الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة12 يوليو 2025 11:43
للمشاركة:

حين ينجو الوقود النووي: هل تبدأ إيران مرحلة “الانتشار الموزّع”؟

في تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 10 يوليو 2025، يستعرض الصحفي ديفيد سانجر معلومات استخباراتية إسرائيلية تشير إلى أن جزءًا من مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة تقترب من مستوى تصنيع السلاح النووي قد نجا من الهجمات الجوية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل الشهر الماضي.

ويعرض التقرير خلافًا بين الروايتين الإسرائيلية وتلك الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما إذا كانت إيران قد نقلت جزءًا من هذا المخزون قبيل الضربات. كما يسلّط الضوء على التقديرات بشأن حجم الدمار الذي لحق بمنشآت التخصيب في فوردو ونطنز، وعلى تقديرات تحليلية عن دخول البرنامج النووي الإيراني في مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا من “الانتشار الموزّع”، وسط تصعيد أمني وتراجع في قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المراقبة.

في ما يلي الترجمة الكاملة للتقرير:

قال مسؤول إسرائيلي رفيع إنّ إسرائيل خَلُصت إلى أنً جزءًا من مخزون إيران المدفون تحت الأرض من اليورانيوم المخصّب بدرجة تقترب من درجة تصنيع القنبلة النووية نجا من الهجمات الأميركية والإسرائيلية الشهر الماضي، وقد يكون في متناول مهندسي إيران النوويين.

وأضاف المسؤول أنّ إسرائيل بدأت في التحرّك نحو عمل عسكري ضد إيران أواخر العام الماضي بعد أن رصدت – وفقًا لتوصيفه – سباقًا لبناء قنبلة ضمن مشروع إيراني سري. وقد تحدث المسؤول بشرط عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية المعلومات.

ولفت المسؤول الإسرائيلي إلى أنّ الاستخبارات الإسرائيلية رصدت نشاطًا متعلّقًا بالأسلحة النووية بعد فترة وجيزة من اغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله، بغارة جوية إسرائيلية. وقد دفع هذا الاكتشاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاستعداد لهجوم سواء بمساعدة أميركية أو من دونها.

خلال الأيام التي تزامنت مع الهجوم الإسرائيلي على إيران في منتصف حزيران/ يونيو، والقرار اللاحق للرئيس ترامب بالمشاركة في العملية، قال مسؤولو الاستخبارات الأميركية إنهم لم يرصدوا أدلّة على أن إيران تحاول تحويل مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى سلاح.

وشنّت الولايات المتحدة هجمات على اثنين من أهم مواقع التخصيب في إيران باستخدام قنابل خارقة للتحصينات تزن 30 ألف رطل، واستهدفت الموقع الثالث بصواريخ توماهوك أطلقت من غواصات، حيث يمكن تحويل الوقود فيه إلى شكل صالح للأسلحة.

وبحسب المسؤول الإسرائيلي، فإنّ الأدلّة التي تم جمعها بشأن البرنامج السري – والتي لم يوضح تفاصيلها – قد تم تبادلها بالكامل مع الولايات المتحدة.

لكن في مقابلات أُجريت في كانون الثاني/ يناير، قال مسؤولون أميركيون إنهم لا يعتقدون بأنّ إيران تسعى حاليًا لصناعة سلاح نووي، رغم أنهم أشاروا إلى وجود جهود أوليّة لاستكشاف أساليب “أسرع وأقل تعقيدًا” لبناء قنبلة.

وأبلغت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد الكونغرس في آذار/ مارس إنه لا توجد أدلّة على أنّ الإيرانيين قرّروا تصنيع سلاح نووي، وهو موقف كرّره مسؤولو الاستخبارات الأميركية في حزيران/ يونيو.

وفي إفادة صحفية للمراسلين مساء الأربعاء، لم يُبدِ المسؤول الإسرائيلي قلقًا من التقييم الذي أفاد بأنّ بعض مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – المخزّو في حاويات – قد نجا من الهجوم. وأوضح هو وآخرون مطّلعون على تقارير الاستخبارات الإسرائيلية إنّ أي محاولة إيرانية لاستعادته ستُرصد على الأرجح – وسيكون هناك متّسعٌ من الوقت لمهاجمة المنشآت مجدّدًا.

وأكد مسؤولون في الاستخبارات الغربية التقييم الإسرائيلي، وقالوا إنهم يعتقدون بأنّ جزءًا كبيرًا من المخزون دُفن تحت الأنقاض في مختبر إيران النووي في أصفهان، وربما في مواقع أخرى. كما شدّد أحدهم على أنّ الولايات المتحدة أو إسرائيل ستعلمان إذا حاولت إيران استعادة اليورانيوم المخصّب، وأنّ مثل هذه الخطوة ستستدعي بالتأكيد هجومًا إسرائيليًا جديدًا.
وتتّفق إسرائيل والولايات المتحدة وعدد متزايد من الخبراء الخارجيين على أنّ جميع أجهزة الطرد المركزي العاملة في نطنز وفوردو – نحو 18 ألف جهاز تعمل بسرعات فوق صوتية – قد تعرّضت للتلف أو التدمير، على الأرجح بشكل لا يمكن إصلاحه. والسؤال المطروح الآن هو كم من الوقت ستحتاجه إيران لإعادة بناء هذه القدرات جزئيًا أو كليًا، خاصة بعد استهداف كبار علماء برنامجها النووي وقتلهم.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تمسّك بكلامه عن أنّ البرنامج الإيراني “تم تدميره”، وأنّ قادة إيران لم يعودوا مهتمين بالأسلحة النووية بعد الضربات الجوية الأميركية. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسث إنّ القصف ترك الوقود والمعدّات في موقع فوردو الأكثر تحصينًا “مدفونة تحت الجبل، مدمّرة ومُزالة تمامًا”.

وواصلت الإدارة الأميركية هذا الخط في تصريحاتها يوم الخميس. وصرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي: “كما قال الرئيس ترامب مرارًا، إنّ عملية المطرقة منتصف الليل قضت بالكامل على منشآت إيران النووية. العالم بأسره أكثر أمنًا بفضل قيادته الحاسمة”.

لكنّ التقييم الإسرائيلي بشأن نقطة واحدة – وهي ما إذا كانت إيران قد نقلت جزءًا كبيرًا من مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% قبيل الضربة الأميركية في ساعات الصباح الباكر من 22 حزيران/ يونيو في طهران – يختلف عن استنتاج المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي.

وكان غروسي قد تحدث عن نقل جزء كبير من المخزون الذي كان مخزنًا في أصفهان قبل تعرّض المنشأة للهجمات الإسرائيلية والأميركية. بينما أصر المسؤول الإسرائيلي على أن شيئًا لم يُنقل، وقال إنّ موقع التخزين في أصفهان كان عميقًا للغاية بحيث لا تستطيع حتى أقوى الأسلحة الأميركية تدميره.

لكن الهجوم الأميركي على أصفهان أدى إلى إغلاق العديد من المداخل، ويبدو أنه دمّر المختبرات التي تُحوّل اليورانيوم المُخصّبَ إلى هيئة يمكن استخدامها في تصنيع الأسلحة، ثم صبّه في شكل معدن يمكن تشكيله كرأس حربي صاروخي.

وفي القمة النووية التي انعقدت في لاهاي قبل أسبوعين، قال ترامب إن الضربات الأميركية “أخّرت قدرة إيران على تطوير الأسلحة النووية لسنوات عديدة قادمة”، ولفت إلى أنه سيكون مستعدًا لتوجيه ضربة جديدة إذا لزم الأمر. وتابع: “يمكن لهذا الإنجاز أن يستمر إلى أجل غير مسمى إذا لم تحصل إيران على مواد نووية، وهو ما لن يحدث”.

منذ ذلك الحين، طردت إيران مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذين كانوا في طهران خلال الهجمات الإسرائيلية والأميركية، وأوقفت تشغيل بعض الكاميرات وأجهزة المراقبة الأخرى المتبقّية، مما أدى إلى فقدان أفضل نافذة كان يملكها الغرب على النشاط الإيراني.

وقال الباحث المختص بالشأن الإيراني في مجلس العلاقات الخارجية راي تقیی، والذي تابع البرنامج النووي الإيراني على مدى 25 عامًا: “البلاد تغرق في الظلام”. وأضاف: “أعتقد بأننا نتجه إلى مرحلة جديدة من الانتشار النووي الإيراني تقوم على توزيع الجهد في أنحاء البلاد عبر عدد كبير من الورش الصغيرة. ما تعلّمه الإيرانيون هو أنه حتى ما تضعه في الجبال يمكن أن يُقصف”.

إذا كان تقیی محقًا – وقد كرّر مسؤولون استخباراتيون أميركيون وبريطانيون وأوروبيون هذا التوقّع خلال الأسبوعين الماضيين – فقد تدخل إسرائيل والولايات المتحدة في مرحلة جديدة من لعبة “القط والفأر”.

يبدو أنّ إيران لن تحاول إعادة بناء منشآتها النووية في فوردو أو نطنز، إذ تبيّن أنه حتى فوردو، المبني عميقًا داخل جبل، كان أكثر هشاشة مما كان يعتقده مصمموه الإيرانيون. (وكان أحد أبرز نقاط الضعف وجود فتحات تهوية عميقة داخل المنشأة؛ وقد شملت الضربات الأميركية هجمات وجهت قنابل زنة 30 ألف رطل إلى هذه الفتحات، مما مكّنها من الاقتراب من غرف التحكّم وقاعات التخصيب أكثر مما لو اضطرّت إلى اختراق الصخور مباشرة).

بالنسبة للإيرانيين، فإنّ الوصول إلى الوقود المخصب بالفعل بنسبة 60% – وهي نسبة تقترب من 90% المستخدمة عادة في الأسلحة النووية – يُعد أمرًا بالغ الأهمية، إذ إنّ معظم الجهد المطلوب للوصول إلى يورانيوم عالي التخصيب يتم في المراحل الأولى.

لكنّ أي محاولة لاستخراج الوقود من تحت أنقاض أصفهان قد يصعب إخفاؤها عن أعين الأقمار الاصطناعية. وقال المسؤول الإسرائيلي إنه يعتقد بأنّ هناك مخزونات إضافية ما زالت موجودة في فوردو ونطنز، وهما الموقعان الرئيسيان للتخصيب. وكلاهما استُهدف بقنابل خارقة للتحصينات، وقد خلصت إسرائيل إلى أنّ استعادة تلك المخزونات سيكون أمرًا بالغ الصعوبة.

ما يزال غير معروف، بحسب المسؤولين الأميركيين والبريطانيين، مدى سرعة إيران في إعادة بناء المنشآت التي فقدتها، وما إذا كانت قادرة على القيام بذلك سرًا لتجنّب ضربة جديدة.

في السنوات التي سبقت الهجمات، كانت إيران تحفر منشأتين نوويتين عميقتين تحت الأرض، إحداهما قرب مختبرات أصفهان، والأخرى في نطنز. ولم تكن أي منهما هدفًا للهجمات الأميركية والإسرائيلية. لكنّ تحويلهما إلى بدائل لموقعي التخصيب الذين تم قصفهما سيكون مهمة كبيرة، وسيتطلّب استبدال أكثر من 18 ألف جهاز طرد مركزي يُعتقد بأنها دُمِّرت أو تعطّلت خلال الهجمات.

ليس من الواضح عدد أجهزة الطرد المركزي الجديدة التي كانت إيران تبنيها في ورشها المنتشرة في أنحاء البلاد، أو متى ستكون جاهزة للتركيب.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: