في القوات المسلحة أو في داخل الحكومة قد قصّر في أداء واجبه، بسبب المفاوضات، فيجب التعامل معه. لكن وزارة الخارجية قامت بعملها وفق أوامر قيادة النظام.
حسنًا.
النظام قرر الدخول في المفاوضات. وزارة الخارجية هي الجهة المكلّفة بذلك، وهي المسؤولة عن هذا العمل في كل الأنظمة، وكذلك هنا. وأعتقد، خلافًا لما يُقال، أننا لم نخسر شيئًا من تلك المفاوضات، بل استفدنا كثيرًا. ما هي الفائدة؟ أننا أثبتنا حقّنا أمام شعبنا وأمام المجتمع الدولي. لو لم نُجرِ تلك المفاوضات، هل يمكن لأحد أن يدّعي أن الحرب لم تكن لتقع؟ بالتأكيد كانت ستقع، وربما أبكر. فماذا كنا سنقول وقتها؟ كنا سنقول لأنفسنا: ليتنا فاوضنا لنتجنّب الحرب.
لماذا كان الشعب في وقت الحرب متّحدًا ومنسجمًا؟ لأنه رأى أن نظامه فعل كل شيء من أجله، حتى دخل في مفاوضات. الطرف الآخر هو من كان مستعدًا للحرب منذ البداية. لو لم نفاوض واندلعت الحرب، لقال الناس: لماذا لم تفاوضوا؟ أما الآن، فقد وقفوا خلف النظام وخلف الحكومة، لأنهم رأوا أن النظام لم يُقصّر في محاولة تجنّب الحرب. المجتمع الدولي كان لديه نفس الشعور تمامًا. منطقنا كان قويًا تمامًا. والدليل هو أنه قبل أيام فقط، رصد الشباب لدينا أن أكثر من 120 دولة دعمتنا وأدانت الهجوم على إيران. حركة عدم الانحياز أدانت، منظمة التعاون الإسلامي أدانت، في المنطقة مجلس التعاون الخليجي أدان، الجامعة العربية أدانت، الاتحاد الأفريقي أدان، بريكس أدان، شنغهاي أدانت. لماذا؟ لأن الجميع اعتبر إيران على حق. إيران كانت تفاوض. طبعًا، مجلس الأمن لأسباب نعرفها لم يفعل ذلك، وكذلك مجلس الحكّام، بسبب تأثير الغرب عليهما، كان لهما موقف مختلف. لكن أريد أن أقول إن المجتمع الدولي وقف معنا وأدان الهجوم، وكان أحد أسبابه أننا لم نُقصّر دبلوماسيًا.
والآن أيضًا الأمر كذلك. انظر، الدبلوماسية والتفاوض من أدوات ممارسة القوة. حتى الآن، هناك من يقول: “أنت ذاهب للتفاوض لتُخدع مجددًا”. أقول: التفاوض ليس خدعة. حسنًا، لا تُخدع. إذا ذهبت أنا إلى التفاوض، أنا، وزارة الخارجية، فمهمّتي هي التفاوض. إذا ذهبتُ، فلا يحق لمن يجلس خلف منظومة الدفاع أن يترك عمله. لماذا يعتمد عليّ؟ عليه أن يقوم بعمله. القوات المسلحة، والحكومة، والجميع يجب أن يقوموا بواجباتهم. لا ينخدعوا. إذا اعتقدوا أن التفاوض خدعة، فليحذروا…
كان يبدو أن الحكومة لم تكن في حالة تأهّب حربي أصلًا عندما كنتم في المفاوضات.
لا، أبدًا. أولًا، الحكومة لا ينبغي لها أن تتأهب للحرب، القوات المسلحة هي التي يجب أن تفعل ذلك، وقد فعلت. وكان على الحكومة أن تستعد للحرب، وقد فعلت. لم تكن هذه أول مرة. بعد استشهاد هنية، وبعد عملية “الوعد الصادق ۲”، وبعد سقوط سوريا، وبعد انتخاب ترامب، على الأقل ثلاث مرات اقتربنا من حافة الحرب، وكانت الحكومة مستعدة، وكانت القوات المسلحة مستعدة، وكانت السياسة الخارجية أيضًا ـ إن كنتم تتذكرون ـ ما الذي فعلناه في المنطقة وخارجها. وبالنهاية، تمكنا من خلال الدبلوماسية، وخلق مزيج من الخوف والرجاء في المنطقة، أن نمنع حربًا شاملة. الحرب التي وقعت الآن، الجميع كان يتوقع أن تقع بعد “الوعد الصادق ۲”، لأنه بعد تنفيذنا لـ”الوعد الصادق ۲”، قال الإسرائيليون إن ردّنا سيكون مؤلمًا، وما شابه من تعابير.
كان هذا هو التعبير بالفعل.
نعم، هذا هو التعبير بالضبط. حسنًا، أنا ذهبت حينها إلى المنطقة، ربما إلى 16 أو 17 دولة خلال بضعة أيام.
بأي هدف؟
بهذا الهدف: أن تتمكن الدبلوماسية من منع الحرب. كانت قواتنا المسلحة مستعدة، لكن الدبلوماسية كان يجب أن تؤدي دورها أيضًا. دعني أقول هذا، ثم أعود: الدبلوماسية دائمًا هي الطريق الأقل خطورة والأقل كلفة لتحقيق الأهداف. قد تصل إلى أهدافك عبر الحرب والقوة العسكرية، لكن ذلك طريقٌ خطر ومكلّف. ولهذا، الدبلوماسية دائمًا لها الأولوية. إذا لم تنجح الدبلوماسية، تُطرح خيارات أخرى. فلنحتفظ بهذا المفهوم. في تلك المرحلة، كانت مهمة وزارة الخارجية أن تمنع الحرب دبلوماسيًا، وقد فعلنا ذلك عبر خلق الخوف والرجاء في المنطقة. أوصلتُ هذه الرسالة إلى جميع دول المنطقة: إذا اندلعت حرب بين إيران وإسرائيل، فلن تبقى محصورة بينهما. ليس لأننا سنقاتل الآخرين، بل لأن إسرائيل ستبذل كل ما في وسعها لإقحام أمريكا في هذه الحرب. وإذا دخلت أمريكا في الحرب ـ والتعبير الذي استخدمته مع بعض زعماء المنطقة كان ـ أننا لا يمكن أن نضرب أميركا مباشرة، لكن، والحمد لله، والحمد لله كررتها، لديهم ما يكفي من القواعد في المنطقة، والتي، للأسف، تقع على أراضيكم، وليس لدينا خيار سوى أن نضرب القواعد الأميركية للدفاع عن أنفسنا. وحصل بعض سوء الفهم، ظنوا أننا نهددهم، فقلت لهم: لا، نحن لا نهددكم، أنتم إخوتنا.
نضرب أرضكم.
لكن نضرب القواعد الأميركية، والتي ـ للأسف ـ موجودة على أراضيكم. نحن لا نستهدف أرضكم، بل نستهدف أميركا. ثم قالوا: لا ندري ماذا ستضربون؟ ما هي المنشآت؟ فقلت: إن قدراتنا الصاروخية قادرة تمامًا على الرد بالمثل على أي شيء يفعلونه. وهذا الأمر ثبت في حرب الإثنى عشر يومًا هذه. حسنًا، في المرحلة التي أعقبت “الوعد الصادق ۲”، عندما كانت إسرائيل تتوعّد بهجمات مؤلمة، لعبت دبلوماسيتنا الإقليمية، واستعداد قواتنا المسلحة، وقدراتنا الصاروخية، واستعداد الحكومة، كلّها مجتمعة دورًا. لا أقول إننا وحدنا، لكننا أدينا دورنا أيضًا. وقد أدى ذلك إلى أن إسرائيل قامت بهجوم محدود في تلك الفترة، وتم تجنّب خطر حرب شاملة. بعد قضية سوريا، تصاعد التهديد بالحرب من جديد. ثم، في مرحلة ما بعد انتخاب ترامب، وقبل أن يتسلم منصبه في البيت الأبيض ـ كان هناك شهران تقريبًا من الفراغ ـ قالوا إن هذا الفراغ في السلطة قد يستغله نتنياهو. وكان تقييم قواتنا المسلحة في ذلك الوقت أن احتمال الحرب يصل إلى 80%، وكانت الاستعدادات كاملة. لقد اقتربوا من حافة الحرب ثلاث مرات على الأقل. وأتذكر جيدًا أن التقدير في جلسات المجلس الأعلى للدفاع كان أن احتمال الحرب يبلغ 80%. لذا، لم يكن هناك غفلة، بحيث يُقال إننا غفلنا بسبب المفاوضات، لا.
أنتم في تلك الجلسات الخمس، ماذا كنتم تطلبون فعلًا من المفاوضات؟
الدفاع عن حقوق الشعب الإيراني.
لا، ما الذي كنتم تتوقعون أن تحققوه؟ وكم كانت درجة الأمل لديكم؟
انظر، نحن سبق أن خضنا تجربة وتوصلنا إلى اتفاق، حيث قامت إيران ببناء الثقة بشأن برنامجها النووي، وتم رفع العقوبات في المقابل.
تقصدون الاتفاق النووي؟
الاتفاق النووي.
منطق الاتفاق النووي كان هذا. رغم أنه في التطبيق كانت هناك مشاكل، لكن كان هذا منطقه
نعم منطقه
في مناسبة اخرى يمكن بحثه من حيث التطبيق
نحن لان نريد أن نخوذ في هذا الآن
لا يوجد أي ضرورة لذلك.
لكن منطق الاتفاق النووي كان أن تقوم إيران ببناء الثقة حول برنامجها النووي، لا أن توقفه، بل بناء الثقة فقط. تقبل بقيود مؤقتة ومحددة زمنياً، وفي المقابل تُرفع العقوبات النووية المرتبطة بالبرنامج النووي. حسنًا، عندما أبدى ترامب في ولايته الثانية رغبته بالتفاوض حول برنامجنا النووي، قلنا: نحن مستعدون، تعال نستخدم نفس المنطق. نحن لسنا بصدد صنع سلاح نووي، نحن متأكدون من ذلك، ولدينا فتوى تحرّمه. وقلنا: إذا كان هدف المفاوضات هو ضمان عدم سعي إيران لصنع سلاح نووي، فنحن مستعدون، سنبني الثقة. لن نُغلق البرنامج، لن نوقف شيئًا، لكن نبني الثقة: رقابة أكبر، تفتيش أوسع، أو نقبل ـ مثلاً لفترة مؤقتة ـ أن يُخفَّض تخصيب اليورانيوم إلى نسبة معينة، لا مشكلة في ذلك. في المقابل، يجب رفع العقوبات. دخلنا المفاوضات، قالوا: نحن مستعدون لرفع العقوبات، وما إلى ذلك، لكن يجب وقف التخصيب. نحن وقفنا بحزم.
الدولة الوسيطة، وغيرها ممن حاولوا حلّ الموضوع، قدّموا اقتراحات وسطية. إذا كانت أمريكا تقول “تخصيب صفري”، ونحن نقول “نعم للتخصيب”، فقدّم البعض حلولًا وسطًا، لكنها لم تفلح. إن كنت تتذكر، في وقت ما طُرحت فكرة “الكونسورتيوم”، كحل وسط. لم يكن هو الحل المثالي بالنسبة لنا، لكنه كان يمكن أن يكون طريقا للحل. لكنهم هم لم يقبلوا الكونسورتيوم.
أن يُرسلوا إلينا اليورانيوم المخصب، ونحن نخرجه من البلاد؟
لا، بل يُشكَّل كونسورتيوم من إيران وعدة دول أخرى، ليتولّى التخصيب داخل إيران. من وجهة نظرنا، الكونسورتيوم كان يعمل على أرضنا، وتحت سيادتنا، وكان ملكيته مشتركة، لكن السيادة لإيران. أما من وجهة نظرهم، فكان الكونسورتيوم هو من يخصّب، وليس إيران، وإيران مجرد شريك.
مثل حيلة شرعية، مثلًا؟
نعم، حيلة شرعية على الطرف الآخر.
على الطرف الآخر؟
نعم. لأن الكونسورتيوم كان على أرض إيران، يعني تحت سيادتها. هذا أيضًا لم ينجح. لم يقبلوه. وفي هذه الجلسات الخمس، كنا نحاول أن نجد حلولًا وسطًا. وهذه خاصية الدبلوماسية أساسًا، أن تجد طرقًا مختلفة. لكن عندما وصلوا إلى نتيجة أنهم لا يستطيعون تحقيق أهدافهم عبر التفاوض، اتجهوا نحو الخيار العسكري. من وجهة نظرنا، هذا طبيعي. قلت إن الدبلوماسية طريق أقل كلفة وأقل خطرًا. عندما رأوا أنهم لا يستطيعون نيل مبتغاهم بهذه الطريقة، اختاروا طريقًا آخر، ولم يصلوا إلى هدفهم. يجب أن أقول: لكنه كلّفهم أكثر أيضًا.
إذا كنا قد قبلنا بعدم تخصيب اليورانيوم، لما وقعت الحرب.
إذا كنا قد قبلنا بالتخلّي عن التخصيب، نعم، على الأقل في هذه المرحلة لم تكن لتقع، لكن على الأرجح كانت مطالبهم المبالغ فيها ستستمر في المرحلة التالية. انظر، التراجع أمام الغربيين ليس مجديًا إطلاقًا، ليس هو الحل. الغربيون أناس… الآن دعني أجد لهم كلمة دبلوماسية.
لا، قلها بلغة السوق، قلها بلغة أولاد السوق.
هم…
هل تريد أن أقولها؟
نعم، قل أي كلمة سيئة تخطر ببالك.
كثير بيجي على بالي، أنا ابن المناطق الشعبية.
يعني أنا من هذا النوع، وإذا تراجعتَ أمامهم فلن يرحموا. يجب الصمود، هذا واضح تمامًا. حسنًا، النقاش هناك… أولًا، التخصيب كان في حد ذاته ذا قيمة بالنسبة لنا، لا يمكن التنازل عنه، والآن أيضًا لا يمكن. الآن وقد قاتلنا من أجله، حاربنا 12 يومًا من أجله، فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نتخلّى عنه. لكن حتى لو قررنا أن نتخلى عنه، لم يكن معناه أن… مثلًا أنهم سيتوقفون عن مطالبهم.
لا، لأنني أقول: بعض الإصلاحيين يقولون لِنَتخلَّ عن اليورانيوم المخصّب لكي نحافظ على إيران، لأننا إذا لم نفعل فستندلع الحرب، ولن تبقى إيران أصلًا لكي ينفعها يورانيوم مخصب في المستقبل.
حسنًا، وماذا عنّا؟
أنا أريد أن أقول: إذا تخلّينا عن اليورانيوم وتخصيبه، هل ستحلّ المشكلة؟ قل لي بصراحة، هل ستحلّ المشكلة؟
المشكلة بين الجمهورية الإسلامية والغرب لا تُحلّ أبدًا. أنا قلت هذا في البرلمان أثناء التصويت على منحي الثقة، لأنهم سألوني عن رأيي، وقلت إن العداء بين أميركا وإيران لن ينتهي أبدًا، ما دامت أميركا هي أمريكا، والجمهورية الإسلامية هي الجمهورية الإسلامية، هذا العداء موجود. لن تُحلّ المشكلة بيننا، لكن يمكن إدارتها. أي أن لدينا مشكلة لا تُحل، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن ندفع أي ثمن. إذا كان بالإمكان السيطرة على الأثمان وتقليلها، فلماذا لا نفعل؟ والاتفاق النووي، من وجهة نظري، كان محاولة في هذا الاتجاه، أن ندير الخلاف النووي بين إيران والغرب بطريقة تُحمّل البلاد كلفة أقل، وتخفف العقوبات. والآن أيضًا، إذا كان بإمكاننا فعل ذلك، فسنفعل. إذا كان بإمكاننا إدارة مصالح البلاد بطريقة تؤدي إلى منافع أكثر وتكاليف أقل، فسنفعل ذلك. لكن إذا كان الثمن هو الاستسلام، فلا، لن نفعل. إذا كان الثمن هو التخلّي عن أهداف البلاد ومبادئها، فلا، لن نفعل. إذا علمنا أن هذا التنازل هو تمهيد لتنازلات أخرى لاحقة، فلن نقوم به. انظر، كل عملية تفاوضية في أي وقت تُدرس حسب الظروف، إن كانت مناسبة نُقدم عليها، وإن لم تكن مناسبة لا نُقدم.
دكتور، يبدو أن نغمة الحكومة في المفاوضات هي نفسها، بنفس الأسلوب، كما كانت في وقت السلم. حسنًا، مرة أخرى والدتي…
الآن تقول هذا؟
نعم، أنا أقولها الآن. مرة أخرى، والدتي، ربما تفكر بهذه الطريقة: يا رجل، لقد اندلعت حرب، حرب دامت 12 يومًا. بعد 40 سنة، رأينا طائرات إسرائيلية في سمائنا، أطلقنا النار، لقد انكشفت الأمور بيننا، لكن يبدو أن أسلوب الحكومة في المفاوضات ما زال كما هو قبل الحرب. كأنها لم تدرك أن حربًا وقعت، وأن دبلوماسية السلم انتهت، والآن نحن في دبلوماسية حرب. هل الحرب انتهت برأيك؟
لا، هناك وقف إطلاق نار.
حسنًا، وقف إطلاق نار، هذا مع إسرائيل، ولا يوجد أي ضمان. لكن يبدو أن أسلوب الحكومة وخطابها وكلامها ما زال بأسلوب ما قبل الحرب. إسرائيل التي كانت تسعى لضرب المجلس الأعلى للأمن القومي، وتسعى لضرب الرئيس والمسؤولين الآخرين، هل هذا الأسلوب مجدٍ الآن للحديث عن التفاوض؟
للأسف، لا يمكنني الدخول في كثير من التفاصيل، لا الوقت يسمح، ولا من المناسب. لكن هناك مبدأ عام: المصالح العليا للبلاد هي التي تحدد ما الذي يجب فعله، لا المشاعر أو الانفعالات. هل الأصل هو مواصلة الحرب؟ أم التفاوض؟ أم الصمت؟ لا حرب ولا تفاوض؟ ما الذي تقتضيه المصلحة؟ هذا هو ما يحدد ما الذي يجب فعله. إذا اتخذت قرارًا غير حكيم ـ تفاوضتَ حيث يجب أن تحارب، أو حاربتَ حيث كان ينبغي التفاوض ـ فإن البلاد قد تتكبد خسائر لا يمكن تعويضها. لذلك، دون أن أحكم الآن على أي من هذه الأمور، أريد فقط أن أقول هذا المبدأ: إن سلوك النظام خلال الأربعين عامًا الماضية، برأيي، أثبت أن ما يحدد الفعل في كل مرحلة هو المصالح العليا للبلاد.
أجبتَ بطريقة دبلوماسية جدًا. أعلم أن الأمر يتعلّق بالمصالح العليا، لكن ما هي هذه المصالح العليا؟ أنتم تقولون هذا هنا، وفي الطرف الآخر الشباب الحزب اللهيون، المجتمع الديني، النواة الصلبة، أيًا كان اسمهم، يقولون: السيد خامنئي قال إن هذه المفاوضات غير شريفة، ومع ذلك بدأت الحكومة المفاوضات. إذا كانت هذه هي المصلحة العليا، فهذا مخالف لها. فمن أين نعلم أن ما يجري الآن ليس مخالفًا أيضًا؟
انظر، تلك المفاوضات التي قال فيها سماحة القائد حينها إنها غير شريفة، لم يجرها أحد. مرت تلك المرحلة. كل مرحلة تختلف.
يعني بعد 20 يومًا أصبحت شريفة؟
انظر، الحكم ليس بيدي ولا بيدك. عندما كتب ترامب رسالة إلى سماحة القائد… حسنًا، قبلها كانوا قد نفذوا سياسة الضغط الأقصى، وبدأوا بالتهديد، وأضافوا قوات عسكرية إلى المنطقة، وجلبوا طائرات جديدة وما إلى ذلك، لكي يكون تهديدهم جديًا، وليس تهديدًا فارغًا. ثم كتب ترامب رسالة قال فيها: هناك خياران، الحرب أو التفاوض، وأنا اخترت التفاوض، تعالوا نتفاوض. إذًا، كان هناك تهديد، لكنه دعا أيضًا للتفاوض. بهذه الطريقة، وضعونا أمام خيارين: إذا تفاوضنا، فالمفاوضات كانت تحت الضغط، غير شريفة.
غير شريفة.
وإذا لم نتفاوض، فإن المجتمع الدولي كان سيديننا بأننا فررنا من الدبلوماسية. كان سيُقال: لماذا لم تقبلوا اليد الممدودة؟ كان يمكن أن تحققوا أهدافكم عبر التفاوض. يقولون مثل هذا الكلام. “تفاوضوا، ربما تصلون إلى ما تريدونه”. حسنًا، من دبر الموقف حينها؟ سماحة القائد بنفسه، قال: سنتفاوض، ولكن بشكل غير مباشر.
إذًا، هذا هو رأي السيد خامنئي؟
نعم، التدبير تدبيره هو. قال: نتفاوض، لكن بشكل غير مباشر. ما معنى ذلك؟ يعني أنا أُجري المفاوضات، لكن ليس على الملعب الذي حددته أنت. أنا أحدد الملعب. أنت تقول: “تفاوض”، وتريد أن تمارس الضغط وتجلس هنا، وتُملي عليّ مباشرة؟ لا. المفاوضات غير مباشرة. نُجريها على الأرض التي نُحددها نحن. الوسيط كان عمان، والرسالة أُرسلت عن طريق إحدى الدول. نحن قلنا: نتحدث عبر عمان، بشكل غير مباشر. والدليل هو أن الأميركيين احتاجوا أسبوعين لقبول ذلك. لأنهم إذا قبلوا، فعليهم أن يأتوا إلى الملعب الذي حدده القائد. لقد وضعونا أمام خيارين، والآن نحن وضعناهم أمام خيارين: إذا قبلوا المفاوضات، فعليهم أن يأتوا بشروطنا، وإذا رفضوها، فهم من يُتهم برفض الدبلوماسية. نحن قلنا: تعالوا نتفاوض، لكن بشكل غير مباشر. والمفاوضات غير المباشرة ليست أمرًا غريبًا. كثير من الدول تتفاوض بهذه الطريقة. الآن، إسرائيل وحماس تتفاوضان بشكل غير مباشر، عبر مصر وقطر وأميركا. هناك أمثلة كثيرة. إذًا، الأميركيون وُضعوا أمام خيارين، وبعد أسبوعين، رضخوا، وقالوا: حسنًا، نُجري مفاوضات غير مباشرة. وكما قلت، لم نخسر من هذه المفاوضات غير المباشرة، بل جعلتنا أكثر وحدة في وقت الحرب، وأثبتت حقّنا، وقدّمنا للعالم الحجّة. لذلك، ليس شرطًا أن تنجح المفاوضات لكي تعتبر ناجحة. أحيانًا، مجرد المفاوضات تُحقّق مكاسب. نحن قمنا بهذا، ورأينا فائدته. أما هم، فعندما لم يحققوا أهدافهم من التفاوض، لم تكن المفاوضات خدعة، بل لأنهم لم يصلوا إلى ما يريدونه فيها، لجؤوا إلى الخيار العسكري. ولو كانوا قد وصلوا إلى أهدافهم، لما احتاجوا إلى الخيار العسكري.
يعني كانوا يعتقدون أن هذا من طرفكم كان مجرد تكتيك، لأن ترامب يبدو أن هذا تكتيكه: يومًا يقول تفاوض، ويومًا يقول تعالوا.
هؤلاء الذين واجهناهم في المفاوضات، كانوا قد جاؤوا ليأخذوا التخصيب الصفري منّا. في المفاوضات كانوا يهددون، وفي المفاوضات كانوا يحاولون الإغراء. نحن لا استجبنا لتهديدهم ولا لإغرائهم، لماذا؟ لأن ذلك من الحقوق الأساسية للشعب.
ما هدفكم الآن من مواصلة المفاوضات؟
الآن أيضًا، إن بدأت المفاوضات، فهدفنا واضح. أولًا دعني أسألك سؤالًا: هل انتصرنا في هذه الحرب الأخيرة أم خسرنا؟
أعتقد أنها كانت تعادلًا، واحد لواحد. يعني هم ضربوا ونحن ضربنا. لكن الواحد الذي معنا ليس كالذي معهم. نحن موجودون، وهم موجودون، والعالم كلّه.
انظر، نحن قاومنا أمام جيشَين نوويَّين، جيشَين من أكبر جيوش العالم، وبدعم من جيشَين نوويَّين آخرين. صمدنا، ولم يحققوا أيًّا من أهدافهم. كانوا يظنون أن الناس سينزلون إلى الشوارع، أو أنّ منظومة القوات المسلحة لدينا ستنهار… في الواقع، نحن بهيبة صمودنا هزمناهم. حسنًا، سؤالي كان هذا، وأنت تقول تعادل، وأنا أقول إننا انتصرنا.
لا، أنا لا أرى “الواحد” الخاص بنا مساويًا لـ”واحدهم”، بل أراه أعلى بكثير.
أحسنت. حسنًا، متى يتفاوض الإنسان؟ عند الهزيمة أم عند الانتصار؟
الهزيمة لا تتيح التفاوض، الهزيمة تعني الاستسلام.
بالضبط. في وقت الهزيمة، إن ذهبت للتفاوض، فهذا يعني الاستسلام. نعم، لكن في وقت النصر، عندما يكون علمك مرفوعًا، يجب أن تذهب للتفاوض، لتطرح مطالبك، لأن في نهاية كل حرب، تُنظّم الترتيبات بالحوار، لا تُنظَّم بالمدافع والبنادق. لذلك، أنا أتعجّب ممن يقولون: لماذا التفاوض؟ يا رجل، لأن علمنا مرفوع، ولأننا أظهرنا للعالم قوّتنا، فلماذا لا نذهب للتفاوض؟ طبعًا، نحسب الحسابات: أي تفاوض، بأي شكل، وأين، وبأي موضوع، إذا كان لمصلحتنا نُقدم عليه، وإذا لم يكن، لا. الأمر واضح جدًا.
لكن برأيي، مثل إسرائيل… دعني أقول هذا، الشباب يقولون: لقد تأخّر الوقت، عذرًا…
عذرًا، كم الساعة؟
ما زال هناك وقت، وإذا تجاوزنا بدقيقتين أو ثلاث، فلا بأس.
قل كم…
لا، لا أستطيع قولها.
برأيي، دكتور، هو أن إسرائيل تعتقد أنها في موقع 31 من شهر شهريور 1359 (أي بداية الحرب مع العراق)، وتظن أنها خلال أسبوع يمكنها أن تُخضع الجمهورية الإسلامية. هذه هي النقطة. طالما أنها تظن أنها في هذا الموقع، فهي لن تتفاوض.
لا، هي ليست في هذا الموقع. كانت تعتقد ذلك، لكنها هُزمت. كانت تظن أن القضية ستنتهي خلال أسبوع، وقالت: سأضرب قادتهم، وسأضرب مخازن صواريخهم، ومداخلهم ومخارجهم، ولن يبقى لهم شيء. ستنهار القوات المسلحة، لأن لا قادة لها، ولأن مواقعها الأساسية ضُربت. ثم الناس الغاضبون سينزلون إلى الشوارع، وستنهار المنظومة… حسنًا، هذا لم يحدث. نحن، في غضون ساعات قليلة، استبدلنا القادة، وبدأنا ردود الفعل بسرعة، وبدأنا هجماتنا المضادة. ثم الناس الذين كانوا يتوقّعون شيئًا ما، اصطفوا خلف النظام، وقد شرحتُ أسباب ذلك سابقًا. حسنًا، من طلب وقف إطلاق النار؟ إسرائيل، وبأي شرط؟ لا، دون شرط. قالوا: يا رجل، بالله، كما أقولها أنا، الساعة 4 صباحًا، “سأقف، قف أنت أيضًا”.
لكننا لم نتوقف. الساعة 4 صباحًا، أطلقنا النار.
حسنًا، لنفترض أن الساعة كانت السابعة والنصف صباحًا، لا فرق. في النهاية، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار، نعم تريد أن تقول إن الضربة الأخيرة نحن وجهناها، نعم، فعلناها.
وهذا كان مهمًّا.
اسألوا أحدًا آخر عن ذلك، لا وزير الخارجية. دعوني أعطي رأيي: يجب أن تعلموا أن العدو هو من طلب وقف إطلاق النار، نحن من صمدنا، ونحن المنتصرون الحقيقيون. استطعنا أن نفرض إرادتنا. حسنًا، لماذا تعتقد أنه لا يمكننا فعل ذلك على طاولة المفاوضات؟ هذا التعبير معبّر جدًا برأيي: عندما يكون علمك مرفوعًا، يجب أن تذهب للتفاوض. عندما يكون علمك ساقطًا، لا. أما الآن، فنحن رافعو الرأس، أصواتنا عالية، والعالم أنصفنا. إذًا، الآن هو الوقت المناسب للتفاوض.
هل تعتقدون أن الطرف الآخر تراجع عن موقفه؟
يُعرف ذلك في المفاوضات. إن لم يتراجع، فلن نقبل. إن تراجع، نعم. أكرّر مرة أخرى: التفاوض والدبلوماسية طريقٌ أقل خطرًا وأقل كلفة لتحقيق الأهداف. إذا أمكننا تحقيق الأهداف عبر هذا الطريق، فسنمضي فيه، لأنه أقل خطرًا وأقل كلفة من الطرق الأخرى. نحن لا نتنازل عن حقوق الشعب الإيراني في أيّ ظرف. لم نتنازل عنها في الحرب، ولن نتنازل عنها في التفاوض.
حسنًا.
لكن، إذا استطعنا تأمين حقوق الشعب الإيراني، أو على الأقل، نُظهر في المفاوضات للعالم أن الجمهورية الإسلامية دولة منطق، دولة حكمة، دولة حوار. نحن لا نهرب من طاولة المفاوضات. متى تركنا طاولة المفاوضات؟ نحن لدينا منطق، لدينا كلام، ونعرف حقوقنا، وندافع عنها. لماذا نترك الطاولة، ليُقال إنهم خافوا؟ أو أنهم لا يملكون الحجة؟ أو أن لا منطق لديهم؟ لكنني أكرّر مرارًا: حساب الكلفة والمنفعة. هل التفاوض في هذه اللحظة، في هذا المكان، مع هذا الطرف، وفي هذا الموضوع، لصالحنا؟ المصالح هي التي تحدد. لا تقولوا: لقد حاربونا، لن نتحدث معهم. لا. إذا لزم الأمر أن نطالب بحقوقنا، فسنطالب بها. وكل من يستطيع أن يحصل على حقنا، سنتحدث معه، بشرط ألا تكون لذلك كلفة إضافية علينا.
عندما يصعب التواصل المباشر مع القائد الأعلى، بيد مَن زمام القيادة الآن؟
من قال إنه لا يوجد تواصل؟ بل موجود. في الواقع، هذه هي ميزة قيادتنا. القيادة في الميدان. أنا، كوزير خارجية، أشهد بذلك. القيادة كانت حاضرة. لا أريد أن أقول إن كل شيء… لأن البعض يريد أن يتكسّب باسم القيادة. لا. أنا رأيت القائد بعيني خلال هذه الأيام الـ12. كان مُشرفًا على كل شيء، مسيطرًا على كل شيء، سواء في الجانب العسكري أو السياسي. والإدارة التي قام بها في ظل هذا الهجوم الوحشي المستمر 12 يومًا، ليست بالأمر السهل. ثم أميركا تصل إلى قناعة بأنها يجب أن تتدخل بنفسها لتُنهي الحرب. وهي تدخلت، ومع ذلك، لم تُحقق ما أرادت. لأنهم كانوا يعلمون، حتى لو دمّروا “نطنز” و”فردو” تمامًا، فلن يحققوا هدفهم. لأن التكنولوجيا موجودة في إيران. والتكنولوجيا لا تُدمّر بالقنابل. إذا دمّرتَ المباني، تُبنى من جديد. إذا دمّرتَ الآلات، تُصنع من جديد. والكوادر البشرية لسنا فردًا أو اثنين فقط، سنُدرّب مجددًا، وسنبقى. نحن بالتأكيد موجودون. العلم والتكنولوجيا التي توصلنا إليها لم نستوردها من الخارج، كي تُمحى بالقصف، فإذا قصفوها، لا يعني أننا فقدناها. كانوا يفهمون أنها لم تُمحَ، وأنها باقية في مكانها.
دكتور، سؤالي الأخير. أوصلك على الدراجة، أوصلك إلى اجتماع مجلس الوزراء في ثلاث إلى أربع دقائق، الساعة الآن الثانية وثمانٍ وثلاثون دقيقة. لقد اتصلوا بك أيضًا بخصوص الاغتيال وهذه الأمور، لأنهم قالوا إنهم اتصلوا بالكثيرين.
الكثيرون؟ أنا سمعت من شخص واحد فقط أنه قال إنهم اتصلوا به، لكن لم يتصل بي أحد عبر الهاتف، فقط كانت هناك بعض التهديدات مكتوبة في المواقع.
تهديدات ماذا؟
كان هناك موقع إسرائيلي، لا أدري ما هو، ليس مهمًا بالنسبة لي، وضعوا صورتي حين كنت فوق جثمان القائد سلامي، وكتبوا بعض العبارات، مثل…
لا، أنا سمعت عن عملية تفجير قرب محل سكنك، سمعت أنها واحدة.
نعم، كانت هناك أيضًا، الأصدقاء ألقوا القبض… لكنني لم أدخل كثيرًا في تفاصيلها.
لم تنفجر القنبلة؟
لا، كانت في البيت المقابل لنا تمامًا.
في منتصف الحرب؟
نعم.
سمعتُ أيضًا عن واحدة على الحدود التركية، هناك حيث فجّروا طائرات مسيّرة.
لا، تلك لم أنتبه لها، على الأقل.
أنا انتبهتُ لها.
لأننا، في السيارة… نعم، مرتين أو ثلاث، سواء في الطريق ذهابًا أو في طريق العودة، لأن الشباب لديهم تجهيزات تكشف ذلك، قالوا إن الطائرات المسيّرة تحلق فوقنا. في تلك اللحظة، أطفأوا الهواتف مباشرة، وفعلوا ما يجب. لقد اقتربت منا عدة مرات. يوم التشييع، بسبب أن صورتي كانت واضحة جدًا، هم انزعجوا منها، وكتبوا أشياء من قبيل: “سنفعل كذا وكذا بالإرهابيين”… أنا ذهبت إلى التشييع، وحين وصلت إلى الشاحنات التي تنقل (الجثامين)، لم أتمالك نفسي، فصعدت إلى الأعلى، وقد رأوني مرتديًا الزيّ الرسمي الكامل، وصعدت فوق التريلا، وقفتُ بجانب الجثامين، كانت ابنة القائد سلامي هناك بجانب تابوته، تحدّثت معها. كانت لدي الكثير من الجلسات الفردية مع القائد سلامي، جلسات متكرّرة وجيدة جدًا، كان يحمل محبة خاصة لي، وأنا أيضًا كنت أحمل له محبة. حتى في تلك السنتين أو الثلاث سنوات التي كنت فيها خارج المسؤولية، كان يدعوني مرارًا، كنت أذهب إلى مكتبه في الصباح الباكر، ونتحادث لساعة تقريبًا، كان يطرح أسئلة ويطلب رأيي، كان إنسانًا شريفًا حقًا، حقًا كان إنسانًا شريفًا. الآخرون كذلك. القائد باقري أيضًا، في تلك الفترة من الثلاث سنوات، دعاني مرتين أو ثلاثًا إلى مكتبه، وشرحت له الأمور. القائد محرابي، كان حقًا صديقًا. بكيتُ على جميعهم، لكن بكيتُ أكثر على القائد محرابي، لأنني كنت قريبًا جدًا منه، وكنا نمضي في كثير من الأمور معًا. في نفس الفترة التي كنت فيها نائبًا، كذلك مع القائد رشيد، وحاجي زاده.

