خامنئي في “لحظة الحقيقة”: هل يمتلك القائد الأعلى خطة؟
يُحلّل الباحث الإيراني- الأميركي ومؤلف كتاب "استراتجية إيران الكبرى" ولي نصر دور القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في إدارة الأزمة النووية الراهنة ووقف إطلاق النار مع إسرائيل.
وفي مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، يشير نصر إلى أنّ الضربات الأميركية والإسرائيلية على المواقع النووية الإيرانية وضعت إيران في “لحظة حقيقة”، لكنّ إيران بقيادة خامنئي اختارت الثبات ورفضت الانسحاب.
نصر الذي حلل “استراتجية إيران الكبرى” في الكتاب الصادر حديثًا عن “دار هاشم” للكتب والنشر، بناءً على التجربة التي خاضتها البلاد في الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي يرى في هذا المقال أن استراتيجية خامنئي مبنية على خبرات تلك الحرب. ويلخصها بـ”استراتيجية التحمل طويلة الأمد، مع موازنة صارمة تُعرف بـلا حرب ولا سلام”. رغم الاعتراف بالقيود العسكرية والاقتصادية التي تعاني منها إيران، يعتقد نصر أن طهران تراهن على إجبار واشنطن وإسرائيل على قبول حرب استنزاف تؤجل الحسم وتخلق فرصة لإعادة بناء قدراتها النووية، مشيرًا إلى أنها اختارت القيام بضربة صاروخية على قاعدة العديد الجوية في إطار سياسة “البحث عن الردع وتأكيد عدم الانكسار”.
“الجادة” تقدم لكم ترجمة كاملة لمقال ولي نصر في مجلة “نيويورك تايمز” الأميركية:
شكّلت هجمات الولايات المتحدة على المواقع النووية الإيرانية في نهاية الأسبوع الماضي، والتي جاءت بعد حملة قصف إسرائيلية استمرت أسبوعًا، نقطة تحوّل بالنسبة لإيران.
إن تورّط واشنطن في الصراع يمثّل أحد أكبر التحديات للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، ولحظة حقيقة للقائد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، الذي حافظ على عداء إيران للغرب طوال 36 عامًا في السلطة.
الآن، بات مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير وقف إطلاق النار الهش مع إسرائيل، في يديه – وحتى في مواجهة تهديد خطير، من غير المرجح أن يتراجع.
قادة إيران ليسوا غرباء عن الحروب. العديد من كبار قادة البلاد، بمن فيهم الرئيس، وزير الخارجية، والشخصيات العسكرية الأساسية، هم من قدامى المحاربين في حرب إيران الطويلة مع العراق في الثمانينيات، وهي صراع مرير كلّف إيران مليارات الدولارات ومئات الآلاف من الأرواح. في عهد آية الله خامنئي، الذي شغل منصب الرئيس من 1981 إلى 1988، وأصبح القائد الأعلى عام 1989، أصبحت دروس ذلك الصراع الوحشي تشكل أساس رؤية النظام للعالم – وسياسته للأمن القومي.
كما يراها آية الله خامنئي، فإنّ إيران محاصرة في صراع من أجل البقاء مع الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل. كانت السياسات التي انتهجها خلال العقود منذ توليه السلطة – القمع الداخلي، التوسع النووي، ودعم الميليشيات بالوكالة مثل حماس وحزب الله – كلها في خدمة كسب ذلك الصراع. وقد تعمّق عدم ثقته بواشنطن منذ انسحاب دونالد ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي إلى عام 2015 الذي تفاوضت عليه طهران مع إدارة أوباما.
تدرك الجمهورية الإسلامية حدودها في هذا الصراع. جيشها غير كافٍ بشكل مؤسف في مواجهة الأسلحة الأميركية المتقدمة، واقتصادها مقيّد بشدة بسبب العقوبات الدولية. وفي السنوات الأخيرة، ثار الإيرانيون ضد سياسة النظام في المقاومة الدائمة ضد الغرب، وكذلك ضد سياساته القمعية المحلية. كما حافظت الولايات المتحدة على وجود قوي في المنطقة، مع عشرات الآلاف من الجنود المتمركزين عبر شبكة من القواعد.
