الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة31 يوليو 2025 23:13
للمشاركة:

هل أعادت ضربات إسرائيل الشرعية لخطاب خامنئي بين الشباب الإيراني؟

تناولت الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز نرجس باجوغلي كيف أعادت الضربات الجوية الإسرائيلية على إيران في حزيران/ يونيو 2025 تشكيل الخطاب السياسي في إيران، وكيف أصبح الشباب الإيراني الذي كان يشكَك في روايات النظام عن تهديدات الغرب، يتبنَى شعارات المقاومة ويصرّ على جدواها، بعد شعوره أنَ "الحرب وصلت إلى الديار"، على حد تعبيرها.

وفي مقال لها نشرتها مجلّة “فورين بوليسي”، أضافت باجوغلي أنّ هذا التحوّل أتاح للأصوات الأصغر حجمًا داخل الحرس الثوري أن تنتزع مكانة سياسية وتهدّد بزيادة التسلّح والقدرات النووية كوسيلة للردع.

في ما يلي ترجمة مقال باجوغلي من “الجادة”:

في الأسابيع التي تلت الضربات الإسرائيلية على إيران في شهر حزيران/ يونيو، حدث أمر غير مألوف. فعلى مدى عقود، كان الإيرانيون من بين أكثر شعوب الشرق الأوسط ميلًا للولايات المتحدة.

كانوا ينظرون بعين الشك – أو حتى الرفض الصريح – إلى الخطاب الأيديولوجي الرسمي الذي يصوّر الولايات المتحدة وإسرائيل كعدوين وجوديين. كانت الشعارات الرسمية تُسمع من قبل شريحة واسعة من الشعب، لا سيّما الشباب، على أنها مجرّد ضجيج في الخلفية، أو حتى مصدر خجل وسخرية. وغالبًا ما بدا هوس النظام بـ”المقاومة” وكأنه بقايا زمن مضى، وليس سياسة حقيقية.

لكن هذه المرّة، عندما سقطت القنابل، لم تبقَ الحرب على مسافة، بل جاءت إلى الديار، وغيّرت المعادلة. الجيل الذي كان يسخر من خطابات النظام بات يتعلّم – أحيانًا لأوّل مرة – لماذا بُني ذلك الخطاب المقاوم أساسًا.

تقريبًا بين ليلة وضحاها، لاحظتُ تحوّلًا عميقًا في أوساط العديد من معارفي داخل المجتمع الإيراني. حتى الإيرانيون الذين كانوا سابقًا يرفضون شعارات القائد الأعلى علي خامنئي بدأوا يردّدونها.

لم تقتصر آثار الضربات على إثارة الحماس الوطني، بل أشعلت شيئًا أكثر تقلّبًا: شعورًا واسع الانتشار بأنّ القوى الأجنبية تجاوزت الخطوط الحمراء. حتى بين بعض أكثر المنتقدين صراحة للنظام، لم يكن الغضب موجّهًا إلى الداخل، بل إلى الخارج.

في غضون أسبوعين فقط، استوعب الإيرانيون واقعًا جيوسياسيًا جديدًا. بدأت الشعارات تُفهم بشكل مختلف. لم تكن النخب العسكرية موحّدة من قبلُ بشأن أفضل الطرق لحماية إيران؛ أما الآن، فإنّ أولئك الذين يدعون للدبلوماسية أصبحوا يغرقون وسط أصوات تطالب بموقف دفاعي أكثر صلابة.

حتى المدنيون – الذين كانوا يعارضون موقف النظام الأمني – باتوا اليوم يطالبون بتعزيز الدفاعات. بات البعض يتحدث بصراحة عن الحاجة إلى سلاح نووي. قال لي أحد الصحفيين في أصفهان: “نحن بحاجة إلى شيء يجعلهم يفكرون مرّتين، وإلا سيتمكّنون من استهدافنا كل بضع سنوات”.

لسنوات، كان كثير من الإيرانيين يرون الحروب بين إسرائيل والولايات المتحدة ودولتهم كصراعات بعيدة، مجرّدة، أو مفروضة عليهم. كانت تلك الحروب تجري في سوريا، لبنان والعراق – لا في أصفهان أو طهران. داخل إيران وخارجها، كانت استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإقليمية تُنتقد باعتبارها مُهدِرة واستفزازية ومعزولة.

لكن ضربات حزيران/ يونيو غيّرت تلك النظرة. لم تكن حربًا بالوكالة في أرض بعيدة. كانت مباشرة، وسريعة. جعلت الإيرانيين العاديين يُدركون أنهم لم يعودوا مجرّد مشاهدين. بات بإمكان إسرائيل والولايات المتحدة الآن اختراق عمق الأراضي الإيرانية من دون رادع يُذكر.
قالت لي فنّانة في طهران: “كنتُ من أولئك الذين يهتفون في التظاهرات مطالبين بعدم إرسال أموالنا إلى لبنان أو فلسطين، لكنني الآن أفهم أنّ القنابل التي نواجهها جميعًا واحدة، وإن لم تكن لدينا دفاعات قوية في المنطقة، فستأتينا الحرب إلى عقر دارنا”.

هذا الوعي الجديد انتشر بسرعة – ليس فقط داخل إيران. كثير من المحتوى الرقمي الذي شرح تاريخ التدخّل الغربي في إيران – من انقلاب 1953 إلى اغتيال العلماء الإيرانيين – لم يُنتَج في طهران. لقد تم إنتاجه في الغرب، وكان موجّهًا للجمهور الغربي.

على منصات مثل “تيك توك”، “إنستغرام” و “إكس”، بدأ شباب – من اليسار واليمين – يتساءلون عن سبب تصوير إيران كـ”بعبع دائم” في السياسة الخارجية الأميركية على مدى عقود. هؤلاء لم يكونوا من أنصار النظام؛ كانوا في الغالب أميركيين – من جيل الألفية وجيل Z – يحاولون فهم الحروب الدائمة التي شكّلت وعيهم.

فجأة، لم تعد تحذيرات خامنئي تبدو بعيدة عن الواقع، تلك التحذيرات التي لطالما دعت إلى عدم الثقة بالولايات المتحدة، وتحدثت عن إسرائيل المتوسّعة والمحبّة للحرب، ليس لأنه اكتسب شرعية أخلاقية، بل لأنّ العالم بدأ يدرك الحقائق الاستراتيجية التي كانت إيران تشير إليها منذ سنوات. بدأ هذا التحوّل – وإن كان جزئيًا أو غير متوقع – يعيد تشكيل صورة إيران، داخليًا، إقليميًا وعالميًا.

لطالما صوّر الغرب الحرس الثوري الإسلامي الإيراني على أنه مؤسسة متجانسة لا همّ لها سوى العدوان. لكنّ الواقع أن الحرس الثوري منقسم داخليًا، وداخله تيّارات متنافسة. على مدى العقد الماضي، كانت القيادة العليا – المتأثرة بآثار حرب العراق (1980-1988) – غالبًا ما تدعو إلى ضبط النفس. ورغم التزامها بالردع الإقليمي والتوسع العسكري، فإنّ كثيرًا من القادة رأوا أن المواجهة المفتوحة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة تمثّل خطرًا وجوديًا لا ضرورة استراتيجية.

لكن تحت هؤلاء القادة، برز جيل جديد داخل الحرس الثوري: جيل لم يتشكّل في الدفاع، بل في الهجوم. بات بعض هؤلاء المقاتلين اليوم في الأربعينيات من العمر، ويتهيّأون لتسلّم زمام القيادة.

تدرّب هذا الجيل الجديد على الطائرات المسيّرة، الصواريخ والحرب السيبرانية؛ قاتلوا بأنفسهم في سوريا وساعدوا في تنظيم الجماعات المسلّحة في العراق. واليوم، يرى هؤلاء الصاعدون في الحرس الثوري أنّ المواجهة ليست حتمية فحسب، بل مثمرة أيضًا. فبالنسبة لهم، الردع لا يعني البقاء فقط، بل هو موقع إقليمي، فخر وطني وإعادة تأكيد للسيادة.

زادت ضربات حزيران/ يونيو، وردود إيران المحدودة لكن المدروسة، من جرأة هذا الجيل. هم يرون أن ضبط النفس الذي التزمت به الدولة خلال العقدين الماضيين – ناهيك عن التزامها الخاطئ بالاتفاق النووي لعام 2015 – لم يجلب سوى المزيد من الهجمات. حقيقة أنّ إسرائيل استطاعت تنفيذ ضربات بهذا العمق وبهذه الكفاءة تدعم وجهة نظرهم: تحتاج إيران إلى ردع موثوق، وتحتاجه الآن.

أما بين عموم السكان، فإن جيلًا وُلد بعد ثورة 1979 – وغالبًا ما كان محبطًا من أيديولوجيا الدولة – يشهد اليوم تحوّلًا عميقًا. لا يعني ذلك أنهم يتبنون النظام، لكنهم يعيدون التفكير بكل ما كانوا يعتقدونه عن القوة الغربية والأمن العالمي.

قد لا تدوم هذه اللحظة من التأييد الشعبي النسبي للدولة الأمنية، لكنها حاليًا تُغيّر موازين القوى داخل دوائر صنع القرار الإيراني. يحقّق المتشددون الشباب في الحرس الثوري مكاسب. يقدّم حلفاؤهم في الإعلام الرسمي، البرلمان وحتى في وزارة الاستخبارات، أنفسهم كالقادرين وحدهم على حماية البلاد من خطر وجودي.

باتت أصواتهم تُسكت أولئك الذين لا يريدون الحرب – وهم كُثر في إيران. تاريخيًا، كان دعاةُ التفاوض مع الغرب من التيار التكنوقراطي العملي. أما اليوم، فإنّ القادة المتعاطفين مع السلام يواجهون تحوّلًا أعمق في الرأي العام.

لسنوات، ورغم تحذيرات خامنئي من أنّ الغرب لا يجب الوثوق به، واصلت شرائح واسعة من الإيرانيين التصويت لمرشحين يعدون بالانفتاح. كانت الدبلوماسية تُرى – إن لم تكن مثالية – كخيار واقعي للخروج من العزلة. لكنّ الضربات الإسرائيلية غير المبرّرة في حزيران/ يونيو جاءت بينما كانت المفاوضات مع الولايات المتحدة لا تزال جارية. والآن، في أوساط الشرائح التي كانت تؤيد الحوار سابقًا، يزداد الاعتقاد بأنّ المفاوضات مع الغرب خدعة؛ فمهما فعلت إيران، ستُعاقب.

في غضون أسابيع من بدء الضربات، تحوّل النقاش في إيران من “هل ستنجح الدبلوماسية”؟ إلى “هل كانت الدبلوماسية صادقة أساسًا”؟ باتت فكرة أنّ التفاوض مع الغرب قد يحلّ مشكلات إيران تُسمع اليوم وكأنها نوع من الاستسلام، لا الواقعية.

استغلّ خامنئي – كعادته – اللحظة لترسيخ رواية تدعم وحدة أراضي إيران من خلال الدفاع. وتحديدًا، هي رواية “المقاومة”، التي بدأت على الأقل عام 1980، حين غزا العراق إيران بدعم من الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي والدول الأوروبية الغربية (إن لم يكن قبل ذلك، بانقلاب عام 1953 بتخطيط أميركي – بريطاني).

فإذا كانت إيران محاطة بأعداء يريدون إخضاعها، فإنّ المقاومة – بكل ما فيها من صواريخ وطائرات مسيّرة محلّية الصنع – تبقى الأمل الأخير للبقاء. والجهات الوحيدة القادرة على قيادة هذه المقاومة الدفاعية هي القوات المسلّحة للجمهورية الإسلامية.

لقد ألحقت الضربات ضررًا بالبنية التحتية لإيران، لكنها في المقابل عزّزت رواية خامنئي. صمد النظام. بقيت القيادة. لم تنفجر الشوارع بالاحتجاج. لم تتفكّك إيران. وعلى المستوى الدولي، لم تعد إيران تُرى فقط كدولة معتدية، بل كدولة تحت الحصار، تقاوم مرّة أخرى التدخل الخارجي.

هذا الإرث له أهمية – ليس للتاريخ فقط، بل لمسألة الخلافة. من سيخلف خامنئي (86 عامًا) كقائد أعلى لإيران سيتم اختياره في سياق هذه الضربات: حيث ثبتت صحّةُ عقيدة المقاومة من خلال الوقائع، لا فقط الأيديولوجيا. ويمنح ذلك الحرس الثوري – وخاصة الجيل المتشدّد الشاب فيه – نفوذًا أكبر في تشكيل الفصل التالي من الجمهورية الإسلامية.

إنّ التحدّي أمام قادة إيران – خصوصًا الجيل الجديد في الحرس الثوري – هو كيفية استثمار هذه اللحظة من دون الإفراط. قد تلقى الدعوات لتوسيع القوة العسكرية، أو حتى السعي لامتلاك سلاح نووي، صدى الآن، لكنها قد تستجلب ردودًا خارجية أعنف، وتُعمّق العزلة الاقتصادية.

لا تعني قدرة الجمهورية الإسلامية على النجاة من الضربات أنها محصّنة من الانهيار – فلا دولة محصّنة. لا يزال الاقتصاد الإيراني متعثّرًا، والثقة العامة ضعيفة، والخط الفاصل بين دعم الردع ودعم الحكم ضئيل. وإذا ما خلطت القيادة بين إثبات صحة استراتيجيتها وشرعية غير مشروطة، فقد تُشعل من جديد الاضطرابات التي نجحت مؤقّتًا في احتوائها.
ومع ذلك، فقد تغيّر المشهد السياسي الداخلي بشكل جوهري. بات المتشدّدون الذين كانوا يكافحون لتبرير “المقاومة” في وجه إسرائيل والولايات المتحدة يقولون إنّ التاريخ أنصفهم.
لم تعد “المقاومة” حكرًا على الجمهورية الإسلامية ومؤيّديها – إنها الآن شعار دفاعي عن الوطن يتجاوز الانتماءات الاجتماعية والسياسية. وتلك رواية قوية – خاصة عندما تُردَّد من قبل مشكّكين سابقين، وتدعمها أحداث واقعية.

سيحدّد ما إذا كان بإمكانهم تحويل هذه الرواية لتكون مؤسّسة – عبر الخلافة، أو التشريع أو الإجماع الاجتماعي الأوسع – لشكل الجمهورية الإسلامية مستقبلًا. لكن في الوقت الراهن، هم في موقع الصعود.

غالبًا ما يتأرجح الخطاب الدولي عن إيران بين أمرين: إما أنّ النظام على وشك الانهيار، أو أنه قوة لا تتوقّف عند حدود المنطقة. وما يُغفل هو مدى مرونة هذا النظام وقدرته على التعلّم، التكيّف وامتصاص الصدمات ضمن سردية البقاء والمقاومة..
لم تدمّر الضربات الإسرائيلية هذا النظام، بل عزّزته. ولا أحد يعرف بعد ما الدروس التي ستنتج عن هذه السردية بالنسبة للإيرانيين – سواء أولئك الذين يأملون بالسلام، أو أولئك الذين يدفعون نحو الحرب.

لقد غيّرت الضربات أيضاً نظرة الإيرانيين إلى أنفسهم. ففي الماضي، حتى في ظل العقوبات، كانوا يرون أنفسهم كمراقبين سلبيين لصراعات بعيدة؛ أما الآن، فهم أهداف مباشرة للعدوان الإقليمي.

ربما يكون التحوّل الأهم هو التحوّل الجيلي، فالأمر لا يتعلّق بجيل 1979 الذي يُعيد التأكيد على مواقفه القديمة، بل بأبناء هذا الجيل وأحفاده – الذين نشؤوا في بيئة فيها شبكة عنكبوتية، إعلام غربي وميل نحو الغرب – وهم الآن يشكّكون في شرعية النظام العالمي الذي تربّوا على تصديقه.

باتت الشعارات التي كانوا يعدّونها دعاية، تُفسَّرُ اليوم كواقعية سياسية. وإذا ما استمر هذا التحوّل، فسيؤثّر على السياسة الداخلية والإقليمية لإيران لعقود قادمة.

قد يكون هذا التحوّل – أكثر من أي نصر أو هزيمة تكتيكية – الأثر الأبعد مدى. لسنوات، كان الإيرانيون يتساءلون: لماذا نحتاج إلى برنامج صاروخي، حلفاء إقليميين أو عقيدة مقاومة عسكرية؟

أما الآن، فهم يتساءلون: كيف نعزّز هذه الدفاعات أكثر، لنحافظ على سيادة إيران واستقلالها؟

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: