إيران بعد الحرب.. الآفاق الاجتماعية والاقتصادية إلى أين؟
تُجمع الدراسات والتحليلات الإيرانية على أن الحرب مع إسرائيل – التي اندلعت في 13 حزيران/ يونيو 2025 واستمرت لمدة 12 يوم - تعد حدثًا مصيريًا سيترك أثره العميق والممتد على كل جوانب الحياة في إيران.
وفي هذا السياق، نقدّم ترجمة لمقالة “صدمة الحرب” للكاتبة فائزة مؤمني، من مجلة “تجارت فردا” الإيرانية، حيث حاولت الكاتبة في هذه الأسطر التي نُشرت في اليوم الأخير من الحرب استشراف آفاق إيران في حال استمرت الحرب أو حتى فيما بعدها، وتناولت ذلك من خلال تحليل التحديات التي ستواجهها البلاد وفرص “التكاتف المجتمعي”، وكذلك أهمية “التعافي النفسي والاجتماعي والتفكير الاستراتيجي في مرحلة إعادة البناء التي تلي الصراع”.
في ما يلي الترجمة الكاملة:
مع صبيحة يوم الجمعة 13 حزيران/ يونيو 2025، وسماع دوي الانفجارات في طهران والمدن الكبرى في إيران، بدأت الهجمة العسكرية الإسرائيلية. وفي غمضة عين، امتلأت أجواء البلاد بالتوتر والقلق. باتت الحرب التي طالما ظلّ شبحها يُخيّم على إيران اليوم واقعًا. تُظهر التجربة التاريخية أنّ الحرب ليست مجرّد مواجهة عسكرية فحسب، بل هي تغيّر سريعاً نسيج الحياة اليومية للناس. فكيف تتغيّر سلوكيات وعادات المجتمع الإيراني تحت ظل الحرب؟
المرونة الاقتصادية
قد تُخرج الحرب اقتصاد البلاد سريعاً من مساره الطبيعي، وتُعرّض معيشة الناس للخطر. في الأيام الأولى للهجوم، تتأزّم الأسواق، وترتفع أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، ويهرع الناس إلى المتاجر لتخزين احتياجاتهم اليومية. تؤدي الاضطرابات في سلسلة الإمداد واحتمال قصف المنشآت النفطية والصناعية، إلى انخفاض العرض وارتفاع متزايد في التضخم. وتُظهر تجارب الحروب السابقة أنّ الحكومات في مثل هذه الظروف تتّجه نحو تقنين الاستهلاك وتوزيع الحصص.
وإذا تواصلت الحرب، فمن المحتمل أن تُعيد الدولة نظام القسائم وتقنين السلع الأساسية (كما في ثمانينيات القرن الماضي) لتقليل صدمة نقص الغذاء والوقود. وتكتسب سياسة “الاقتصاد المقاوم”، التي طُرحت لسنوات كاستراتيجية لمواجهة العقوبات، طابعًا عمليًا أكبر في ظروف الحرب؛ أي الاعتماد على الإنتاج المحلي، التقشّف الشديد واستبدال الواردات بمنتجات محلية. ومع أنّ هذه الاستراتيجية ضرورية للبقاء الاقتصادي، إلا أنها تعني قبول فترة من المعاناة المعيشية العامة.
إلى جانب الاقتصاد الرسمي، تُمهّد الحرب الطريق لنموّ كبير في الاقتصاد غير الرسمي والسوق السوداء. فمع تراجع رقابة الدولة وضعف سلطات الحكم في بعض المناطق، ينشط الأفراد والمجموعات الطامعة لتحقيق مكاسب. وتُظهر الدراسات عن الحرب السورية أنّ ضعف الدولة المركزية وفوضى الحرب دفعت الناس العاديين إلى النشاط في القطاعات غير الرسمية، مثل تهريب السلع والتبادل في السوق السوداء. ففي سوريا، أدى انهيار النظام الاقتصادي إلى أن يصبح تهريب الوقود والسلع، وحتى الأعمال الخطرة، مثل النهب والخطف، وسيلة للعيش لبعض الفئات.
ورغم أنّ وضع إيران يختلف عن الحرب الأهلية السورية، إلا أنّ استمرار الصراع ونقص السلع قد يؤدي إلى نموّ شبكات التهريب والاحتكار. يعزّز مثل هذا الاقتصاد الحربي نفوذ المحتكرين والوسطاء، كما في سوريا، حيث أدّت العقوبات والحرب إلى ظهور وسطاء أوصلوا السلع للناس بأسعار باهظة عبر تجاوز القيود. والنتيجة أنّ المواطن العادي يُسحق تحت وطأة الغلاء والنقص، بينما تستفيد أقلية من فوضى الحرب.
من ناحية أخرى، تُكبِّدُ الحرب ميزانية الدولة تكاليف ضخمة: من توفير المعدّات العسكرية إلى إعادة بناء البنية التحتية المتضررة. وإذا تراجعت العائدات النفطية نتيجة تعذّرِ التصدير أو تدمير الحقول، فقد تضطرّ الحكومة إلى طباعة النقود لتمويل عجز الميزانية. هذا من شأنه أن يُشعل موجة جديدة من التضخم، ويُضعف قيمة الريال أكثر فأكثر.
وتُثبت تجربة سوريا هذا الادعاء، إذ أدى انهيار قيمة العملة الوطنية خلال الحرب إلى اعتماد الاقتصاد على أسعار عدة للصرف، بل والتعامل بالعملات الأجنبية أو بنظام المقايضة. كذلك، تضعف القاعدة الضريبية للدولة، لأنّ جزءًا كبيرًا من الأنشطة الاقتصادية ينتقل إلى الظل، بعيدًا عن أعين المؤسسات الرسمية. وهكذا تُنشئ الحرب حلقة مفرغة: انخفاض في الإنتاج والتجارة، زيادة في التضخم والبطالة، اتساع الفقر وعدم المساواة واعتماد أكبر على دعم الدولة والمساعدات الإغاثية.
ومع ذلك، وسط هذا الظلام، قد تتشكّل نقاط إيجابية. فالصمود في ظروف الأزمة يولد إبداعات جديدة في المجتمع؛ من ابتكارات لإنتاج بدائل محلية إلى تعاون شعبي لتلبية الاحتياجات. خلال حرب السنوات الثماني بين إيران والعراق، ورغم النقص، ظهرت شبكات تعاون محلي وتوزيع شعبي، وتمكّنت العديد من الأسر من تجاوز سنوات الحرب بالاعتماد على الإنتاج المنزلي والتقشّف .
واليوم، إذا تواصلت الحرب، يُتوقّعُ أن تظهر مشاريع صغيرة عائلية، شركات ناشئة لإنتاج المعدّات والسلع الأساسية وحملات شعبية لدعم المناطق المتضررة. ورغم أنّ معيشة الناس ستزداد صعوبة، إلا أنّ روح الصمود الاقتصادي قد تتحوّل إلى ثقافة عامة؛ ثقافة تقوم على القناعة، الاكتفاء الذاتي والدعم المتبادل.
التضامن الاجتماعي
لكل حرب وجه آخر أيضًا: التضامن الاجتماعي. على المدى القصير، يمكن للهجوم الخارجي أن يُغطّي على الانقسامات الداخلية ويُثير مشاعر الوطنية والوحدة القومية. وتشير نظرية “الالتفاف حول العلم ” (rally around the flag) في العلوم السياسية إلى هذه الظاهرة، حيث يتوحّد الناس في مواجهة التهديد الخارجي خلف دولتهم وأمّتهم.
يمكن رؤية مثال واضح على ذلك في أوكرانيا؛ بعد الهجوم الروسي، ورغم الانهيار الحاد في مستوى المعيشة وارتفاع البطالة والفقر، ارتفعت ثقة الناس بالحكومة الأوكرانية، وقدّموا دعمًا واسعًا للمؤسسات الحاكمة. قبل الحرب بشهرين فقط (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، لم يكن سوى 5% من الأوكرانيين يرون أداء الحكومة المركزية مقبولًا، لكن في كانون الثاني/ ديسمبر 2022 (بعد أشهر من بدء المقاومة)، عبّر 41% عن رضاهم عن الحكومة، كما ارتفعت الثقة بالجيش من 72% إلى 96%، وبالرئيس فولوديمير زيلينسكي من 27% إلى 84%.
تُبيّن هذه الأرقام كيف يُمكن للحرب الخارجية أن تُعبّئ الناس خلف قادتهم رغم الصعوبات المعيشية. ويمكن التوقّع أن بداية الحرب مع إسرائيل ستخلق – على الأقل في الأشهر الأولى – موجة من الوحدة الوطنية في إيران. حتى العديد من المنتقدين الداخليين قد يُؤجّلون انتقاداتهم مؤقّتًا، ويتّخذون موقفًا داعمًا للدولة ضد العدو الخارجي. وتَظهرُ مجددًا رموز مثل العلم الإيراني ذي الألوان الثلاثة، الأناشيد الحماسية وصور الشهداء، ويظهر نوع من الوحدة رغم التعدّد.
لكنّ السؤال الأساسي هو: هل يدوم هذا التضامن الأوّلي؟ تُظهر تجارب الدول الأخرى أنّ الحرب الطويلة قد تُرهق النسيج الاجتماعي، بل تُحدث فيه تصدعات. تشير دراسة حديثة عن أوكرانيا إلى أنه رغم تنامي روح التعاون في مواجهة العدو، فإنّ الثقة الاجتماعية تراجعت بعد أكثر من عام على الحرب. ففي الوقت الذي يضحّي فيه الناس من أجل بعضهم البعض، أصبحت لديهم شكوك بشأن المستقبل، وتضرّرت روابطهم الاجتماعية.
وتُظهر التحليلات أنّ تآكل الثقة قد يكون من أخطر تبعات الحرب الطويلة، إذ يؤدي إلى ضعف التماسك الاجتماعي. أحد أسباب هذا التراجع هو الإحباط من المؤسسات العامة، فإذا شعر الناس أنّ الحكومة غير قادرة على حمايتهم أو إدارة تبعات الحرب، قد تتزايد مشاعر انعدام الثقة تجاهها. لذا، فإنّ استمرار التضامن الوطني يحتاج إلى نجاح الحكومة في إدارة الحرب والتخفيف من آلام الناس.
وكلّما طالت الحرب وأصبحت أكثر كلفة، زادت احتمالات ظهور شروخ اجتماعية جديدة. إضافة إلى ذلك، تخلق الحرب خطوط صدع جديدة داخل المجتمع. تشير تقارير من أوكرانيا إلى أنه بالتوازي مع تصاعد التلاحم الوطني، نشأت فجوات بين العسكريين والمدنيين، وأيضًا بين اللاجئين الفارّين من الحرب وبين من بقوا في البلاد.
وفي إيران، إذا طال أمد الحرب، قد تظهر مشاعر استياء أو انقسام بين العائلات التي تعرّض أحباؤها للخطر وتلك البعيدة عن المخاطر. كذلك، قد يشعر سكان المناطق المتضرّرة واللاجئون منها بأنّ بقية البلاد لا تدرك تمامًا حجم معاناتهم.
قد يخرج التماسك الاجتماعي في إيران – الذي تعرض لاهتزازات بسبب المشاكل الاقتصادية والسياسية لسنوات – من آتون الحرب أكثر صلابة، أو قد تظهر فيه شروخ عميقة. ويُعدُّ دور رأس المال الاجتماعي والثقة العامة حاسمَيْن في هذا السياق؛ فإذا استطاعت المؤسسات المدنية والمجموعات الشعبية أن تُنشئ شبكات دعم وتعاطف فعّالة، ستكون فرص الحفاظ على التماسك أكبر، وإلا فإنّ المجتمع قد يواجه خطر “الانهيار الصامت”، حيث ينسحب الأفراد إلى عزلتهم بدلًا من التعاون.
علم النفس الجمعي
لا تقتصر الحرب على الدمار والخراب الخارجي فقط، بل تُخلّف آثارًا نفسية عميقة في أرواح الناس. القلق المزمن، الخوف من المستقبل، الحزن الجماعي على الضحايا، والإرهاق النفسي المستمر، كلّها مظاهر من المعاناة الجماعية التي تتركها الحرب. وإذا استمرّت هذه الأوضاع لفترة طويلة، فإنها تترك بصمتها على الصحة النفسية للأفراد وعلى توازن المجتمع بأكمله.
في إحدى الدراسات النفسية التي أُجريت بعد الحرب على غزة عام 2014، تبيّن أنّ أكثر من 90٪ من الأطفال أظهروا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، كالتبوّل الليلي، الأرق، نوبات الغضب أو البكاء والكوابيس المتكررة. لم يكن الوضع أفضل لدى البالغين أيضًا، حيث ارتفعت معدّلات الاكتئاب، القلق واضطرابات النوم. وفي حالة إيران، إذا طال أمد الحرب، فستظهر بالتأكيد موجة مشابهة من المعاناة النفسية الجماعية.
تؤثّر الحرب أيضًا على “الوعي الجمعي” للناس، أي على الطريقة التي يرون بها أنفسهم والعالم من حولهم. في مثل هذه الظروف، قد ينشأ إحساس جماعي بالعجز أو فقدان السيطرة، وتنتشر مشاعر الغضب، نظريات المؤامرة والريبة من الآخرين. كما أنّ الأوضاع المعيشية القاسية والحرمان يضعفان قدرة الناس على ضبط النفس، ويزدان من احتمالات السلوكيات العدوانية أو المنغلقة.
تُشجّعُ الحرب في بعض الأحيان على عسكرة الوعي الجمعي. فحين تصبح لغة الحرب والعداء والتهديد جزءًا من الحياة اليومية، تنتقل هذه اللغة تدريجيًا إلى أذهان الناس، فتصبح قيم مثل “الانتصار”، “العدو”، “التضحية” و”الانتقام” محورًا لرؤية الإنسان للعالم. ويزداد هذا الخطر عندما تُربَط هذه اللغة بالدين أو القومية، فتصبح الحرب مبرّرةً باسم القيم المقدسة، وتُصبح “الهوية الوطنية” أو “الدينية” سلاحًا يستخدم ضد الآخر، حتى لو كان من نفس الشعب.
لكن في الجهة المقابلة، قد تُحفّز الحرب أيضًا نوعًا من الوعي الجديد. قد يشعر بعض الناس بمسؤولية أكبر تجاه مجتمعاتهم، أو تُوقظ الحرب فيهم إحساسًا إنسانيًا كان غافلًا. وتاريخيًا، رأينا كيف ألهمت الحروب الكبرى أدبًا وفنًا وفلسفةً عميقة عن معنى الحياة، الموت والمقاومة. في إيران، إذا امتدّت الحرب، فقد يظهر جيل جديد من الفنانين والكتّاب والشعراء الذين يوثّقون هذا الألم ويحوّلونه إلى سردية جماعية مقاوِمة.
ويبقى العامل الحاسم هنا هو: كيف نتعامل نحن – كمجتمع – مع هذا الألم؟ هل نكتمه ونحوّله إلى غضب داخلي مزمن؟ أم نواجهه، نعترف به، ونتضامن لتجاوزه؟
أزمة الهوية
الثقة هي أحد الأركان الأساسية لكل مجتمع، وتمسّ الحرب هذه الثقة بشدة. تمرُّ ثقة الناس بالمؤسسات الحاكمة، وسائل الإعلام، القوات العسكرية، بل وحتى ثقتهم ببعضهم البعض، باختبار قاسٍ تحت نيران الحرب. كما أُشير سابقًا، قد تزداد في المرحلة الأولى من الحرب الثقة العامة بالحكومة والمؤسسات الأمنية، لأنّ الناس يتطلّعون إليها كمنقذ محتمل. لكن إذا طالت الحرب وانكشفت النواقص أو الأخطاء، يصبح خطر انهيار رأس المال الاجتماعي حقيقيًا.
أظهرت دراسة عن أوكرانيا أنّ استمرار الحرب قد يؤدي إلى تآكل كبير في الثقة الاجتماعية، مما يؤثّر سلبًا على تماسك المجتمع. ولا يقتصر فقدان الثقة لا على المؤسسات الرسمية فقط، بل يمتد ليشمل العلاقات بين الأفراد أنفسهم. في الأجواء النفسية المليئة بالخوف والإشاعات، ينتشر التضليل، ويصبح من الصعب على الناس الاعتماد على بعضهم البعض. يمثّل الوضع أزمة مضاعفة بالنسبة لإيران، التي تعاني أصلًا منذ سنوات من تراجع في مستوى الثقة العامة.
عامل مهم آخر هو “أزمة الهوية الجماعية” التي قد تتولد عن الحرب. الهوية الوطنية الإيرانية قائمة على عناصر متعدّدة — من التاريخ واللغة المشتركة إلى الدين والقيم الثقافية — والحرب قادرة على زعزعة هذا النظام الرمزي. من الممكن أن تؤدي الحرب مع إسرائيل في المدى القصير إلى تعاظم الشعور القومي الإيراني وتقوية الهوية الإيرانية/ الإسلامية في مقابل “العدو الخارجي”. وكما ظهر في أوكرانيا، فإنّ الغزو الأجنبي جعل الأوكرانيين يقدّرون سيادتهم الوطنية وهويتهم، مما قلّل من الفروقات اللغوية والإقليمية بينهم.
في إيران أيضًا، قد يشعر مختلف المكوّنات القومية والعرقية بوحدة أكبر تحت راية الوطن. لكنّ الوجه الآخر لهذه الحالة هو أنّ الحروب الطويلة قد تخلق فجوات جديدة في الهوية. مثلما حدث في سوريا، حيث أدى طول أمد النزاع إلى إبراز الفروقات الطائفية والعرقية، كما زاد من أزمة الهوية الوطنية.
في إيران، قد يشعر الشباب — الذين يتطلّعون لحياة عصرية وسلمية — بأنهم غرباء عن الخطاب الرسمي السائد، خاصةً إذا تمّ تبرير الحرب بحجج تتعلّق بالمشروع النووي أو سياسات الحكومة الإقليمية، حيث أنّ جزءًا من المجتمع الذي كان ينتقد هذه السياسات قد يعاني من ازدواجية في الهوية: فمن جهة، يعتبر نفسه وطنيًا ويعارض العدوان الخارجي، ومن جهة أخرى لا يشعر بالانسجام مع أسباب اندلاع الحرب.
قد يتحوّل هذا التناقض إلى أزمة هوية جماعية تثير تساؤلات وجودية مثل: “من نحن؟ ولماذا نحارب”؟ ولتجنّب تفاقم هذه الأزمة، يصبح من الضروري إعادة تعريف السرديات الوطنية وبناء خطاب شامل. إذا استطاعت الدولة صياغة رواية الحرب عن “الدفاع عن وحدة الأراضي والسيادة الإيرانية”، بعيدًا عن الأيديولوجيا، فمن الممكن أن تكسب دعمًا واسعًا من مختلف شرائح المجتمع. يمكن للتأكيد على الأمجاد التاريخية المشتركة ودور كل المكوّنات القومية والطائفية في الدفاع عن البلاد، أن يعزّزا من شمولية الهوية الوطنية. أما إذا كان هناك فشلٌ في ذلك، فهناك خطر بأن يقوم كل طرف بصياغة روايته الخاصة عن الحرب وأسبابها، مما يخلق بعد انتهاء الحرب اختلافات حادة بشأن من هم الأبطال ومن هم الضحايا — وهي حالة تمهّد لانقسامات اجتماعية طويلة الأمد.
دروس الحرب
لفهم أعمق لما قد يحدث في إيران، يمكن العودة إلى التجارب التاريخية والمعاصرة في دول أخرى. الحرب الإيرانية – العراقية (1980–1988) هي أقرب تجربة في الذاكرة الجمعية للإيرانيين. كانت حربًا طويلة أثّرت بشكل عميق على السلوك والعادات الاجتماعية. أصبح نظام البطاقات التموينية والطوابير للحصول على المواد الأساسية جزءًا من الحياة اليومية. أصبحت انقطاعات الكهرباء، واللجوء إلى الملاجئ خلال القصف الصاروخي — خصوصًا في سنوات “حرب المدن” الأخيرة — من الذكريات الجمعية.
سادت ثقافة التضحية ونكران الذات بين المقاتلين وحتى في الجبهة الداخلية، وتأقلمت العائلات مع نمط حياة تقشفي. بعد الحرب، دخلت إيران مرحلة إعادة إعمار، لكن قيمًا مثل القناعة، العمل الجماعي وتحمّل الشدائد ظلّت راسخة. مع ذلك، يجب ألا ننسى أنّ تلك الحرب تركت أيضًا جراحًا عميقة؛ فقد عانى الجرحى وعائلات الشهداء لسنوات من آلام جسدية ونفسية، واستغرق الاقتصاد الإيراني سنوات للعودة إلى مستواه السابق.
تُظهر التجارب التاريخية أنّ المجتمع الإيراني يتمتع بقدرة كبيرة على الصمود، لكنّ الخسائر البشرية والمادية قد تؤثّر على أجيال قادمة. في سوريا، على سبيل المثال، كانت آثار الحرب المدمّرة واضحة بشكل غير مسبوق: أكثر من نصف السكان أصبحوا نازحين، في أكبر أزمة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية. لجأ الملايين إلى دول أخرى، ومن بقوا اضطرّوا لتغيير مساكنهم قسرًا، مما أدى إلى انقطاع اجتماعي واسع وتفكّك للأسر والمجتمعات.
في إيران، قد يكون خطر الاحتلال البري ضعيفًا، لكنّ الهجمات الجوية والصاروخية قد تؤدي إلى “هجرة معاكسة”؛ فقد تسعى بعض العائلات في طهران للّجوء إلى المدن الصغيرة أو القرى حفاظًا على سلامتها، أو قد تُرسل أبناءها مؤقتًا إلى الخارج. لن تكون مغادرة البلاد خيارًا متاحًا للجميع، لكن التجربة التاريخية تُظهر أنه كلما اشتدّت الحرب، زاد عدد من يملكون القدرة على الهجرة ويغادرون فعليًا. أدت الحرب في أوكرانيا خلال العامين الماضيين إلى نزوح ملايين الأشخاص – أكثر من ستة ملايين أوكراني – معظمهم من النساء والأطفال، لجأوا إلى بلدان أوروبية.
يمكن للحرب بين إيران وإسرائيل أن تطلق موجة جديدة من هروب العقول ورؤوس الأموال. من يشعر بانعدام الأمل بالمستقبل سيسعى للهجرة بحثًا عن الأمان، مما يشكّل ضربة طويلة الأمد لمسيرة التنمية. من الناحية الاقتصادية، تمثّل سوريا مثالًا صارخًا على الانهيار الاقتصادي الناتج عن الحرب: انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من النصف، تجاوزت البطالة نسبة 50% ووقع 90% من السكان تحت خط الفقر.
ورغم أنّ الوضع الاقتصادي في إيران أقوى بفضل البنية الاقتصادية وعدد المتخصّصين، إلا أنّ الحرب قد تعيد مسيرة التنمية سنوات إلى الوراء. العقوبات الشديدة، وقف صادرات النفط، تدمير البنية التحتية وانسحاب الشركات الأجنبية، كلها عوامل تسهم في تراجع النمو وزيادة الفقر. توضح التجربة اليمنية أيضًا كيف أنّ الحرب تجلب المجاعة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية.
لذلك، ينبغي توقُّعُ تراجع في مؤشّرات التنمية البشرية في إيران أيضًا: قد تنخفض نسبة محو الأمية بسبب توقف التعليم، تضعف الخدمات الصحية بسبب نقص الدواء وهجرة الأطباء ويتراجع متوسّط العمر المتوقّع بسبب الخسائر البشرية والضغوط النفسية الجماعية.
المجتمع المتعب
في سبيل تحليل أعمق للآثار الاجتماعية للحرب، حاورنا أستاذ علم الاجتماع في جامعة طهران تقي آزاد أرمكي، الذي يُراقب تحوّلات المجتمع الإيراني منذ عقود. وردًا على سؤال عن كيفية تحمّل المجتمع الإيراني الذي أنهكته ضغوط السنوات الماضية تبعات حرب جديدة؟ وهل يمكن بناء وحدة وطنية في مثل هذه الظروف، أجاب: “المجتمع الإيراني اليوم، حتى قبل اندلاع الحرب، مجتمع متعب، منطوٍ على ذاته، وغاضب. أنهكت الناس سنوات من المواجهة مع الغرب، الفساد بين النخب والجمود الاقتصادي والاجتماعي. في مثل هذا السياق، تكون الحرب سيفًا ذا حدّين: من جهة، قد توحّد الناس بشأن الدفاع عن الوطن في المدى القصير، ومن جهة أخرى، فإنّ استمرار العنف والمشقّقة يجعل هذا التماسك هشًا.
قد يتّجه المجتمع الذي حُرم طويلًا من الفعل المدني الفعّال، وتعرّض لمظالم مستمرة، خلال الحرب إما نحو تضامن غير مسبوق، أو نحو تمزّق خطير. وأنا أخشى السيناريو الثاني، خصوصًا إذا طال أمد الحرب من دون أفق واضح للسلام.
هناك مؤشرات مقلقة نراها اليوم في سلوكياتنا الاجتماعية: عندما تُصبح العنف أمرًا مألوفًا، تنحسر الأخلاق العامة وتزداد احتمالات النزاعات الداخلية أثناء الحرب الخارجية، قد ينهار المجتمع المفتقر إلى الثقة ورأس المال الاجتماعي تحت ضغط الحرب، بل وربما تنشأ فيه صراعات داخلية.
في مثل هذا الوضع، قد يختار جزء من الناس العزلة بدلاً من المشاركة: يهاجرون، أو ينسحبون إلى هامش الحياة الاجتماعية، ولا يعودون يهتمون بالمصير الجماعي. في المقابل، من يبقون في المشهد العام، قد يجدون أنفسهم في مواجهات غير مباشرة، يتبادلون الاتهامات، ويسعون لحلول فردية، غالبًا عدوانية، بدلًا من التعاون البنّاء لتجاوز الأزمة البنيوية. في ظل الحرب، يمكن أن تتفاقم هذه الانقسامات وتُضعف الوحدة الوطنية.
ضرورة إعادة البناء
بعد انتهاء الحرب، يبدأ التحدّي الحقيقي في إعادة بناء المجتمع والدولة، فالحروب لا تترك الدمار المادي فقط، بل تخلّف جراحًا نفسية واجتماعية عميقة تحتاج إلى علاج طويل الأمد.
إعادة البناء ليست مجرّد إصلاح للبنى التحتية والمرافق، بل هي عملية شاملة تتطلّب استعادة الثقة بين الناس وبين مؤسسات الدولة، تصحيح الأوضاع الاقتصادية وإعادة تأسيس الهوية الوطنية على أسس جديدة تتجاوز الانقسامات التي خلقتها الحرب.
نعلم من تجارب التاريخ بأنّ المجتمعات التي تنجح في تجاوز آثار الحرب وتبنّي السلام، هي تلك التي توفّر فرصًا عادلة للمشاركة السياسية والاجتماعية لكل فئات المجتمع، وتحترم حقوق الإنسان وتتبنّى سياسات مصالحة وطنية حقيقية. يؤدي إهمال هذا الجانب إلى احتدام الصراعات الداخلية وعودة دوامة العنف من جديد.
في حالة إيران، تتطلًب إعادة البناء بعد حرب مع إسرائيل من القادة والمجتمع المدني العمل معًا لإيجاد رؤية مشتركة تستند إلى التعايش والعدالة الاجتماعية. كما يجب أن تواكبها إصلاحات اقتصادية تساعد في الحد من الفقر والبطالة، تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص التعليم والصحة للجميع.
لا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق على الأفراد، خصوصًا على الأطفال والشباب الذين عاشوا في أجواء الخوف والدمار. ستكون برامج الدعم النفسي والاجتماعي ضرورية لمساعدتهم على تجاوز الصدمات وبناء مستقبل صحي ومستقر.
في الختام، الحرب ليست نهاية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلّب إرادة قوية، تخطيطًا دقيقًا وجهودًا مشتركة لبناء إيران أكثر وحدةً وقوةً. الطريق طويل وشاق، لكنّ التحدي الأكبر يكمن في قدرة المجتمع على التعلّم من تجاربه، والانطلاق نحو السلام والتنمية المستدامة.
آفاق ما بعد الحرب
لا تجلب الحرب، ذلك الظاهرة المروّعة، معها فقط الدمار والمصائب، بل يمكن أن تكون عاملًا في إحداث تغييرات عميقة في المجتمعات أيضًا. بالنسبة لإيران، فإنّ الحرب مع إسرائيل في خرداد 1404 (حزيران/ يونيو 2025) تشبه زلزالًا اجتماعيًا تهتز أصداؤه لسنوات عديدة بعده.
على الصعيد الاقتصادي، من المرجّح أن نشهد فترة من التقشّف وصعوبات المعيشة، حيث يضطر الناس للتكيّف مع النقص والاعتماد على اقتصاد المقاومة على مستوى الأسرة والحي.
في المجال الاجتماعي والثقافي، قد تمر البلاد بفترة من التضامن الوطني والحماس للوطن، حيث تُعزَّزُ القيم الجماعية، لكن على المدى المتوسّط، قد يتحوّل هذا الحماس إلى إرهاق واحتراق نفسي، وإذا لم تُدَرْ هذه الحالة بشكل جيد فقد يؤدي ذلك إلى تفتّت اجتماعي.
ستكون الصحة النفسية للجماعة الإيرانية التي تضرّرت من الحرب بحاجة إلى شفاء واهتمام خاص، ومن هنا يجب التفكير من الآن في آليّات دعم تعيد الصحة النفسية للمجتمع بعد الحرب.
تعلّمُنا تجارب سوريا وأوكرانيا، وحتى حربنا السابقة، أنّ مرحلة وقف إطلاق النار ليست سوى بداية المرحلة الحقيقية: مرحلة إعادة بناء البلد وإعادة خلق المجتمع. يمكن إعادة بناء الهياكل الخرسانية والحديدية بالمال والتقنية، لكن إعادة بناء النسيج البشري والاجتماعي أمر صعب.
تجب استعادة الثقة المفقودة، تقديم العزاء للأحضان المثقلة بالحزن وإشراك الشباب الذين هزّت الحرب هويّتهم في بناء مستقبل مشرق.
مستقبل إيران مرتبط بالقرارات التي تُتخذ اليوم؛ هل سينبثق من أزمة الحرب أمة أقوى، موحّدة وأكثر اعتمادًا على نفسها؟ أم دولة أضعف، متفرقة ومحبطة؟ تعتمد الإجابة على هذا السؤال على كيفية إدارة الحرب وما بعدها.
لقد أثبت المجتمع الإيراني مرارًا أنه كطائر الفينيق الذي ينهض من رماد المشاكل. ويُرجى أن يكون هذا الحال هذه المرة أيضًا، وأن يولد من امتحان الحرب الشاق ميلادٌ جديد لإيران والإيرانيين.
في خضم التحديات الكبيرة التي تفرضها الحرب، تكمن أمام إيران فرصة نادرة لإعادة بناء نفسها بشكل أقوى وأكثر وحدة. إنّ مستقبل البلاد لا يعتمد فقط على ما خلّفته الحرب من دمار، بل على كيفية إدارة المرحلة التي تليها ومدى قدرتها على تحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق للتقدم والتنمية.
استعادة الثقة الاجتماعية، تعزيز التضامن الوطني وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، كلّها عوامل أساسية لضمان نهضة حقيقية. بالنهاية، يعلّمنا التاريخ أنّ الشعوب القوية هي التي تنهض من بين الرماد لتكتب فصولًا جديدة من الإنجازات. فهل ستكون إيران قادرة على أن تكون هذه الأمة الفينيقية التي تبني مستقبلها بحكمة وشجاعة؟ ستحدّد الإجابة على هذا السؤال مصير الأجيال المقبلة.