إذا كان هذا التاريخ يدل على شيء، فإنه يدلّ على أنّ آية الله خامنئي لن يتراجع، ناهيك عن الاستسلام. لقد قبل، في الوقت الحالي، وقف إطلاق النار مع إسرائيل – ولكن فقط لأنه واثق من أنّ إيران صمدت في وجه الضربات الأميركية والإسرائيلية.
في الماضي أيضًا، قدّم تنازلات عند الضرورة. دخلت طهران في كل من اتفاق 2015 النووي والجولة الأخيرة من المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغط الاقتصادي.
آية الله خامنئي غير مهتم بتقديم تنازلات قد تغيّر مسار إيران بشكل جذري، إنه حذر حتى من الظهور بمظهر المتقبّل للتسوية، لأنه يعتقد بأنّ الولايات المتّحدة ستفسّر ذلك على أنه ضعف. قال لمستشاريه في اجتماع قبل أكثر من عقد: “أميركا مثل الكلب، إذا تراجعت ستنقضّ عليك، لكن إذا هجمت عليها، فإنها ستتراجع وتنسحب”.
بدلاً من ذلك، سعى القائد الأعلى إلى تحقيق توازن يمكن تلخيصه بعبارة “لا حرب ولا سلام”. لا يريد مواجهة ولا تطبيع مع الولايات المتحدة. ما يريده هو أن تتوقّف واشنطن عن احتواء إيران، وأن تفكّ قيود اقتصادها، تسمح لها بتبوّء مكانة قوة إقليمية عظمى.
يعتقد آية الله خامنئي بأنّ إيران يمكنها تحقيق هذا الهدف بمرور الوقت. إذا ثابرت طهران، كما يعتقد، فإنّ بإمكانها تجاوز شهية واشنطن وإسرائيل للصراع. لقد بنت حكومته استراتيجيتها العسكرية لعقود على الصبر والتحمّل، وهو ما يعكس ما استخلصه قادتها من الحرب الإيرانية – العراقية. في عام 1980، شنّ العراق ضربة مفاجئة ضد جاره، وسيطر على آلاف الأميال المربعة من جنوب غرب إيران.
بعد عامين، تمكّنت إيران من التفوّق على الجيش العراقي الأفضل تسليحًا من خلال استخدام القوات غير النظامية وهجمات “الأمواج البشرية”، مما سمح لها باستعادة جزء كبير من الأراضي التي فقدتها. الدرس، بالنسبة لآية الله خامنئي ونظرائه، كان أنّ إيران قادرة على إنهاك خصوم أفضل تجهيزًا – حتى عندما تكون الاحتمالات ضدها.
وقد وجّه ذلك الدرس رد إيران على غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003. مقتنعًا بأنّ إيران هي التالية على قائمة واشنطن، كلّف آية الله خامنئي الجنرال قاسم سليماني – الذي قُتل بضربة طائرة أميركية عام 2020 – للاستفادة من الفوضى والتمرّد العراقي المتنامي لإغراق الولايات المتحدة في مستنقع.
شرع الجنرال سليماني في بناء شبكة نفوذ إيرانية في أنحاء العراق، من خلال استمالة سياسيين عراقيين، وتعبئة الميليشيات الشيعية لمهاجمة القوات الأميركية. وقد نجحت الاستراتيجية؛ فبحلول عام 2011، كانت الولايات المتحدة قد سحبت معظم قواتها بعد تمرّد طويل ومرهق.
في السنوات الأخيرة، كان لدى إيران مُتّسع من الوقت للاستعداد لهجوم أميركي أو إسرائيلي. على سبيل المثال، قد يكون دفن موقع فوردو للتخصيب تحت الأرض قد أنقذ المنشأة من الدمار الكامل بقنابل أميركية خارقة للتحصينات. إنّ صراعًا أكبر سيشكّل تهديدًا أكبر، خاصة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني ويشعر السكان بالضيق.
في الوقت الحالي، من المحتمل أن تكون طهران قد خلصت إلى أنها تستطيع تحمّل مشقة الحرب اقتصاديًا، وأنّ الشعب سيلتفّ حول راية البلاد ويوجّه غضبه نحو المعتدين الأجانب.
مع وضع هذه الحسابات في الاعتبار، شعر آية الله خامنئي بوضوح بأنه مضطرّ للردّ لإظهار أنه لم يُهزم. كما يسعى لإثبات أنّ واشنطن لا يمكنها تحقيق أهدافها بالقوة، سواء كانت تغيير النظام أو تفكيك البرنامج النووي الإيراني. تبحث إيران عن الردع، لا التصعيد. ويبدو أنّ نطاق وتوقيت إطلاق الصواريخ الإيرانية على قاعدة العديد الجوية في قطر قد تم ضبطه بعناية، مع إبلاغ المسؤولين الإيرانيين مسبقًا إنّ الضربة آتية.
إذا انهار وقف إطلاق النار واستؤنفت الحرب، فقد تختار إيران مهاجمة السفن أو القواعد الأميركية في المياه الخليجية، أو إغلاق مضيق هرمز. سواءً فعلت ذلك أم لا، فإنّ ما يهم هو قدرتها على إبقاء العالم في حالة ترقّب، مستخدمة الغموض لزعزعة أسعار الطاقة والأعمال العالمية.
إذا هاجمت إيران، فستهدف ضرباتها على الأرجح إلى إجبار إسرائيل والولايات المتحدة على الاكتفاء بحرب استنزاف. تعتقد إيران بأن الصراع الطويل سيُفشل خطط الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق نصر حاسم، ويجبرهما على تقديم تنازلات في مواجهة التكاليف المتزايدة وردود الفعل المحلية.
لن تنظر إيران إلى دعوة الرئيس ترامب للسلام على أنها مخرج دبلوماسي مرحّب به. فقط بعد أن تستعيد قدرًا من الردع، ربما من خلال امتلاك سلاح نووي، قد تكون إيران مستعدّةً للتحدث.
هل يمتلك نظام آية الله خامنئي القدرة العسكرية، القوة الداخلية، والتحمّل السياسي لخوض حرب استنزاف؟ هذا الغموض جزء من خطة القائد الأعلى. ما قد يكون أكثر أهمية ليس ما إذا كانت إيران تملك القدرة على القتال إلى ما لا نهاية، بل إنّ بإمكانها القيام بذلك لفترة أطول مما تستطيع واشنطن أو إسرائيل تحمّله – خاصة إذا تمكنت من إعادة بناء بنيتها التحتية النووية في الأثناء، وربما حتى تجميع ترسانة نووية.
ستعتمد حسابات إيران إلى حد كبير على تقييمها لمقدار برنامجها النووي الذي نجا من القصف الأميركي، وما إذا كان بإمكانها تحويل مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى أسلحة نووية. قد تغلق برنامجها النووي قريبًا أمام عمليّات التفتيش الخارجية – وحتى إذا بقيت موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي، فإنها قد تُبقي العالم في حالة تخمين بشأن نواياها. قد تحاول الولايات المتحدة عرقلة تقدّم إيران، ولكن من دون إرسال قوات برية، قد يكون هناك حدّ لما يمكنها فعله.
وهذا ما قد يراهن عليه آية الله خامنئي: أنّ احتمالية خوض “حرب لا تنتهي” أخرى في الشرق الأوسط مرعبة بما يكفي لإبقاء الولايات المتحدة في موقع المتراجع. يبدو لطهران بالفعل أنها أقنعت ترامب بقبول وقف إطلاق النار بلهفة. حتى الآن، كانت إيران تأمل بأنّ طموحاتها النووية قد تكون كافية لإنهاء احتواء الولايات المتحدة لها وكسب تخفيف العقوبات على طاولة المفاوضات. أما الآن، فقد يستنتج آية الله خامنئي أنّ الطريقة الوحيدة لتحقيق أهدافه هي تجاوز الخط النووي مرة واحدة وإلى الأبد.
مع “إيران… ٤٦ عامًا على المحك”. اضغط هنا لمتابعة تغطية “الجادة” لمجريات الحرب الإسرائيلية- الإيرانية

